السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ الموافق ٩ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

في ربوع لشعب – بقلم الشيخ مشرف بن سكوت العمري

في ربوع لشعب – بقلم الشيخ مشرف بن سكوت العمري

أعترف أنني ما زلت حتى اليوم أحملُ في نفسي شعورٌ عميقٌ بالمودة تجاه (آل لشعب) كقرية، كمكانٍ كان لي فيه ذكريات ليست كباقي الذكريات، كشخصيات عرفتها في تلك الحقبة سواءً من الدارسين أو المعلمين أو حتى أهالي القرية الذين تركوا في أعماقي شيئاً خاصاً لكل واحدٍ منهم، ولا أكادُ أذيعُ سراً أنني قد أُعجبتُ بمن اختار هذه القرية من بين قرى المنطقة لتكون نقطة انطلاق لأهالي المنطقة جميعاً نحو المجد والعليا، فموقع القرية يكاد يكون متوسطاً بين القرى ويسهل الوصول إليه من مختلف الأماكن، بالإضافة إلى أن موقع المدرسة كأنه قد تم اختياره بعناية حتى لا يتسبب الطلاب القادمون من خارج القرية في أذى لمحاصيلها الزراعية أو مواشيها..

أما أهلها فقد كانوا طيبين ومرحبين بوجود المدرسة بينهم وفي هذا سبقٌ فكريٌ وأخلاقيٌ لهم على غيرهم حيث كان المزاج السائد في ذلك الوقت معارضة قيام أي مشروع حكومي في حدود أي قرية حتى لا يكون على حساب أراضيها الزراعية، كان بودّي أن أقول بأنني اتجهت في اليوم الأول حاملاً حقيبتي الدراسية كما اعتاد أبناء هذا العصر أن يقولوا ولكني أذكر أنني ذهبت بنفسي فقط هكذا خالي الوفاض من كل شيء، بأسمالٍ باليةٍ يُقالُ عنها ثوب، وأقدام حافية كانت قد اكتسبت القدرة على المضي فوق الأحجار الحادة والشوك دون مبالاة، وقلب امتزج فيه حب الانطلاق نحو المجهول والخوف منه، مازلت أذكر خيوط شمس ذلك الصباح، وبوابة المدرسة الرهيبة..

وأني كنتُ ثالثُ طالبٍ تم تسجيله للدراسة، ووجه العم (فايز بن مزهر) رحمه الله والذي كان يعمل فراشاً للمدرسة ولكنه كان مشاركاً في العملية التعليمية كمربي لنا وموّجه أخلاقي وإن افتقد إلى القدرة على القراءة والكتابة، وأذكر ولا أنسى المرة الأولى التي رأيت فيها مدير المدرسة الفاضل (محمد بن شايع العسيري) بقامته الطويلة، وقسمات وجهه السمراء، وأناقته التي لم أرى مثلها من قبل، هؤلاء القامتان في التربية والتعليم كان لي شرفُ الانضمام أنا ورفاقي تحت لوائهم لنبدأ مسيرة التعليم في خطوة كنا نعلم في ذلك الوقت ماهي بدايتها ولكن أقدامنا وأبصارنا وأفكارنا كانت معلقةً تماماً في فضاءٍ لا يعرف ماهي النهاية.

كنا بسطاء حقاً بما تعنيه الكلمة فلا تصور عن المستقبل ولا ما بعده سوى أننا أتينا لتعلم القراءة والكتابة وشيئاً من الحساب، يبدأ يومنا بالقيام لصلاة الفجر ثم تناول طعام الإفطار الذي كانت تُعِدهُ أمي التي استيقظت قبل الفجر رحمها الله لتصنع لنا خبزةً وشيئاً من الشاي (إن تيسر)، ثم نتسابق في برد النماص الذي لا يُفرّقُ بين الشتاء والصيف للوصول إلى المدرسة قبل نشيد الصباح، ثم بعده يقوم المعلم بالتفتيش بشكل سريعٍ علينا من حيث النظافة واللباس، وأعتقد أنها لو كانت نتيجة النظافة في ذلك الوقت تحدد الرسوب والنجاح لربما لم يتخرج أحداً من المدرسة فيتلك الحقبة..

ثم ننصرف إلى الفصول الدراسية لنجلس على (خصف) أو مقاعد خشبية (إن وجدت) ثم تبدأ الحصة الأولى بالقرآن الكريم و المفردة الشهيرة (سمَّع) والويل ثم الويل لمن تأتأ أو تلعثم أو تردد أو تأخر، ثم تبدأ حصة الحساب وكم عانينا وقاسينا من الحساب، ثم تبدأ حصة القواعد والعقبة الكؤود التي عانينها في الإعراب، ثم تتوالى بعدها الحصص الدراسية في نفس المنوال كل حصة لها عقباتها وصعوباتها، وما إن ينتهي اليوم الدراسي حتى نعودُ إلى البيت لنتناول طعام الغداء والذي كان كطعام الإفطار في غالب الأيام (كسرة خبزة) نحمد الله عليها..

ثم تبدأ الواجبات المنزلية التي لا تقل صعوبة عن واجبات المدرسة، فهناك من عليه مسؤولية (تلقيم الجمل) وهناك من تقع عليه مسؤولية الرعي بالغنم، وهناك من تقع عليه مسؤولية المساعدة في أعباء (البلاد)، ولا نعرف الهدوء ولا التوقف حتى تغرب علينا الشمس، مسكينٌ طفلُ تلك السنون الخوالي إن صح لنا أن نطلق عليه طفل، لقد كانت حياته معاناةٌ دائمة، ومشقةٌ مستمرة، وإن كنت أتعجب وأنا أستعيد هذه الذكريات وأقارنها بما أراه اليوم كيف لنا في ذلك الوقت أن نضحك ونحن نقاسي ما نقاسيه؟ وكيف يمكن لنا اليوم أن نشعر بحنين كلما التقينا وتغلب ضحكاتنا دموعنا ونحن نتذكر أدق تفاصيل الألم؟ لكنها قلوبُ الأطفال التي تعيش اللحظة، ولا تحملُ هم الغد، ولا تكلفُ نفسها البحث فيما لا طائل من وراءه.

مرت الأيام في المدرسة في روتين دائم لا يقطعهُ سوى وصول معلمين جدد ورحيل آخرين، وأذكر من معلمينا الذين جاءوا في تلك الفترة الأستاذ دحمان بن عبيد العسيري أو الدوسري لا أذكر تحديداً، وعبدالوهاب العرفج، والأستاذ محمد أحمد الحفظي، وغرم المقر، ومحمد بن عبدالرحمن العسبلي، كما أنني لا أنسى عدداً من المعلمين الفلسطينيين وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد جمعة، والأستاذ عبدالرحمن الجراد، والأستاذ محمد حسن ،والأستاذ عبدالله ياسين والأستاذ جمال، وإن كانت العصا هي الوسيلة التعليمية المعتمدة في ذلك الوقت لضمان أفضل النتائج وأسرعها في أقصر وقتٍ ممكن لديهم جميعاً..

إلا أنهم أيضاً كانوا يتفاوتون في استخدامها فمنهم من بقي في الذاكرة بعصاه سامحه الله وعفى عنه، ومنهم من بقي بدونها، ولا أنسى من بين هؤلاء المعلمين الأستاذ محمد بن ظافر بن متعب وقد كان صاحب شخصية قوية على الرغم من أنه لم يكن ممن يستخدم العصى بكثرة ولكن حرصه العميق على مصلحتنا كان يلامس القلب، ومما أذكر له أنه كان يصطحبنا إلى بيته في أيام الامتحانات العامة بالنماص ويتحول من معلم إلى مضّيف لنا فيقوم بإعداد وليمة لنا جميعاً في اليوم الأول ثم يتولى إكرامنا هو وأهل بيته “رحمهم الله وعفى عنهم جميعاً” حتى تنتهي الامتحانات ونحن في ضيافته..

كان لهذا الكرم الذي تلقيناه منه بصمة باقية أذكرها له ولذريته الكرام من بعده وأعلم أني مهما ذكرت عن هذه اللمحة الإنسانية التربوية أبقى عاجزاً عن إيفائها حقها الذي تستحقه في هذه المذكرات. ومن بين الذكريات التي لا أنساها أنا وأبناء جيلي حينما جاءنا أمير النماص عبدالله التويجري وبرفقته الأستاذ/ محمد أنور الذي أصبح مدير المدرسة ومدرس أخر يدعى محمد ناجي وذلك ليقوموا بصرف هبةٍ مقدمةٍ من الملك/ سعود بن عبدالعزيز رحمه الله لكل طالب (10) ريالات فضة كان لهذه الريالات فرحةً لا تعدلها فرحة على الرغم من أننا كنا ندرك أن بقائها معنا سيكون قصيراً ..

ولكن شعور لذة الامتلاك لها ولو لفترةٍ قصيرةٍ من الزمن، ثم شعور تقديمها كنفعةٍ للوالد شيء يختلف تماماً، أقول هذا وقد أنعم الله بفضله عليّ وعلى أبناء جيلي بالكثير من النعم وفتح علينا أبواب الرزق بفضله وكرمه، ولكن بريق تلك الريالات العشر والسعادة التي غمرت قلب كل واحد منا، ودعوات أباه حينما وضعها في يده، ورضى أمه عنه، جعل لهذه الريالات وقعاً مختلفاً في الذاكرة لا أكاد أرى الملك سعود رحمه الله إلا وتقفز هذه الحسنة معه إلى لساني فأترحم عليه، ثم بعد هذه الذكرى بعامٍ أو عامين نقل أمير النماص حينها عبدالله التويجري وحل بديلاً عنه الأمير / عبدالله بن مشعان فقدم له والدي “غفر الله له” عزيمة في منزلنا بحضور معلمين المدرسة..

وكان والدي قد أراد مني أن أقدم كلمةً بهذه المناسبة فكتب لي الأستاذ / محمد حفظي (فلسطيني) كلمة ألقيتها بين يدي الأمير ورفاقه، وكم كانت سعادتي غامرةً أيضاً بهذا الموقف حينما تلقيتُ إشادة الحضور من جماعتي الحاضرين وأساتذتي في المدرسة، وشعرت أنني قد أديت الدور المطلوب مني كما هو مطلوب. مرّت الأيام سريعةً في مدرسة (لشعب)، بحلوها ومرّها، بأنس أولئك الفتيان بالأمس وكهول اليوم، وكأنني أراهم الأن أمامي بأسمائهم وأسمالهم، بوجوههم الغضة التي لم تزرها حتى ذلك الوقت نضرة النعيم وهم يؤدون الاختبارات النهائية في مقر المدرسة السعودية بالمنداة في النماص أمام اللجنة العامة..

لتُرفع بعدها الأوراق وتصحح في الوزارة، ومن ثم يتم إعلان النتيجة العامة، وبعدها ننتظر حتى صدور الشهادة رسمياً من الوزارة، وقد حمل الشهادة إلى بيتنا الأستاذ/ محمد بن ظافر بن متعب “رحمه الله” ليفرح أبي حينها فرحاً عظيماً لم أكن أتخيل وأنا ذاهب إلى المدرسة طيلة سنواتي فيها أنه سيفرح كل هذا الفرح بها، لأنطلق بعدها مع الدفعة الأولى الذين تخرجوا من مدرسة (لشعب) في صباح يوم لا يمكن لشعاعه أن يغادر مخيلتي كما بقي من قبل شعاع اليوم الأول فيها.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *