تشرفنا بزيارة سعادة اللواء متقاعد حسن سلمان اليوسي الشهري في قرية الدقائق – غالبة التراثية، في يوم الاحد الموافق 1448/2/11هـ حيث حظينا بحسن الاستقبال وكرم الضيافة، في صورة تعكس أصالة أبناء هذه الديار وما عرفوا به من المروءة والوفاء وحفاوة الترحيب بالضيوف.
وكان لسعادته اثر بالغ في هذه الزيارة، إذ اصطحبنا في جولة تعريفية ماتعة بين أرجاء القرية، تحدث خلالها بلغة الواثق العارف بتاريخ أرضه، فكان حديثه يجمع بين الرواية التاريخية الدقيقة، والشاهد الجغرافي، والاعتزاز الصادق بالمكان والإنسان. وقد لمسنا فيه ذاكرة ثرية، على اهمية توثيق تاريخ المنطقة والمحافظة على إرثها الحضاري وتراثها لخدمة هذا الإرث واستهل حديثه بكلمات تنبع من قلب محب لوطنه وقبيلته، فقال: “كل انسان غيور يعتز ويفتخر بقريته وقبيلته، وبالمكان الذي ولد وعاش فيه.”وهي عبارة تختصر معنى الانتماء الحقيقي، وتؤكد أن المحافظة على التاريخ ليست ترفاً ثقافياً، بل واجب تجاه الأجيال القادمة.
ثم أوضح أن قرية الدقايق تعد من أكبر قرى بني شهر، وهي قاعدة قبيلة بني يوس، كما أنها أول قرية في منطقة حلباء ـ مركز السرح – حاليا سكنها بنو مروان بن مالك بن شهر، استناداً إلى ما أورده الهمداني وعدد من المؤرخين والباحثين. ويؤكد ذلك استمرار وجود بعض أحفادهم إلى اليوم، إضافة إلى بقاء أسماء المواقع التاريخية كما هي منذ مئات السنين، ومن أبرزها وادي الغَمْرة الذي لا يزال يحتفظ باسمه وموقعه ومياهه، ليكون شاهداً حيًا على عمق التاريخ واستمرار الذاكرة المكانية.
وبيّن أن موقع قرية الدقايق يُعد من أجمل المواقع الطبيعية على جبال السروات، فهي تتربع على قمم شاهقة، تطل من الغرب على سهول تهامة، ويمر بها الطريق السياحي، كما تنحدر منها أودية عديدة تلتقي في وادي غالبة، بينما يتجه بعضها الآخر عبر الاوديه الى سهول تهامه غربا، ومن حرص الأجداد “رحمهم الله” بناء بيوت في الأصدار في مواقع تسمى [ الحشاة وحفضى ] للسكن في أوقات البرد الشديد والضباب بحثاً عن الدفء مصطحبين الأغنام من الضأن والماعز، وهذه المواقع تمنح قرية الدقايق جمالاً يجمع التنقل بين الأصدار الدافئة والجبل والسهل والوادي.
وتحدث بإعجاب عن العمارة التقليدية في قرية الدقائق، مبيناً أن الحصون والقلاع والمنازل الحجرية المشيدة والمسقفة بأخشاب العرعر تمثل مدرسة معمارية عريقة، شُيدت بعقول وسواعد الأجداد قبل مئات السنين، وما زال كثير منها قائماً شامخاً رغم تعاقب الأزمنة وتقلبات المناخ، دليلاً واضحاً على براعة البنّاء القديم ودقة هندسية وجودة مواد البناء. ومن أبرز الحصون والمواقع والمعالم التي استعرضها : ساحة آل شبيب – آل عزبان – آل عمار – آل قعطان – آل محشي – آل يوش – آل عبدالرحمن – آل محماس – آل مغرم – آل عساف – آل مهايل – آل بن سلطان و آل ظافر – وآل مرعي – الطويل وبوزحيفة – آل بوعادي – آل محنش – الحالية – وآل عثمان – آل بن طالع – آل مصلح -آل عجلان – آل سعيد – آل دهوم وآل سلمان – آل عمرة- – وآل مبارك – وآل محسن – آل بودينة،-وآل حويس – آل بوشيبة – آل بن زاهر، وغيرها من المواقع التي لا يحضرني ذكرها ما زالت صامدة، بينما اندثر بعضها بفعل الزمن وعوامل الطبيعه.
كما أشار إلى عدد من الحصون التي تهدمت لقدمها وعدم مقاومتها للعواصف القاسية والأمطار وغيرها مثل حصن اليماني وحصن اليرين وحصن الذكره الذي يُعد من أشهر الحصون وبنيت على انقاضه عمارة آل جرادة – وأيضا ساحة آل عثمان وكانت تضم ( عائلة آل غباش و آل مصلح و آل هشبول ) وموقعها الحالي عمارة حسن سلمان، مؤكداً أن هذه المواقع تمثل صفحات حية من تاريخ القبيلة وكان من حرص واهتمام الأجداد “رحمهم الله” أنهم لم يغفلوا عن الوضع الصحي وخصوصاً الأمراض المعدية فقاموا ببناء سقيفة كغرفة عزل المصابين بالأمراض المعدية للحد من انتشارها كإجراء احترازي لسلامة افراد القبيله.
ومن أجمل وما أثلج الصدر ما ذكر عن المبادرات التي يقودها شباب القبيلة لإعادة ترميم الحصون والمباني التاريخية القديمة والمحافظة عليها في مشهد يعكس وعياً متزايداً بأهمية التراث، وإدراكاً منهم بأن الأمم تحفظ تاريخها كما تحفظ حاضرها، وأن هذه المعالم ليست مجرد مبانٍ، بل هي هوية وذاكرة وحضارة متوارثة.
ولعل ما يميزه أنه لا يكتفي بسرد المعلومة، بل يربطها بالشواهد والروايات المتوارثة، ويقدمها بأسلوب مشوق يجعل المستمع يعيش تفاصيل التاريخ وكأنه يراها أمامه، وهي جهود تستحق كل التقدير والثناء لابناء القبيلة.
وفي ختام هذه الزيارة، لا يسعنا إلا أن نعبر عن بالغ شكرنا وامتناننا لابو سلمان على كرم الضيافة، وحفاوة الاستقبال.. وسعة صدره عزز في نفوسنا الاعتزاز بتاريخ الآباء والأجداد، وأكد أن المحافظة على التراث مسؤولية مشتركة، وأن من يحملون همّ التاريخ ويعملون على توثيقه هم شركاء في صناعة الوعي وحفظ الهوية.
– أ. عبدالسلام عثمان العمري – سفير الثقافة المؤسسية بوزارة التعليم











التعليقات