أدركتُ كغيري كبار السنّ في قريتنا -رحمهم الله- يُطلقون على من يجمع الزكاة مصطلح (القبّاضة). وقد أورد محمد بن أحمد بن عبدون التجيبي – رحمه الله – هذا اللقب في رسالته التي حققها الأستاذ/ ليفي بروفنسال، ( رئيس قسم اللغة والحضارة العربية في جامعة السربون، مدير معهد الدراسات الإسلامية في جامعة باريس). في تحقيقه لـ (ثلاث رسائل أندلسية)، صفحة (٧)، فقال: ” القباض.. يجب أن يجد لهم أن لا يقبضوا من أحد إلا بميزان العدل وصنوج الحق وكيل القسط؛ قال الله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) ، وقال : (وزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المستقيم). فإن الزيادة والحيف ظلم عظيم..
قال الله العظيم : (وَمَن يَظلِم مِنكُم نُذِقهُ عَذابًا كَبيرًا). ويجب أن يحد للقباض أيضاً أن لا يهينوا أحداً ولا يتعدوا عليه في شيء. وكذلك الأعوان، أن لا يتعدوا أكثر من الحفز فقط. وهذا يجب أن يكون كله تحت نظر القاضي وشدته ورقبته عليهم، فإنهم لصوص، عارفون بوجوه المكر والشرّ، وكذلك تكون رقبة القاضي أيضا على العمال، ويطلع في أمورهم ويرد عن الظلم ما استطاع، فتحسن بذلك الأحوال، وتمتد الأموال”. انتهى نصه.
وقد أدركتُ كغيري كبار السنّ – رحمهم الله – يُطلقون على من يخرص الزرع مصطلح ( الخرّاصة ). وقد أورد ذكرهم ابن عبدون في ذات الرسالة المحققة، صفحة (٥)، ووصفهم بأوصاف فيها غلظة وسباب.
وأكد ابن عبدون – رحمه الله – في رسالته على أهمية الزراعة وحراثة الأرض، فقال: ” ويأمر الرئيس بالحرث، وبالمحافظة عليه، وبالرفق لأهله، والحماية لهم في أعماله. ويأمر وزراءه وأهل القدرة من أهل بلده بالحرث، فيكون له ولهم أنفع، ولأحواله أرفع، وللناس أمتع وأشبع، ولبلاده أطيب وأرخى، ولحمايته أنمي وأزكى، فالفلاحة هي العمران، ومنها العيش كله، والصلاح جلّه، وفي الحنطة تذهب النفوس والأموال، وبها تملك المدائن والرجال، وببطالتها تفسد الاحوال، ويُحلُّ كل نَظم”.
في هذه الرسالة يقرر ابن عبدون – رحمه الله – أن من مقومات عمارة الأرض واستقرار المجتمعات الزراعة والفلاحة، فهما أساس الحضارة، وركيزة العمران، ومنهما يتوفر الغذاء الذي به تحفظ حياة الإنسان وتستقيم معايشه. ويبين في رسالته الأهمية الاستراتيجية للقمح، إذ يُعد عماد الأمن الغذائي وركناً من أركان القوة والدفاع، ولذلك كانت موارد الغذاء عبر التاريخ محطَّ صراع الأمم وميداناً لكثير من الحروب. كما يشير إلى أن من أعظم أسباب المجاعات إهمال الزراعة والانصراف عنها.
يا الله اليوم يـــاربي
يامعين لطُلابـــــهْ
يا الذي تنبت الحَبّ ِ
يابس يوم نذرا بـهْ
يا الله اقسم لنا خيره
وانزل الغيث همّالي
تنبت الأرض والديره
واصلح الحال والمالِ
في الختام؛ احرثوا وازرعوا البلاد، ففي حرثها وزراعتها الأجر والثواب. لا تحرموا أجدادكم وآباءكم الذين تركوا لكم هذا الإرث من الأجر والثواب. فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من مسلمٍ يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقةٌ).
ولي وطنٌ آليت ألا أبيعَهُ
وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا
عهْدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمةً
كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظِلالكا
فقد ألفَتْهُ النفسُ حتَّى كأنه
لها جسدٌ إن بانَ غودِرْتُ هالكا
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ
مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرتهمُ
عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا





التعليقات
تعليق واحد على "القبّاضة، والخرّاصة – بقلم د. عبدالرحمن بن ظافر بن عبدالله القشيري"
سلمت يمينك د عبدالرحمن وجزاك الله خير على هذا المقال الجميل الذي يحث الجميع على الزراعه وهذا العمل العظيم له اجره وله تاثيره في الاكتفاء الذاتي الغذائي الذي هو احد أهداف رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠/٣٠ ونشدد على دعوتك للحث على الزراعه ولاهمية هذا الموضوع الذي وجه محافظ النماص رساله هذا الاسبوع بناء على طلب من فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة لحث المشايخ لتشجيع المواطنين للزراعه لاهميتها وحفظ المياه مياه الامطار .
*مرفق صورة التوجية
عاجل جدا*
**المكرمين مشايخ الشمل ومشايخ القبائل والنواب **
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشارة الى ماوردنا من مدير مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعه بالنماص يذكر فيه ماتتمتع به محافظة النماص خلال هذه الايام من هطول الامطار بشكل مستمر بفضل الله ولما لذلك من اهمية كبيرة تعود بالفائده على المزارعين عند القيام بحرثها والعناية بها لتفكيك التربه خلال هذه الفترة مما يسهل امتصاص المياه بكفاءة عالية يؤدي لزيادة منسوب مخزون مياه الابار .
ويطلب ابلاغ المزارعين بقراهم الى اهمية المبادرة بحرث جميع المزارع خلال هذه الفترة لتحقيق الفائدة المرجوة من ذلك .
نود الاطلاع واتخاذ اللازم حيال طلب مدير الزراعة والتنبيه على افراد قبائلكم بما اشير اليه .
ولكم تحياتي ،،،،