المساجد ليست مباني تُرفع، ولا زخارف تُنقش، ولا مآذن تُرى من بعيد فحسب، بل هي مواضع السكينة، ومهابط الرحمة، ومراكز النور التي تتصل فيها الأرض بالسماء، ويقف فيها العبد بين يدي ربه في أعظم لحظات يومه، ومن هنا فإن أعظم صور تعظيم شعائر الله أن يُقبل المسلم الى المسجد عند سماع النداء لا متثاقلا ولا متأخرا، بل بقلب يسبق الخطى شوقا إلى الفلاح.
غير أن المتأمل في بعض الأحوال يلحظ مظاهر تستدعي الوقوف والتأمل، من بينها التهاون في هيئة الذهاب الى المسجد حتى أصبح بعض الناس يخرج الى الصلاة دون اكتراث بالمظهر اللائق وكأن الوقوف بين يدي الله شأن عابر لا يحتاج إلى استعداد أو تهيؤ، والله سبحانه يقول: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد)، وهي دعوة ربانية صريحة حتى يكون للمسجد وقار، وللصلاة هيبة، وللمؤمن هيئة تليق بلقاء ربه.
إن الذهاب الى المسجد ليس انتقالا مكانيا فحسب، بل هو انتقال من مشاغل الدنيا إلى حضرة العبادة، ومن ضجيج الحياة إلى سكون الوقوف بين يدي الله، فكيف يليق بالمؤمن أن يدخل هذا المقام العظيم دون استعداد يوازي عظمة الموقف؟ إن من أدب الصلاة أن يظهر العبد في أكمل حال يستطيعها: نظافة، ووقارا، وطمأنينة، واستشعارا بأنه مقبل على أعظم لقاء.
والمسألة هنا ليست في المظاهر بقدر ما هي في المعاني، فحين يضعف الاهتمام بالهيئة، يضعف معه شيئا فشيئا معنى التعظيم في القلب، وتتحول العبادة من شعور حي الى عادة متكررة، بينما المطلوب أن تبقى الصلاة حدثا يوميا مهيبا، يُستعد له كما يُستعد لأعظم المواعيد، بل هو أعظمها عند الله.
ولا يعني ذلك المبالغة أو التكلف، وإنما المقصود الحد الأدنى من الوقار الذي يليق ببيت الله، وبمقام العبودية الذي يقف فيه الإنسان بين يدي خالقه، فالله غني عنّا، ولكننا نحن من نحتاج الى أن نرتقي بقلوبنا وسلوكنا حتى تليق بكرم الوقوف بين يديه.
وفي هذا السياق، تبقى السنن الرواتب باباً عظيما من أبواب الجبر والرفعة، يغفل عنه كثير من الناس رغم يسار أدائه وعظيم أثره، فهي ليست عبئا، بل دقائق معدودة تُكمل بها الفرائض، وتُرفع بها الدرجات، ويُجبر بها النقص، ويزداد بها القرب من الله ومن المهم أيضا الإشاره الى التهاون في أذكار الصلاة والله المستعان .
ومعالجة مثل هذه السلوكيات لا تكون بالحدة أو اللوم، بل بإحياء المعنى في القلوب قبل المظاهر، وبالتربية الهادئة التي تعيد للمسجد مكانته في النفوس، وللصلاة هيبتها في السلوك، كما أن للأسرة دورا محوريا في غرس هذا الفهم منذ الصغر، وللأئمة والخطباء أثر بالغ في ترسيخ هذا الوعي بلغة تجمع بين الحكمة والرحمة.
ولله الحمد، فما زالت المساجد عامرة، وفي الأمة خير كثير، ونماذج مشرقة من رجال ونساء وشباب يعظمون الصلاة ظاهرا وباطنا، ويدركون أن المسجد ليس محطة عابرة، بل هو قلب الحياة الإيمانية. والمطلوب أن تتسع هذه النماذج، وأن يعود للمسجد حضوره المهيب في القلوب قبل المظاهر.
نسأل الله أن يملأ قلوبنا تعظيما لبيوته، وأن يرزقنا خشوع الوقوف بين يديه، وأن يجعلنا من أهل الفلاح حقا، الذين إذا سمعوا النداء لبّوا بقلوب قبل أقدام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
قبل الختام : اللهم احفظ بلد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبا وبرا وبحرا وفضاء من كل سوء ومكروه .


التعليقات