للصيف في بيت الجد والجدة نكهة لا تشبه أي نكهة أخرى خاصة في قرى الجنوب وبين جبال النماص وضبابها الساحر. فما زالت الذاكرة تحتفظ بتلك الأيام الجميلة التي كنا ننتظرها بشوق طوال العام، وحين تنتهي الامتحانات تبدأ رحلة الفرح، فنرتب حقائبنا ونغادر صخب الرياض متجهين إلى قريتنا الوادعة بين الجبال والمدرجات الزراعية.
هناك كانت الحياة بسيطة وجميلة. أتذكر جدتي وهي تخشى على بقرتها منا، فقد كنا نلهو بالقرب منها ونركض خلفها في الحقول، فإذا ابتعدت أو فزعت أسرعت جدتي للحاق بها وهي تنادي علينا. أما الغنم فكانت حكاية أخرى من حكايات الطفولة؛ كنا نسير معها بين الجبال والمزارع ونعد ذلك مغامرة ممتعة، بينما كان الكبار يرون فيه عملاً متعباً وشاقاً.
كانت أيام الحصاد والحراثة مشاهد لا تغيب عن الذاكرة، نراقب الفلاحين وهم يحرثون الأرض، ونشاهد السنابل وهي تُحصد بعد أشهر من العناية والانتظار. كما كانت النساء يشاركن في أعمال الحقول بصبر وجهد كبيرين، في صورة تجسد قيمة العمل والتعاون في حياة أهل القرى قديماً.
ظل بيت الأجداد على مر السنين مسرحاً للذكريات وملاذاً دافئاً يجمع الأسرة، لكنه شهد مع الزمن تغيرات كثيرة. وعندما عدت إلى النماص بعد سنوات طويلة وجدتها مختلفة عما عرفته في طفولتي. فما زالت تُعرف ببنت الغيم الحالمة، لكنها أصبحت أكثر تطوراً وحداثة، تنتشر فيها المقاهي والمطاعم والمنتزهات وممرات المشي في كل مكان، وأصبحت وجهة سياحية متكاملة يجد فيها الزائر كل ما يبحث عنه من الراحة والجمال.
ومن أبرز معالم صيف النماص اليوم شعف العوايل، وممشى الضباب، وشعف بني مشهور، ومناطق مبدأ وشفاء وغيل، إضافة إلى مهرجان صيف النماص للتسوق، والقرى التراثية والمتاحف التي تفتح أبوابها لاستقبال المصطافين والزوار من مختلف المناطق.
ومع كل هذا التطور، يبقى في القلب شيء من الحنين إلى الماضي. فقد تغيرت القرية كما تغير الزمن، ولم يعد كثير من أهل القرى يتمسكون بالزراعة كما كان آباؤهم وأجدادهم يفعلون. هُجرت بعض المزارع، وترك كثير من الأهالي القرى إلى المدن، فتبدلت ملامح الحياة التي عرفناها يوماً.
ومع ذلك، تبقى ذكريات الطفولة بين الجبال والمدرجات الزراعية والضباب أجمل ما نحمله معنا. فهناك تعلمنا معنى البساطة، وعشنا أجمل أيام العمر، أياماً لا يمكن أن يعوضها الزمن مهما تغيرت الأماكن وتبدلت الأحوال. النماص ستظل في الذاكرة عروس الغيم، وموطن الحنين، ومسرحاً لأجمل الذكريات التي لا تشيخ.


التعليقات