الإثنين ١٧ أغسطس ٢٠٢٦ الموافق ٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

شبر من الأرض – بقلم الكاتب ا. محمد غرمان العمري

شبر من الأرض – بقلم الكاتب ا. محمد غرمان العمري
ما أضيقها الدنيا حين يضيق صدر الإنسان بحق غيره، وما أوسعها حين يرضى بما قسم الله له. شبر من الأرض قد لا يغير خريطة، ولكنه يغير مصيراً، ويبدل مودة إلى عداوة، ويحول الجار والصديق والأخ وابن العم والخال إلى خصم. كم من خلاف بدأ بخطوة تجاوز، وكم من قطيعة نشأت من وتد دُق في غير موضعه. الناس يظنون أن أخذ الحقوق الصغيرة هين، وينسون أن ميزان الله لا يغفل مثقال ذرة.
 
في ديننا الإسلامي الحنيف جاء التحذير واضحاً جلياً، لا لبس فيه ولا تأويل.  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين”. أي خسران هذا؟  وأي عذاب ينتظر من باع آخرته بعرض زائل؟ الأرض التي سرقتها اليوم ستصبح طوقا في عنقك غداً، وثقلاً لا تحمله الجبال.
 
الأمر لا يقتصر على التراب والحجارة، فمفهوم “الشبر” أوسع من ذلك.. فشبر من المال تأخذه بغير حق هو ظلم، وشبر من الكرامة تنتهكه هو ظلم، وشبر من الوقت تضيعه على الناس بغير وجه حق هو ظلم، وشبر من السمعة تسلبه بكلمة هو ظلم. فكل اعتداء على ما ليس لك، صغيراً كان أو كبيراً، هو “شبر” يُقتطع من ميزانك يوم الحساب.
 
اجتماعياً نرى أثر هذا “الشبر” في بيوتنا وشوارعنا ومجالسنا فجار يبني داخل ارض جاره، فينشأ نزاع يورثه الأبناء، وشريك يخفي من الربح شيئاً يسيراً، فينهار مشروع عمر، وموظف يأخذ ما لا يستحق من عهدة العمل، فيضيع البركة من راتبه كله، والناس تبرر وتقول: “ما هي إلا أشياء بسيطة”، ولكنها عند الله عظيمة، وعند المجتمع شرارة فتنة.
 
إن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأكله نار في البطون. كيف يهنأ الإنسان بلقمة مغمسة بحق غيره؟ وكيف ينام قرير العين وأرض غيره في سجلاته؟ الدنيا ممر، وكلنا راحلون، ولن نأخذ معنا إلا ما قدمنا. فلماذا نثقل ظهورنا بما لا نملك؟ ولماذا نستبدل الرضا بالطمع، والقناعة بالجشع؟
 
أيها الإنسان.. ارض بما قسم الله لك، وكن كريم النفس عزيزها فما أخذه الظالم اليوم سينتزع منه أم من أبناءه غداً، إما في الدنيا بالقضاء، أو في الآخرة بالقصاص. والحياة قصيرة، والقبر ضيق، ولا ينفع فيه شبر أرض ولا درهم حرام. ازرع في أرضك، واترك أرض الناس، واكسب بالحلال ولو كان قليلاً، فهو مبارك. فالغنى الحقيقي ليس في كثرة ما تملك، بل في سلامة صدرك وطهارة يدك.
 
إن الإسلام دين عدل، ونظام المرافعات الشرعية، ونظام الإثبات، وأنظمة البلديات والتخطيط العمراني، كلها وضعت لحماية الحدود وصون الأملاك. فمن ثبت عليه التعدي على أرض الغير عوقب، وألزم بإرجاع الحق وأداء التعويض. ومن اختلس مالاً عاماً أو خاصاً طالته يد العدالة، لأن أمن المجتمع يبدأ بحفظ الحقوق، والدولة لا تفرق بين شبر ومتر، ولا بين ريال ومليون، فالحق حق ولو قل، وقد جاءت أنظمة الدولة لتحفظ الحقوق وتردع المعتدي.
 
إن في الأنظمة تذكير، وفي الدين موعظة، وفي العقل حكمة، فتذكر أنك محاسب على الصغير قبل الكبير، وعلى النية قبل الفعل، وتذكر أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ترتفع فوق الغيم والضباب. تذكر أن البركة لا تحل في مال فيه شبهة، وأن البيوت التي بنيت على السرقة و الظلم مصيرها الدمار والسقوط ولو بعد حين.
 
وفي الختام.. إياك أن تظن أن “شبراً” هين فقد يكون هو السبب في شقاء عمر لك ولأبنائك، وفي خسارة آخرة. ومن أراد العزة فليتمسك بالعدل، ومن أراد البركة فليبتعد عن السرقة والظلم. فالأرض لله، ونحن مستخلفون فيها، وسنسأل عن كل ذرة وطئناها بغير حق.. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، ولا تجعل في أيدينا شبراً من أرض ليس لنا فيها حق.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *