في تاريخ قبائل كعب بني عمرو صفحات لا تنسى ترويها المجالس جيلاً بعد جيل، ومن أبرز تلك الصفحات يوم اجتمع فيه الفرح بالفخر، ويوم التقت فيه الكلمة بالبندق، ويوم كان فيه العرس مناسبة والموقف شاهداً. في ذلك اليوم تزوج الشاعر المعروف عبدالله ابن الشايب العمري، ذلك الرجل الذي كان لسان قبيلته وذاكرتها التي تحفظ المجد وتنقله.
لم يكن زواجه حدثاً عادياً في بيت من البيوت، بل كان عرساً للقبيلة كلها، فقد توافدت الوفود من السراة وتهامة ومن كل فج قريب وبعيد ليشاركوا رجلاً حمل اسم بني عمرو في قصائده سنين طويلة. امتلأت الساحات بالضيوف، وارتفعت أصوات التراحيب، وظلت القهوة العربية عنوان الكرم لا تهدأ في ملتقى الكرم والجود. وكان الحضور يرون في هذا الزواج تتويجاً لرجل أعطى القبيلة من شعره ومن حكمته ومن حضوره في كل المواقف.
وفي خضم ذلك الفرح الكبير حضرت قبيلة بني رافع بوفد مهيب يحمل معه ما يليق بمقام الرجال الكبار. فـتقدموا إلى الشيخ محمد بن حسن بن زهير آل وافي العمري شيخ شمل قبائل كعب بني عمرو، وقدموا له هدية لم تكن كغيرها من الهدايا. كانت بندقاً تركية الصنع متقنة الصنعة مزخرفة ومطعمة بالفضة، تحمل على جسمها أثر الأيام وأثر الرجال. لم تكن تلك البندق سلاحاً عادياً، بل كانت رمزاً ليوم عظيم، ويوم سجل فيه أن بني عمرو لا يقهرون. فهذه البندق من غنائم المواجهة التي دارت بين رجال بني عمرو وجيوش الدولة العثمانية عندما حاولت تلك الجيوش بسط نفوذها على جبال السراة.
ظن الأتراك أنه ببنادقهم سيرهبون بني عمرو، وأن بجنودهم وعتادهم سيكسرون شوكتهم، لكنهم اصطدموا برجال عرفوا أن الأرض تصان بالثبات وأن العز لا يشترى.. دارت المعركة وعلا صوت الرجال في الجبال، وفر الغزاة وتركوا خلفهم سلاحهم. ومن بين ذلك السلاح اختارت بني رافع هذه الغنيمة “البندق” لتكون هدية للشيخ بن زهير تقديراً لمكانته. فأخذها الشيخ وقال إنها شهادة على موقف، ووسام على صدر القبيلة، ودليل على أن العدو التركي الذي جاء متكبراً فر مكسوراً رغم قوته وجبروته وغروره.
واليوم صارت البندق محفوظة في بيت الشيخ بن زهير كلما رآها صغير سأل عنها فيجيبه الكبار بأن هذه هي البندق التي غنمها رجالنا من الأتراك يوم كسرنا غرورهم. وهكذا اجتمع في ذلك اليوم معنيان عظيمان. معنى الفرح بزواج الشاعر ابن الشايب الذي كان صوت القبيلة، ومعنى الفخر بهدية البندق التي كانت شاهدة على شجاعة القبيلة. فكان العرس احتفاءً بالكلمة، وكانت الهدية احتفاءً بالموقف، وكلاهما يؤكدان أن بني عمرو قبيلة واحدة تفرح لشاعرها كما تفرح لفارسها، وتكرم عريسها كما تكرم شيخها.
حفظ الله الشيخ بن زهير، وحفظ الله الشاعر ابن الشايب، وحفظ الله رجال بني رافع، ورجال بني عمرو الذين صنعوا لنا هذا المجد. فالمجد لا يشترى بالمال، ولا يورث بالاسم، وإنما يصنع بالمواقف، ويحفظ بالمراجل، ويروى بالأجيال. واليوم حين نروي قصة الزواج وقصة البندق فإننا لا نروي مجرد حدث، بل نروي هوية، ونروي انتماء، ونروي درساً للأبناء بأن الرجال يعرفون في الشدائد، وأن القبائل تعرف بعطائها وبثباتها وبوفائها.
التعليقات