السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ الموافق ٥ محرم ١٤٤٨ هـ

كلمة في الاحتفال السنوي الختامي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك خالد ، عام (١٤٤٧هـ) – بقلم أ . د . غيثان بن علي بن جريس

كلمة في الاحتفال السنوي الختامي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك خالد ، عام (١٤٤٧هـ) – بقلم  أ . د . غيثان بن علي بن جريس
سعادة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، أصحاب السعادة وكلاء الكلية، أصحاب السعادة رؤساء الأقسام، الإخوة الحضور الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد؛ فقد تفضل عليَّ في الأسبوع الماضي كلٌّ من سعادة عميد الكلية الأستاذ الدكتور مفلح القحطاني، وسعادة رئيس قسم التاريخ والآثار الدكتور غرمان الشهري، بدعوتي لحضور هذا اللقاء السنوي المبارك. وقد اعتذرت في بادئ الأمر، ثم أوضح لي الزميلان الكريمان أن الهدف من هذا الاحتفال هو الوقوف على ما تحقق خلال العام الجامعي (١٤٤٧هـ/ ٢٠٢٥-٢٠٢٦م) من منجزات علمية وأكاديمية وبحثية، واستعراض الجهود التي بذلها منسوبو الكلية وأقسامها المختلفة. وعندئذٍ رأيت أن أشارككم هذا اللقاء؛ إيماناً مني بأهمية تبادل الخبرات والتجارب، والاستفادة العلمية والمعرفية المتبادلة بين الجميع. وفي هذه المناسبة الغالية، رغبت في أن أقف معكم عند عددٍ من الوقفات التي أرى أنها جديرة بالتأمل والاهتمام.
           
ففي وقفتي الأولى، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لسعادة عميد الكلية والوكلاء ورؤساء الأقسام، ولكل من أسهم في تنظيم هذا اللقاء، على دعوتهم الكريمة التي أتاحت لي فرصة الالتقاء بإخواني وأبنائي من منسوبي هذه الكلية العريقة. كما أهنئكم جميعاً بما تحقق من منجزات علمية وأكاديمية وبحثية خلال هذا العام، والتي تعكس الجهود المخلصة وتؤكد مكانة الكلية الرائدة في خدمة الجامعة والمجتمع، سائلاً الله تعالى أن يبارك في جهودكم، وأن يسدد خطاكم في خدمة الدين ثم المليك والوطن.
 
أما في الوقفة الثانية، وبحكم أنني كنت شاهداً ومعاصراً لبدايات التعليم الجامعي في منطقة عسير عام (١٣٩٦-١٣٩٧هـ/ ١٩٧٦م)، فإنني أستطيع القول إن إنشاء مؤسسات التعليم العالي في هذه المنطقة كان آنذاك حلماً بعيد المنال في نظر كثير من الناس. غير أن عناية الدولة المباركة بالتعليم، وما بذله المسؤولون من جهود مخلصة، وفي مقدمتهم صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل -حفظه الله- ورواد المنطقة، أسهم في تحويل ذلك الحلم إلى واقع ملموس، فأنشئت في أبها أولى الكليات الجامعية، وهي كلية التربية وكلية الشريعة وأصول الدين. وقد تشرفت بالتسجيل في الكليتين عند تأسيسهما، ثم استقر بي المقام في كلية التربية التابعة آنذاك لجامعة الملك سعود. وأذكر جيداً أن أعداد الطلاب في السنوات الأولى كانت محدودة لا تتجاوز عشرات الطلاب، كما أن الكفاءات الوطنية الحاصلة على درجة الدكتوراه كانت قليلة جداً مقارنة بما نراه اليوم. ومع مطلع القرن الهجري الخامس عشر، بدأت مسيرة التوسع الأكاديمي تتسارع حتى توجت هذه الجهود المباركة بقيام جامعة الملك خالد وغيرها من المؤسسات الأكاديمية الرائدة، وهي مسيرة زاخرة تستحق أن تُكتب في مئات الصفحات كواحدة من أبرز قصص النجاح الوطنية.
   
وتأتي الوقفة الثالثة لتشهد عام (١٤١٩هـ/ ١٩٩٨م) الذي انطلقت فيه جامعة الملك خالد التي تنتسبون إليها اليوم، فكانت مرحلةً جديدةً ومهمةً في مسيرة التعليم العالي بجنوب المملكة العربية السعودية . ومنذ ذلك التاريخ، تسارع نمو التعليم الجامعي وتوسع كمّاً ونوعاً، ولم نصل إلى عام (١٤٣٥هـ/ ٢٠١٤م) إلا وقد انتشرت الجامعات في عموم بلاد السروات وتهامة، من الطائف وجنوب مكة المكرمة إلى جازان ونجران. وكان لجامعة الملك خالد دور ريادي ومحوري في هذا التحول الكبير أفقياً وعمودياً، بل امتدت بركاتها العلمية إلى منطقتي جازان ونجران اللتين شهدتا لاحقاً قيام جامعتين مستقلتين. وإن هذه المنجزات الكبيرة تؤكد أن ما نراه اليوم هو ثمرة رؤية بعيدة المدى، ودعم كريم من قيادتنا الرشيدة، واستثمار ناجح في الإنسان.
 
وبالعودة إلى كليتكم الموقرة في الوقفة الرابعة، فإنها تمثل نموذجاً واضحاً للتطور الذي شهدته مؤسسات التعليم العالي في المنطقة. فكما أشرت، كانت البداية في أبها مقتصرة على كليتين، ثم أُنشئت كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية في مطلع القرن الهجري الخامس عشر. وعندما تأسست جامعة الملك خالد، دخلت تلك الكليات مرحلة جديدة من التطوير وإعادة الهيكلة. ولا شك أن الجامعة واجهت تحديات وعقبات مصاحبة لعمليات التوسع والدمج، إلا أنها استطاعت تجاوزها بحكمة واقتدار. وشهدت نهاية العشرينيات من القرن الهجري الحالي خطوة مهمة تمثلت في ضم كليات البنات والمعلمين إلى الجامعة، وتعدل اسم الكلية عبر مراحل ليصل إلى «كلية الآداب والعلوم الإنسانية»، وهو اسم أكثر اتساقاً مع رسالتها. وتواصلت عمليات التطوير منذ مطلع الثلاثينيات إلى بدايات الأربعينيات في الأقسام والبرامج والدراسات العليا والبحوث، حتى أصبحت الكلية اليوم إحدى الكليات الرئيسية في الجامعة، وثمرةً لجهود متعاقبة بذلها عمداؤها ومنسوبوها كافة.
 
وفي الوقفة الخامسة، أؤكد لكم أن هدفي من هذا الاستعراض السريع ليس مجرد استحضار الماضي، وإنما تعريف الأجيال الجديدة من أبنائنا وبناتنا الذين لم يعاصروا تلك البدايات برحلة النمو والتطوير. ولقد عاصرت خلال العقود الماضية كثيراً من تلك المراحل، والتقيت بعشرات الرجال والنساء الذين كانت لهم جهود مخلصة وبصمات واضحة في بناء هذه الكلية. وما أذكره اليوم ليس من قبيل التصورات، وإنما هو مما شهدته وعاصرته ووقفت على وثائقه وسجلاته. ومن هنا، فإنني أدعو أبناءنا وبناتنا من المؤرخين والمؤرخات والباحثين والباحثات إلى العناية بتاريخ هذه المؤسسات العلمية وتوثيق مسيرتها؛ لأن تاريخ الجامعات والكليات ليس تاريخ مبانٍ فحسب، بل هو تاريخ رجال ونساء وأفكار وإنجازات أسهمت في بناء الوطن. وأحسب أن من يتفرغ لدراسة تاريخ هذه المعاقل العلمية، يستطيع أن يدون آلاف الصفحات عن مسيرة حفلت بالإنجازات والنجاحات التي تستحق أن تُقدم للأجيال القادمة.
 
وأختتم بالوقفة السادسة لأقول إن ما تشاهدونه اليوم من حراك علمي وأكاديمي وبحثي في هذه الكلية الموقرة ليس وليد اللحظة، وإنما هو ثمرة لمسيرة تعليمية طويلة امتدت لعقود وشاركت فيها أجيال متعاقبة. ولعل من أبرز الأسباب التي دفعتني إلى المشاركة في هذا اللقاء المبارك، هي الرغبة في الإشادة بما أولته دولتنا المباركة -أيدها الله- من عناية فائقة بالتعليم والإنسان والتنمية. وإن الواجب علينا جميعاً أن نشكر الله سبحانه وتعالى على ما أفاء به علينا من نعم. كما لا يفوتني أن أشير بالإشادة إلى أبناء هذه البلاد في السروات وتهامة، الذين كانوا وما زالوا يسهمون بجهودهم وعطائهم في خدمة دينهم ووطنهم، وبما اتصفوا به من جد واجتهاد وإخلاص ووطنية صادقة، وحضور متميز في ميادين العلم والثقافة محلياً ودولياً. 
 
وفي الختام، أسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا وولاة أمرنا، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والإيمان والاستقرار والازدهار، وأن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والصلاح. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *