صحيفة النماص اليوم – مكة – تقرير / محمد علي ال يتيم الشهري :
وفي تلك الحقبة، لم تكن المشاعر المقدسة مهيأة لاستقبال الأعداد المتزايدة من الحجاج، فكان التنقل بالغ الصعوبة، والمياه شحيحة، والرعاية الصحية والإيواء في حدودٍ ضيقة، ما جعل الحج رحلة إيمانية عظيمة لكنها قاسية ومليئة بالتحديات.
ومع توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ بدأت مرحلة تاريخية جديدة في العناية بالحرمين الشريفين وقاصديهما، حيث جعل الملك المؤسس أمن الحجاج وراحتهم أولوية كبرى منذ الأيام الأولى لتوحيد البلاد، فعمل على تأمين طرق الحج، وبسط الأمن، وتطوير المرافق والخدمات الأساسية، لتبدأ رحلة التحول الكبرى التي غيّرت وجه الحج إلى الأبد.
ومنذ ذلك العهد، تعاقب ملوك المملكة على حمل هذا الشرف العظيم، فشهدت مكة المكرمة والمشاعر المقدسة أكبر مشاريع التوسعة والتطوير في التاريخ الإسلامي، بدءاً من توسعات الحرمين الشريفين، وإنشاء الطرق الحديثة والأنفاق والجسور، وصولاً إلى قطار المشاعر، والمطارات العملاقة، ومنظومات النقل، والخدمات الصحية والأمنية والتقنية المتطورة.
وخلال العقود الماضية، تحولت مواسم الحج إلى منظومة تشغيلية متكاملة تُدار بأعلى درجات الاحترافية، تشارك فيها مختلف قطاعات الدولة لخدمة ملايين الحجاج القادمين من أكثر من 180 دولة حول العالم، ضمن خطط دقيقة وإمكانات ضخمة تعمل على مدار الساعة.
وتكشف الأرقام الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء حجم هذا التحول التاريخي، حيث بلغ عدد الحجاج في موسم 1390هـ أكثر من مليون حاج، قبل أن تتضاعف الأعداد تدريجياً مع التوسعات العملاقة التي شهدتها المشاعر المقدسة، حتى وصل العدد في موسم 1433هـ إلى الرقم الأعلى تاريخياً بـ 3,161,573 حاجاً، في مشهد إيماني مهيب جسّد قدرة المملكة على إدارة أكبر تجمع بشري سنوي على وجه الأرض.
وفي أصعب الظروف، أثبتت المملكة قدرتها الاستثنائية على حماية ضيوف الرحمن، كما حدث خلال جائحة كورونا، حين اتخذت القيادة السعودية قراراً تاريخياً بتقليص أعداد الحجاج حفاظاً على الأرواح وسلامة المسلمين، لتعود مواسم الحج بعدها بقوة وسط منظومة تشغيلية أكثر تطوراً وحداثة.
واليوم، تقف المملكة العربية السعودية أمام العالم بوصفها النموذج الأعظم في إدارة الحشود والخدمات الإنسانية، في مشهد سنوي تعجز كثير من دول العالم عن محاكاته رغم فارق الإمكانات والأعداد.
ولا يوجد على وجه الأرض من يدير هذا العدد الهائل من البشر، بمختلف لغاتهم وثقافاتهم وأعراقهم، بالكفاءة والانضباط والدقة التي تدير بها المملكة العربية السعودية مواسم الحج عاماً بعد عام.
وفي كل عام، لا تستقبل المملكة الحجاج فحسب… بل تستقبل قلوب المسلمين من أنحاء العالم.
الحج في السعودية ليس موسماً يُدار فقط… بل رسالةٌ تُحمل، وشرفٌ عظيم تتوارثه القيادة جيلاً بعد جيل.
ومنذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ وحتى هذا العهد الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان ـ حفظهما الله ـ بقيت خدمة الحرمين الشريفين رسالة دولة، وعنوان وطن سخّر إمكاناته وتقنياته وطاقاته لخدمة الإسلام والمسلمين، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية النموذج الأعظم عالمياً في إدارة وتنظيم الحج، وصاحبة التجربة الإنسانية والتنظيمية الأبرز في خدمة ضيوف الرحمن.


التعليقات