الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

الشيخ محمد آل وافي .. تستاهل “البندق” يامال الوفاء – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري

الشيخ محمد آل وافي .. تستاهل “البندق” يامال الوفاء – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري
في خضم فرح كبير، ووسط احتفالية زواج الشاعر عبدالله بن الشايب، حضر وفد قبيلة بني رافع يحمل ما يليق بمقام الرجال الكبار، متوجهاً إلى الشيخ محمد بن حسن بن زهير آل وافي العمري، شيخ شمل قبائل كعب بني عمرو، وقدم له هدية لم تكن كغيرها من الهدايا. لم تكن ذهباً ولا مالاً، بل كانت “بندقية” تركية الصنع، متقنة، مزخرفة ومطعمة بالفضة، يحمل معدنها أثر الأيام وأثر الرجال.
 
لم تكن تلك البندقية سلاحاً عادياً، بل كانت رمزاً ليوم عظيم، يوم انكسر الغرور العثماني على صخور السراة يوم سُجل فيه أن بني عمرو لا يُقهرون. هذه البندقية هي من غنائم المواجهة التاريخية التي دارت بين رجال بني عمرو وجيوش الدولة العثمانية، عندما حاولت تلك الجيوش بسط نفوذها على جبال السراة.. ظن الأتراك أن ببنادقهم سيُرهبون بني عمرو، وبجنودهم وعتادهم سيكسرون شوكتهم، لكنهم اصطدموا برجال آمنوا أن الأرض لا تُصان إلا بالثبات، وأن العز لا يُشترى.
 
دارت المعركة، وعلا صوت الرجال في الجبال، وفر الغزاة تاركين خلفهم سلاحهم وعتادهم. ومن بين تلك الغنائم اختارت بني رافع هذه البندقية لتكون هدية للشيخ محمد بن حسن ابن زهير، تقديراً لمكانته ورمزاً لشموخه. فأخذها الشيخ وقال: إنها شهادة على موقف، ووسام على صدر القبيلة، ودليل على أن المعتدي الذي جاء متكبراً، فر مكسوراً رغم قوته وجبروته وغروره.
 
واليوم، أصبحت البندقية محفوظة في بيت الشيخ ابن زهير، كلما رآها صغير سأل عنها، فيجيبه الكبار “هذه هي البندقية التي غنمها رجالنا من الأتراك يوم كسرنا غرورهم”. معنى الفرح بزواج الشاعر ابن الشايب الذي كان صوت القبيلة، ومعنى الفخر بهدية البندقية التي كانت شاهدة على شجاعة القبيلة. فكان العرس احتفاءً بالكلمة، وكانت الهدية احتفاءً بالموقف، وكلاهما يؤكدان أن بني عمرو قبيلة واحدة، تفرح لشاعرها كما تفرح لفارسها، وتكرم عريسها كما تكرم شيخها.
 
حفظ الله الشيخ محمد ابن زهير، وحفظ الله رجال بني رافع ورجال بني عمرو الذين صنعوا لنا هذا المجد. فالمجد لا يُشترى بالمال، ولا يُورث بالاسم، إنما يُصنع بالمواقف، ويُحفظ بالمراجل، ويُروى للأجيال. واليوم حين نروي قصة الزواج وقصة البندقية، فإننا لا نروي مجرد حدث، بل نروي هوية، ونروي انتماء، ونروي درساً للأبناء بأن الرجال يُعرفون في الشدائد، وأن القبائل تُعرف بعطائها وثباتها ووفائها.
 
 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *