السبت ٨ أغسطس ٢٠٢٦ الموافق ٢٤ صفر ١٤٤٨ هـ

‫على مقاعد الدراسة – بقلم الشيخ مشرف بن سكوت العمري

‫على مقاعد الدراسة – بقلم الشيخ مشرف بن سكوت العمري

ربما لا يشهد الواقع الذي عايشه جيلنا على وجه الخصوص بشيءٍ أكثر من شهادته بأن الدراسة كانت أهم مراحل الحياة التي صنعت فارقاً نوعياً في حياتنا في ذلك الوقت، فالتعليم لم يكن حقاً للجميع، ولم يكن من الضروريات التي يستطيع جميع الأهالي تحمل كلفتها كما هي عليه الحال اليوم بل كان رفاهيةً بما تعنيه الكلمة،  وإن كانت ضيق ذات اليد هي السبب الأول إلا أن تخلي المزارع عن يد ابنه العاملة معه في المزرعة أو تربية الماشية لصالح مستقبل مجهول لم تكن أيضاً خياراً مقبولاً للكثيرين في ذلك الوقت، بل إن من كان يقدم على هذه الخطوة ربما يوصف (بالعيب أو الهبل) بلهجتنا المحلية، أما أنا فقد كنتُ بفضل الله من القلة المحظوظين الذين أنعم الله عليهم بحاجة والدي _ رحمه الله ـ على تعليمي وذلك لحاجته الماسة إلى من يقرأ لهُ ما يَرِدُ إليه من تعاميم من الحكومة، أو مراسلة المشايخ، أو تدوين بعض حوادث إصلاح ذات البين، فسمح لي بالتعلم مبكراً في ما يسمى (بالمعلامة) وهي أشبه بالكتاتيب القديمة التي كانت تُعقد في المساجد، فكنت تلميذاً لأول مرة عند المعلم / صالح الفقيه – رحمه الله – مع عدد من أهالي قريتي والقرى المجاورة منهم أخي فايز وعوض بن عاطف ومغرم بن عبدالله وسعيد التاير وسلمان بن حمدان ومناع بن سعيد وابن خالي المتوفي خالد بن مناع وظافر بن سعيد وغيرهم،  كانت محاولة التعليم في تلك (المعلامة) خجولةً إن صح التعبير، فقد كان التعليم منصباً في غالبهِ على تعلم سور من القرآن الكريم وحفظها عن ظهر قلب، أما تعليم القراءة فقد كان مرحلةً لاحقة لم أصل إليها في (المعلامة) وأذكر كيف كان شعورنا بالزهو عند خروجنا من (المعلامة)  لا يعدِلهُ شعور، وكيف كان أهالي القرى من كبار السن الذين يقابلوننا يسألوننا بلهفةٍ عن ما تعلمناه، وفي أحد الأيام قابلني أحدهم ليسألني أنا وأخي فايز (هل قريتم اليوم؟) فرددت عليه سريعاً (قرينا ولو سبعة محاصل) ثم استغرقنا في الضحك وأصبح من يومها (المحصل) وحدة القياس التي نستخدمها لقياس ما قرأناه، كان يوم (المعلامة) يبدأ في مسجد القرية من ساعات الصباح الأولى وتقطعهُ استراحةً قصيرةً لتناول الغداء ثم يُستأنف حتى صلاة المغرب، وعند خروجنا كنا نردد 

اللهم أغفر لمعلمنا ولوالديه

ولوالدينا مع والديه

والمعلامه بين يديه

كان يومُ المعلامة يوماً طويلاً ومملاً لكن سوء البدائل الأخرى التي يمكن أن ننصرف لها من رعاية الأغنام أو المساعدة في أعمال الزراعة بالبلاد أو الاحتطاب وغيرها من المهام الشاقة اليومية الملازمة لحياة المزارعين في ذلك الوقت جعلت ذلك الملل في غاية القبول والرضى، كما أن معلم المعلامة غفر الله كان لطيفاً معنا وتأكد لنا هذا الانطباع عنه بعد تجربتنا لغيره من المعلمين في المدارس.

 ومن أهم الأحداث التي رسخت في ذاكرتي ذلك الوقت وفاة الملك عبدالعزيز _ رحمه الله_ وإن كنت حينها لا أدرك جيداً من هو الملك عبدالعزيز لكن سفر والدي إلى الرياض للمشاركة مع وفد بني عمرو في ذلك الوقت لتعزيته جعل الذكرى راسخة في ذهني، وكان وفدهم كما أذكر مكوناً من الشيخ/ جاري بن علي والذي ذهب نيابة عن والده الشيخ / علي بن جاري والشيخ/ زهير بن زايد ونائب ال غره/ عبدالله بن حوفان رحمهم الله جميعاً، كان موت (ابن سعود) حينها كما كانوا يسمونه حدثاً فارقاً لم أشعر به في حينه لصغر سني وماذا كان يعنيه هذا الحادث لأهالي المنطقة على وجه التحديد، ولكني عشت عمراً طويلاً بعد تلك اللحظة عرفت فيها مدى  حجم الولاء والانتماء الذي كانوا يُكنونه في أعماقهم له، فقد كان اسم (عبدالعزيز) يطلق هكذا  دون الحاجة إلى لقب ولكنهم جميعاً يعرفون أنه المقصود، وكان حاضراً في دعواتهم إلى أن ماتوا، كما أن القصص التي كانت يتحدثون بها عنه على الرغم من بعد المسافة ومحدودية وسائل الاتصال تدل على تعلقهم الشديد بشخصيته، وتطلعهم إلى أي أخبار عنه.

عندما كان والدي في تلك الرحلة قدم رجل من قريتنا من سوق الثلاثاء وقد كانت الأسواق إلى جانب أهميتها التجارية لحياة الناس تحمل في طياتها بعداً هاماً في تواصل الناس مع بعضهم، ومعرفتهم ماذا حدث من حولهم، ولا أدل على هذا من تخصيص يوم لكل منطقة جغرافية يكون فيه سوقها فالثلاثاء سوق النماص، والاثنين سوق بللسمر، والجمعة سوق محايل والسبت سوق سبت العلايا وهكذا، المهم أن هذا الرجل قد عاد من سوق الثلاثاء حاملاً لنا نبأ أن ابن سعود أمر أن تفتتح مدرسة وأن قبائل بني كريم وكعب اتفقوا أن تكون في قرية (لشعب) وأننا في صباح الغد سنذهب (ليكتبونا) فيها أي يسجلونا فيها، أذكرُ أنني كنت ثالث من كتبوه أو قل سجلوه في مدرسة لشعب، وأنني قد سجلت حتى قبل عودة والدي من عزاء الملك عبدالعزيز، وفي لشعب كان لي ولرفاقي في تلك الحقبة أيامٌ عديدة لا تنسى ولا تمحى من أعماق الذاكرة.

 
 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *