الجمعة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ الموافق ٩ صفر ١٤٤٨ هـ

المدرسة الغيثانية وتفكيك التاريخ المحلي (شهادة في المنهج والأثر ) – أ.د. أحمد محمد أحمد إيشرخان

المدرسة الغيثانية وتفكيك التاريخ المحلي (شهادة في المنهج والأثر ) – أ.د. أحمد محمد أحمد إيشرخان

أولاً:- مقدمة: إن الكتابة عن الرواد في تاريخنا المعاصر ليست ترفًا فكريًا، ولا مجرد مجاملة إنسانية تفرضها المناسبات، أو تقتضيها التقاليد والعادات، بل هي ضرورة معرفية، وواجب أخلاقي تجاه أبناء حضارة أمة عريقة عُرفت بالشكر والعرفان لأهل الفضل، ممن نذروا أنفسهم للعلم، وأسهموا في الارتقاء بأجيال الأمة العربية والإسلامية.ومن بين هؤلاء العلماء الأعلام، والأفاضل الكرام، الذين سُطِّرت أسماؤهم بحروف من ذهب في مدونة التاريخ المعاصر للمملكة العربية السعودية خاصة، وللعالمين العربي والإسلامي عامة، يبرز في أفق المشهد الثقافي والفكري الأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس بوصفه واحدًا من جيل الرواد المؤسسين، والنبهاء العارفين، الذين لم يكتفوا بتدريس التاريخ باعتباره سجلًا لحوادث الماضي التي طواها الزمن، تُقرأ للعظة والاعتبار، بل جعل من هذا الحقل المعرفي فضاءً رحبًا لتداخل العلوم، وصولًا إلى معرفة شاملة تتكامل فيها المفاهيم والرؤى.

وقد أثمر هذا التوجه مشروعًا علميًا رائدًا، أسس لمدرسة مونوغرافية، وتاريخية، واجتماعية، في دراسة التاريخ وأدب الرحلة، وأنتج مؤلفات متميزة اتسمت بالجدة والأصالة، والدقة في التحقيق، والعمق في الدراسة.فكانت حصيلة هذا المشروع، خلال نصف قرن من العطاء، إنتاجًا علميًا يربو على مائة مؤلف وكتاب ودراسة، توزعت بين الموسوعات التاريخية، والمونوغرافيات المحلية، والدراسات في التراجم، وتاريخ الأنساب، وسير العلماء والأعلام، والرحلات العلمية، وكتابات التراث المادي واللامادي ، إيمانًا منه بضرورة صيانة ذاكرة أمة جمعت المجد من أطرافه، ودونت تاريخها بطارفه وتالده. ويضاف إلى ذلك مئات المقالات والأوراق العلمية المنشورة في المجلات المحكمة، وأعمال المؤتمرات والملتقيات الدولية.

ثانياً:- تواضع العلماء ونبل العارفين: لا يمكن لأي باحث أو قارئ أن يبحر في المحيط الفكري للأستاذ الدكتور غيثان بن جريس دون أن يستوقفه سمته الحسن، وتواضعه الجم، الذي يكسو شخصيته العلمية والأكاديمية، في انسجام تام مع صفاته الإنسانية القائمة على الرفق واللين، وتواضع العلماء العاملين.وقد حباه الله بفضيلة الجمع بين خصال علمية وإنسانية متعددة، حتى تمثلت فيه مقولة شيوخنا: «وليس بمستكثر على الله أن يجمع العالم في واحد»، في إشارة إلى تعدد ميادين عطائه؛ فقد وفقه الله إلى الكتابة والتأليف، والرحلات العلمية، وتسجيل الأحداث، وتدوين المشاهدات، وجمع الوثائق والمخطوطات، والتدريس، والإشراف على الرسائل الجامعية والأطروحات العلمية، فضلًا عن مشاركته في شؤون الإدارة والعمل الأكاديمي.ومع كثرة هذه المسؤوليات، تراه دائمًا في محراب العلم طالبًا مستمعًا متواضعًا، وأستاذًا مرشدًا وموجهًا، يجمع بين الرسوخ العلمي، وسمو الخلق.ومن هنا نشأت مدرسة علمية يحق لنا أن نطلق عليها «المدرسة الغيثانية الجريسية» في الدراسات التاريخية؛ إذ لا يكاد يخلو مقال من مقالاته، أو كتاب من كتبه، من الإشارة إلى موضوعات بحثية جديدة، يوجه إليها الباحثين، ويفتح لهم آفاقًا رحبة في ميادين التاريخ، والتراث، والحضارة، لتكون مفاتيح لمشروعات علمية واعدة.

ثالثاً:- الأريحية العلمية وفتح المغاليق للباحثين: من الصفات الإنسانية الفريدة التي ميزت مسيرة الدكتور غيثان تلك الأريحية النادرة في التعامل مع المادة العلمية، ومع الباحثين على حد سواء. ففي عالم يعاني فيه بعض الأكاديميين من شحٍّ معرفي، أو من نزعة إلى احتكار المخطوطات والوثائق، نجد ابن جريس  يفتح أبواب مكتبته العامرة، ويضع حصاد رحلاته الميدانية، ومستكشفاته التاريخية، بين أيدي الباحثين، لتكون معينًا لكل قاصد، ومنهلًا صافيًا لكل وارد.وقد دأب في مؤلفاته ومحاضراته على حث طلاب الدراسات العليا على طرق أبواب الموضوعات البكر التي لم تُدرس بعد، مقدمًا لهم عناوينها، ومرشدًا إياهم إلى مصادرها، وميسرًا لهم العقبات المنهجية والعلمية، بل والمادية أحيانًا.

إن هذه الروح السخية المعطاءة جعلت منه «مدرسة علمية متنقلة»؛ إذ لا يكاد يمر لقاء علمي، أو ندوة أكاديمية، أو مناقشة لرسالة جامعية يحضرها محاضرًا أو مناقشًا، إلا ويخرج الباحثون منها بفوائد جمة، وتوجيهات دقيقة، ومقترحات علمية تثري مشاريعهم البحثية في مختلف التخصصات.وقد وفقني الله إلى جمع طائفة من الموضوعات التاريخية والعلمية القيمة التي اقترحها هذا العالم الجليل، ونشرها في المقالين اللذين ضمتهما موسوعته العلمية «القول المكتوب في تاريخ الجنوب »، وهي موضوعات تكشف عن سعة أفقه، وبعد نظره، وحرصه على فتح آفاق جديدة أمام الباحثين في التاريخ والحضارة والتراث.

رابعاً:- المونوغرافيا الإقليمية وتفكيك التاريخ المحلي: تعد المونوغرافيا الإقليمية والمحلية واحدة من أهم الركائز التي قام عليها المشروع التاريخي للأستاذ الدكتور غيثان . فقد أدرك، منذ وقت مبكر، أن التاريخ الوطني العام لا يمكن أن يستقيم أو يكتمل إلا بكتابة التواريخ المحلية للمناطق، والأقاليم، والقرى، والحواضر ، والأرياف ، بكل تفاصيلها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.ومن هذا المنطلق، وجه جهده الأكبر إلى دراسة منطقة جنوب المملكة العربية السعودية، وجعل من مناطق عسير وجازان ونجران منطلقًا وموئلًا للتأسيس في تدوين التاريخ الوطني، وهو ما يعرف في مدرسة الحوليات الفرنسية بالانتقال من التاريخ الجزئي إلى التاريخ الكلي.

ولا تتميز الكتابات المونوغرافية للدكتور  غيثان بمجرد استقصاء الأخبار، أو تتبع مجريات الوقائع، أو رصد الأحداث السياسية الكبرى والتقلبات التاريخية، وإنما يغوص في التغيرات التي تدب في المجتمع دبيبًا، على حد تعبير ابن خلدون في مقدمته؛ ولذلك اهتمت دراساته بالأسواق الأسبوعية، وطرق التجارة، والأنظمة الزراعية، وتطور النشاط الاقتصادي، والأوقاف، والعادات والتقاليد، والأوبئة والأمراض التي اجتاحت المنطقة عبر العصور.وقد جعل هذا التنوع في المقاربة المونوغرافية من كتبه مراجع علمية لا غنى عنها، ليس للمؤرخين فحسب، وإنما أيضًا لعلماء الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والجغرافيا البشرية، والاقتصاد.

خامساً:- «القول المكتوب في تاريخ الجنوب»… مشروع متفرد لحفظ الذاكرة الجماعية: كل من يعرف الدكتور غيثان بن جريس يدرك حرصه المنقطع النظير على إصدار موسوعته العلمية الرائدة «القول المكتوب في تاريخ الجنوب»، وهو عمل يعز نظيره في مجال التأليف التاريخي، وينم عن همة عالية، وعزيمة لا تعرف الكلل.فهذه الموسوعة ليست مجرد تجميع للمعلومات، أو سردٍ للأحداث اعتمادًا على المصادر والمراجع، وإنما هي تصور معرفي متكامل، وتخطيط منهجي دقيق، استغرق من صاحبها عقودًا من الصبر، والتنقيب، والرحلات الميدانية، وجمع الرواية الشفهية.وفي صفحاتها يتداخل الجغرافي بالتاريخي، والأثري بالأنثروبولوجي، من خلال تتبع الأصول التاريخية للقبائل والأسر، ورصد حركة الاستقرار والارتحال، وتوثيق المعالم الأثرية والعمرانية من مساجد، وحصون، وقلاع.

ولم ينسَ فيها التأريخ للنخب العلمية والثقافية في بلدان تهامة والسراة ؛ فترجم للعلماء، والقضاة، والشعراء، والأدباء، مبرزًا إسهامهم الفكري في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية.ومما يثير الانتباه عند قراءة موسوعة «القول المكتوب» حرص هذا الأستاذ المؤرخ  على الموضوعية في نقل الأحداث التي عاصرها، متجاوزًا حجاب المعاصرة، فقد التزم بقواعد المنهج النقدي، وتحرى الموضوعية بأقصى درجاتها؛ فهو لا يقبل الرواية التاريخية على علاتها، ولا ينبهر بشهرة المصدر أو مؤلفه، وإنما يخضع كل نص لعمليتي النقد، ويضعه في سياقه التاريخي الصحيح.

وقد تجلى هذا المنهج النقدي أيضًا في تعامله مع الوثائق المحلية، والمخطوطات العائلية؛ إذ عمد إلى تدقيق التواريخ، ومقارنة الروايات المحلية المكتوبة بالروايات الشفهية، وبالمصادر العامة، حتى يصل إلى الرواية الأقرب إلى الحقيقة التاريخية.وقد أكسب هذا الأسلوب العلمي الرصين دراساته مصداقية عالية في الأوساط الأكاديمية، فغدت هذه الموسوعة بحق عملًا متفردًا في توثيق تاريخ مناطق جنوب المملكة العربية السعودية بأكملها، وحفظ ذاكرتها الجماعية من النسيان والاندثار.

سادساً:- الرحلات الغيثانية مصدرٌ للتاريخ المعاصر والراهن: يُعد الأستاذ الدكتور غيثان  من القلائل الذين التفتوا مبكرًا إلى أهمية «التاريخ الراهن»، وإلى ضرورة تدوينه قبل أن تضيع معالمه برحيل معاصريه. وفي هذا السياق برع في توظيف «التاريخ الشفهي» بوصفه أداةً منهجية رديفة للوثيقة المكتوبة، تُسهم في استكمال الصورة التاريخية وإثرائها.وقد قام برحلات ميدانية واسعة، التقى خلالها بالمعمرين، والرواد، وشيوخ القبائل، وحملة الذاكرة الشعبية، وسجل شهاداتهم ورواياتهم حول الأحداث التي عاصروها، مثل مراحل التأسيس الوطني، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، والعادات الحياتية التي بدأت تتوارى مع قيام الدولة الحديثة وتطور مقوماتها الاقتصادية والاجتماعية.

ولم يقتصر عمله على تسجيل هذه الشهادات، بل عمد إلى إخضاعها للمحك النقدي، ومقارنتها بالوثائق الرسمية والمصادر التاريخية، بغية غربلة الصحيح منها، وتمييزه من المتخيل أو المبالغ فيه، وهو ما أكسب أعماله العلمية قيمة توثيقية ومنهجية رفيعة.

سابعاً:- الدعوات الغيثانية في الحفاظ على المآثر العمرانية- لم يكن الأستاذ  غيثان  مؤرخًا للماضي بوصفه مجرد سجل للعبرة والاعتبار، بل كان -ولا يزال- صاحب موقف وطني وحضاري غيور على هوية بلاده وتراثها.ومن هذا المنطلق، لم يتردد في إطلاق النداءات المتكررة، والتحذيرات الصادقة، من تسارع وتيرة هدم المعالم الأثرية واندثار التراث العمراني، مؤكدًا في دراساته العلمية ومقالاته الصحفية أن الحصون، والقلاع، والقرى التراثية المشيدة بالحجر والطين، ليست مجرد عمران صامت، وإنما هي نصوص تاريخية ناطقة، تحكي قصة كفاح الإنسان، وتكيفه مع بيئته، وتمسكه بعقيدته، وتفاعله مع محيطه.

كما حذر من أن فقدان هذا التراث المعماري الفريد يعني بتر جزء حيوي من الذاكرة الوطنية الجماعية، وتشويه الهوية البصرية والثقافية للأجيال القادمة.ولم تقف مواقف الدكتور غيثان عند حدود النقد أو التحذير، بل تجاوزت ذلك إلى تقديم الحلول، وطرح المشروعات العملية القابلة للتطبيق. ومن أبرز دعواته الملحة والمستمرة في هذا المجال:

1- ضرورة مسارعة الجهات الرسمية، والمؤسسات الثقافية المعنية، إلى تسجيل الحصون والقلاع التاريخية الكبرى، وتوثيقها، وترميمها وفق أساليب علمية تحافظ على أصالتها، دون تشويه لطابعها المعماري.

2- إنشاء متاحف إقليمية كبرى في مراكز المحافظات والأقاليم، تُجمع فيها النقوش، والمخطوطات، والمسكوكات، والأدوات الإثنوغرافية، لتكون مراكز إشعاع ثقافي، وسياحي، وتعليمي.

3- حث الأسر والقبائل على المحافظة على وثائقهم ومخطوطاتهم الخاصة، والعمل على رقمنتها، وإتاحتها للباحثين عبر منصات وطنية معتمدة، حمايةً لها من التلف، أو الضياع، أو التسريب.

ثامنا:- على سبيل الختام – هذه بعض ما جادت به القريحة في حق أخي العزيز الأستاذ الدكتور غيثان ، الذي تعرفت إليه أولًا من خلال مؤلفاته، ثم توثقت هذه المعرفة عند لقائي به في جامعة الملك خالد، حيث قاد مدرسة أكاديمية حقيقية، تخرج فيها عشرات الأساتذة والباحثين، الذين يتبوؤون اليوم مناصب علمية وإدارية رفيعة.وكان أسلوبه في الإشراف الأكاديمي يجمع بين الصرامة المنهجية، والصدق في العمل، فلم يكن يملي على طلابه آراءه، وإنما كان يدربهم على التفكير النقدي، والاعتماد على النفس، والنزول إلى الميدان، والاحتكاك المباشر بالمصادر. وقد غرس في نفوسهم عشق الوثيقة، واحترام الرواية التاريخية، وطالما أعجبتني منهجيته في نقل الطلبة من قاعات الدراسة إلى مكتبة الكلية، وحثهم على الرجوع إلى أمهات المصادر التاريخية، وقراءتها، وتقديم ملخصات عنها، بما يكسبهم خبرة علمية، ويغرس في نفوسهم شغف البحث، ومحبة الكتاب.ولا أريد أن أختم هذه الكلمات دون أن أنوه بأخي  أبي المثنى؛ فنحن لسنا أمام مؤرخ تقليدي يجمع الأخبار ويدون الأحداث، بل نحن أمام:

1- المؤرخ المنهجي الصارم: الذي جعل من النقد العلمي، والنزول الميداني، والرحلة الاستكشافية، والمشاهدة العيانية، أدواتٍ لا غنى عنها لبناء الحقيقة التاريخية، وتصحيح الروايات الموروثة.

2- المفكر الاجتماعي الغيور: الذي تجاوز التاريخ السياسي الضيق، ليدرس حياة الناس اليومية، وأسواقهم، ومعاملاتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، منافحًا بكل قوة عن هويتهم، وتراثهم العمراني، حتى لا يطاله الاندثار والنسيان.

3- الأستاذ المربي المعطاء: الذي وهب علمه، ومكتبته، وحصاد عمره، للأجيال الصاعدة، فاتحًا أمامهم أبواب المعرفة، ومقترحًا عليهم المشروعات البحثية الرصينة، وصانعًا لجيل من المؤرخين يحملون اللواء من بعده بصدق، وأمانة، وعزيمة.

4- الإنسان النبيل المتواضع: الذي توج علمه الغزير بأخلاق العلماء، فكان مثالًا للتواضع المعرفي في أبهى صوره، مؤثرًا خدمة الحقيقة والعلم على حظوظ النفس، وبريق الشهرة، ومظاهر الألقاب.

وأسأل الله العلي القدير أن يمد في عمر فضيلته، وأن يمتعه بالصحة والعافية، وأن يوفقه إلى مزيد من العطاء العلمي، وأن يجعل كل ما قدمه، وما يقدمه، في خدمة العلم، والتاريخ، والوطن، والأمة، في موازين حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

.أ.د. أحمد محمد أحمد إيشرخان،أستاذ التعليم العالي، جامعة سيدي محمد بن عبد الله (فاس – المملكة المغربية)،وأستاذ سابق بجامعة الملك خالد (أبها – المملكة العربية السعودية).

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *