كتبتُ قبل ثلاثة أعوام، وتحديدًا يوم السبت (13 رجب 1444هـ)، رسالةً إلى أهلنا في محافظتنا الغالية ( النماص العذيّة ) وما جاورها من المحافظات، بشأن ما لاحظتُه في إجازة صيف عام ( 1443هـ )، من قيام بعض العمالة الوافدة باستئجار المزارع في المحافظة وجاراتها…الخ، مما أشرتُ إليه في تيك الرسالة.
ابتداءً، أُقدِّرُ لكلِّ مُغتربٍ عن (ديرته) ومرابع صباه، ممن قضى سنين وأعوامًا طويلةً لظروف الدراسة أو الوظيفة، فهذا الاغتراب والتغرُّب أمرٌ لا مفرَّ منه، ولا مناص عنه، فهذا الوطن الكبير يستحقُّ منَّا كلَّ ذلك. وكما قال ابن الرومي:
ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ
وألا أرى غيري له الدهرَ مالكًا
عهدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمةً
كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظلالِكا
فقد ألِفَتْه النفسُ حتى كأنَّه
لها جسدٌ، إن بانَ غودِرتُ هالكًا
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ
مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهُمُ
عهودَ الصبا فيها، فحنُّوا لذلكا
“ولهذه القصيدة مناسبةٌ، ليس المقام هنا لذكرها“..
واليوم أعود لأكتب مقالًا عن العودة إلى مزارع وبساتين الآباء والأجداد؛ تلك المرابع والضِّياع التي يحنُّ إليها من مشى على تربتها، وغاصت قدماه في طينها؛ إلى من أدرك حرثها وذريها وقصّابها وريَّها، وحصادها، ودرسها ودوسها في الجرين، وذِرّاها مع هبوب رياح البحرية العليلة، ثم حفظ الحبوب في الأكياس، والرُّفـة (الرودس) في السقيفة المخصَّصة لحفظه… إلى غير ذلك من المصطلحات التي تحتاج إلى تفكيكٍ ليدرك معانيها ومدلولاتها جيل اليوم.
وفي الأعوام القريبة، اتجهت وزارة البيئة والمياه والزراعة – مشكورة – إلى دعم المشاريع الزراعية؛ تشجيعًا للمواطنين والمزارعين على استصلاح ذلك الإرث الذي خلَّفه الآباء والأجداد من مزارع وبساتين لجيل اليوم.
– والسؤال: مع هذا العطاء؛ هل ستشهد محافظة النماص، وغيرها من محافظات منطقة عسير، التفاتةً من الجيل الحاضر المغترب، والعودة إلى استصلاح ذلك الإرث الذي كانت تغرِّد على فنَنهِ وحدائقهِ وغصون شجره الطيورُ والبلابل؟
“أرجو ذلك…”
فقد يلينُ زمانٌ بعد قسوتهِ
وقد تعودُ إلى أوراقها الشجرُ
وأنا أكتب هذه الخاطرة، عادت بي الذاكرة إلى الصف الأول الابتدائي قبل خمسة عقود في (مدرسة بني قشير)، حين كتبنا على السبورة كلمتين: (“زَرَعَ”) و (“حَصَدَ”). لم ندرك وقتها مغزاهما… أمَّا اليوم، وبعد نصف قرنٍ من الزمان، فقد عقِلْتُ الدرسَ من تيك الكلمتين.
فأرجو ألا يُفوِّت جيلُ اليوم ذلك الدعم السخيّ الذي تقدِّمه هذه الدولة المباركة لكلِّ من رغب في زراعة (البلاد)، كما سمَّاها الآباء والأجداد.
وكما كان والدي – رحمه الله – يسمِّيها..
(“البلاد… شارحة الفؤاد”) .



التعليقات