السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦ الموافق ١٢ محرم ١٤٤٨ هـ

البتروكيماويات .. رهان المملكة الذكي لصناعة اقتصاد ما بعد النفط – بقلم الكاتب أ. صالح حمدان الشهري

البتروكيماويات .. رهان المملكة الذكي لصناعة اقتصاد ما بعد النفط – بقلم الكاتب أ. صالح حمدان الشهري

لم تعد الثروة النفطية في عالم اليوم تقاس بحجم ما يستخرج من باطن الأرض فقط بل بقدرة الدول على تحويل هذه الثروة الى صناعات متقدمة، وقيمة مضافة، وفرص عمل واستثمارات مستدامة، ومن هذا المنطلق تبرز صناعة البتروكيماويات بوصفها واحدة من أهم الركائز التي تعيد تشكيل الاقتصاد السعودي، وتمنح النفط والغاز بعدا تنمويا يتجاوز حدود التصدير التقليدي الى آفاق الصناعة والتحول والإنتاج.

فالبتروكيماويات ليست مجرد منتجات كيميائية من النفط والغاز بل هي صناعة اقتصادية تقف خلف آلاف المنتجات التي تدخل في تفاصيل الحياة الحديثة من البلاستيك والأسمدة ومواد البناء الى الصناعات الطبية والتغليف والمنتجات الاستهلاكية، والأهم من ذلك أنها تمثل أحد المسارات الذكية التي تنقل الاقتصاد من بيع المادة الخام الى تصنيعها وتحويلها الى منتجات ذات عوائد أعلى وأثر اقتصادي أوسع.

وفي المملكة العربية السعودية لم يعد قطاع البتروكيماويات مجرد نشاط صناعي مواز للنفط بل أصبح جزءا أصيلا من مشروع التحول الوطني الذي تقوده رؤية السعودية 2030، فالرؤية منذ انطلاقتها قامت على مبدأ واضح: تعظيم قيمة الموارد الوطنية، وتنويع مصادر الدخل، وبناء اقتصاد أكثر تنوعا وابتسامة، ومن هنا كان التوسع في الصناعات البتروكيماوية خيارا استراتيجيا، لأنها تمثل الحلقة التي تربط بين وفرة الموارد الطبيعية وبين بناء قاعدة صناعية حديثة قادرة على المنافسة إقليميا وعالميا.

لقد أدركت المملكة مبكرا أن النفط لا ينبغي أن يبقى سلعة خاما تصدّر ثم تعود إلينا في صورة منتجات مصنّعة بل يجب أن يتحول داخل الوطن الى مصدر للصناعة والتقنية والوظائف، ولهذا جاء الاستثمار في البتروكيماويات بوصفه ترجمة عملية لأهداف الرؤية من خلال دعم الصناعات التحويلية، وتعزيز المحتوى المحلي، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي، وتوسيع الصادرات غير النفطية، واستقطاب الاستثمارات النوعية التي تبني اقتصادا أكثر متانة وأقل تأثرا بتقلبات الأسواق العالمية.

وتكمن قوة هذا القطاع في أنه لا يقف عند حدود مصنع أو منتج بعينه بل يفتح أبوابا واسعة أمام سلسلة طويلة من الصناعات المرتبطة به، ويخلق فرصا للكوادر الوطنية في الهندسة والتشغيل والإدارة والبحث والتطوير، كما يعزز مكانة المدن الصناعية الكبرى مثل: الجبيل وينبع بوصفها مراكز إنتاج وتصدير ونمو، ومع وجود شركات وطنية
عملاقة مثل: سابك وأرامكو أصبح للمملكة حضور مؤثر في صناعة البتروكيماويات عالميا ليس فقط بوصفها منتجا للمواد الأولية بل لاعبا قادرا على توسيع دائرة التصنيع والتكامل الصناعي.

إن أهمية البتروكيماويات في السعودية لا تنبع من كونها قطاعا اقتصاديا رابحا فحسب بل من كونها أحد أعمدة رؤية 2030 في الانتقال من اقتصاد يعتمد على المورد الخام الى اقتصاد يصنع القيمة من موارده، فهي صناعة تعزز الاستدامة الاقتصادية، وتدعم التنويع، وترفع كفاءة استغلال الثروات الوطنية، وتمنح المملكة مساحة أوسع لبناء مستقبل صناعي قوي يقوم على الإنتاج والمعرفة والتنافسية. ولهذا يمكن القول إن البتروكيماويات ليست مجرد خيار صناعي للمملكة بل رهان وطني ذكي على المستقبل.

قبل الختام: اللهم احفظ بلد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبا من كل سوء ومكروه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *