السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ الموافق ٣ صفر ١٤٤٨ هـ

كل ميسر لما خلق له – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

كل ميسر لما خلق له – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

كثيراً ما يتردد على الألسنة أن تسعة أعشار الرزق كامنة في التجارة، وكأن سائر المهن تقتات على العُشر الباقي وحده. والحق أن هذا القول، حين نتتبع أصله، لا يرقى إلى مصاف الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أورده أهل العلم مرسلاً منقطع الإسناد، وهو أقرب إلى حكمة اقتصادية عاشها العرب في زمن كانت التجارة فيه عصب حياتهم، منه إلى تشريع إلهي يفاضل بين الحرف والمهن. ومع ذلك فقد شاع حتى صار في وعي كثيرين حقيقة مسلّمة، فأورث في النفوس شعوراً خفياً بأن من لم يتّجر فقد فاته تسعة أعشار رزقه، وأن المهن الأخرى إنما تعيش على الفتات.

والأصل الذي ينبغي أن يُبنى عليه فهمنا لتوزيع الأرزاق والمهن وهو أوثق سنداً وأعمق دلالةً هو قول الله تعالى: “نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا”، وهذه الآية تقرر مبدأً دقيقاً: أن التفاوت بين الناس في مواهبهم ومهنهم ومكانتهم ليس عبثاً ولا تراتباً في القيمة الإنسانية، بل هو نسيج اجتماعي متكامل يقوم على التبادل والتكامل، لا على التفاضل والاستعلاء. فالتسخير هنا معناه أن يخدم بعضنا بعضاً، لا أن يعلو بعضنا على بعض.

ويعضد هذا المعنى الحديث الصحيح الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين تحدث عن مراحل خلق الإنسان وكتابة قدره: “اعملوا فكل ميسّر لما خُلق له”، فهذه الكلمات الموجزة تحمل تحريراً كاملاً للنفس من عبء المقارنة العقيمة. فالطبيب الذي يقضي ساعاته بين المرضى يعالج الأجساد ويطمئن القلوب، والعسكري الذي يسهر على الثغور يحفظ للناس أمنهم وهم نيام، ورجل الأمن الذي يجوب الميادين يصون استقرار المجتمع من حيث لا يشعر أحد بجهدهم، والحرفي الذي يتقن صنعته يسد حاجة لا يقوم بها التاجر ولا الطبيب ولا العسكري. كل هؤلاء ميسّرون لما خُلقوا له، وكل منهم يكمل نقص الآخر، فلا تستقيم الحياة بتاجر وحده ولا بطبيب وحده، بل بتكامل هذه الجهود جميعاً في نسيج واحد.

فالمعيار الحقيقي إذن ليس في اسم المهنة ولا في مقدار ما تدرّه من مال، بل في أمرين أعمق: أن يجد الإنسان نفسه فيما يعمل فيتقنه ويطمئن إليه. أن يمتد أثر عمله إلى من حوله فيزيدهم خيراً وأمناً وسكينة.

فالسعادة التي يبحث عنها الناس في تبديل مهنهم أو مقارنة أرزاقهم، إنما تكمن غالباً في هذا التوافق الداخلي بين الإنسان وما خُلق له، لا في مضاعفة الدخل أو تغيير العنوان الوظيفي. ومن رزقه الله عملاً يحسنه ويسعد به، ثم امتد أثر إحسانه إلى غيره، فقد أصاب جوهر الرزق وإن لم يكن تاجراً، وقد يظل التاجر ذاته تعيساً مكدود القلب وإن ملأ خزائنه.

وحين ننظر إلى المجتمع بهذه العين، ندرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمهنته بل بما يقدمه فيها من إتقان وأثر. فليست العبرة أن نسأل: أي المهن أوفر رزقاً؟ بل أن نسأل: هل أحسنت فيما وُكل إليّ؟ وهل امتد خيري إلى من حولي؟ وتلك هي الحياة الكريمة التي يسعى إليها الجميع من زوايا مختلفة، كلٌّ بحسب ما هُيّئ له، وكلهم في النهاية عجلة واحدة لا تدور إلا باجتماع أجزائها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *