لكنني أستطيع القول أنه ربما كان يحسن اختيار معاركة التي ينخرط فيها جيداً، من القصص المشهورة التي رواها لي والدي عنه أنه استجار بقبيلة بني كريم ثلاثة من المطلوبين في قضية قتل من قرية (ال عِمر) وبعد المشاورة بين القبيلة اتفقوا أن يجعلوا هؤلاء المطلوبين لدى جدي رحمه الله فاهتم لأمرهم غاية الاهتمام هو ومن معه من ال سكوت، وبقوا طيلة بقائهم بينهم لأكثر من عام لا ينفكون عن ملازمتهم وحمايتهم، ولأن قضاء الله سبحانه نافذٌ فقد قضى عليهم بالموت مرضاً في مدة متقاربة لا يفصل بينهم أكثر من أسبوع..
كان فرح جدي بحمايته لهم حتى ما توا كبيراً فقد كانت احتمالية وصول خصومهم إليهم في ذلك الوقت كبيرة جداً ولذا قال عند موتهم (الحمد لله الذي جمّلنا) وبقيت قبورهم بيننا في القرية حتى يومنا الحاضر، عند وصول الطرق بعد الحادثة بأكثر من (50) سنه أختار مهندس الطريق أن يكون المسار من فوق قبور أولئك الذين أجارهم جدي ولكن أبي ـ رحمه الله ـ رفض ذلك البته وقال (أمنّهم والدي وهم أحياء وأنا أؤّمن قبورهم بعد ما ماتوا) كما أذكر العديد من القصص عن شخصيته التي سمعتها من والدي و أقرانه رحمهم الله جميعاً ولكني أتجاوزها لعدم اتساع المجال لذكرها..
كما أذكر الحدث التاريخي الهام الذي أرّخ أهل المنطقة أحداثهم به بعد عام السِلفية وبقي حتى عصرنا الحاضر علامةً تاريخية فارقة، فقد كان زمان الثلج في يوم الاثنين السابع عشر من شهر صفر لعام 1369هـ وفيه بدأ تساقط الثلج على المنطقة ليلاً كما يقول الرواة واستمر حتى الصباح، ومع غزارة هطول الثلج وثقله الذي لم تتعود عليه سطوح منازلهم بدأت بعض المنازل بالتهدم، وبعضها الأخر بدأ يهتز من فوقهم، أما الفاجعة الكبرى فقد كانت عندما فتحوا أبواب منازلهم صباحاً ورأوا الأرض وقد اكتست باللون الأبيض،
كان خوفهم شديداً مما حدث وظن بعضهم أن القيامة قد قامت وهبوا إلى ربهم مستغفرين، ورفع مؤذن القرية رحمه الله صوته بالأذان من هول الفاجعة وهو يبكي، وصاح البوحي رحمه الله بأعلى صوته (قبوركم بيوتكم قبوركم بيوتكم) وبقي الجميع في حيرة وذهول واجمين مما حل بهم لا يدرون كيف يدفعون هذا البلاء عنهم، ولا عجب من هذه الصدمة الهائلة التي شعروا بها فقد كانت تلك القرى محيطهم الذي يرون العالم نهايته والخارج منه مفقود قد لا يعود إليهم للأبد..
ولكن القلة المسافرين منهم إلى الشام سرعان ما طمأنوهم وبثوا في داخلهم الأمل بسنين من الرخاء بعد السنين العجاف التي مروا بها ما قبل عام السلفية، كان منظر الثلج الأبيض مهيباً أكثر من كونه جميلاً، وكان تعامل أهل القرى معه لا يخلوا من الطرافة في أحيان كثيرة، فكثُر ضحايا التزلج فيه دون قصد وأدى ربما إلى كسور و رضوض للبعض منهم، ولصغر سني الذي لم يتجاوز الخامسة حينها فقد كنت عندما أهم بالخروج من المنزل ينتهروني لخوفهم عليَّ من السقوط، وأذكر أن ذلك الوقت كان حافلاً بالكثير من الأحداث الهامة،
وبدأ شعوري بأحداث الحياة يكبر ويرسخ في الذاكرة، عانى الناس بداية زمان الثلج غربة الحدث، وقاسوا برودة الثلج التي زادت من مصاعب الشتاء، وتكبدوا مشقة إزالة الثلج عن أسطح دورهم وحظائر أغنامهم (بالمينب والمحماس والشُرفيه)، ولكنهم في المقابل متعوا أعينهم بصفاء في الأجواء لم يعهدوه من قبل، ورأوا شلالات المياه وهي تنساب بين الجبال الشاهقة التي تطوّقهم، وظلوا لسنوات بعده يشكرون الله ويحمدونه على امتلاء أوديتهم واخضرار مراعيهم ووفرة انتاج محاصيلهم، وإن كانت الأحداث المؤلمة قبل عام السِلفية قد أنشبت أظفارها في قلوبهم إلا أن عطاء الكريم سبحانه عندما أتى أزال كلوم تلك السنون، وامتن عليهم بالرخاء لأعوام عديدة.
ومن الذكريات الخالدة لزمان الثلج موافقته للذكرى الذهبية لدخول الملك عبدالعزيز – رحمه الله – الرياض، وقد أصدر توجيهاً لكافة مشايخ القبائل في حينها أسرد لكم هنا نص التوجيه الذي ورد إلى والدي رحمه الله (المكرم /عبدالله بن محمد وكافة بني كريم سلمهم الله بناءً على ما تلقيناه من أمارة عسير برقم 6091 وتاريخ 13/9/1369هـ برفقه صورة من الأمر السامي 5440/9/91369هـ هذا نصه ذكرى مرور خمسين عاما من دخول جلالة مولاي الملك عبدالعزيز للرياض وتأسيس المملكة العربية السعودية ستصادف اليوم الرابع من شهر شوال 1369هـ ولقرب هذه المناسبة السعيدة فقد وضع برنامج لاحتفال بالذكرى الذهبية وإبلاغ لجهات الاختصاص وحيث أن ما يخصكم منه مايلي:
1/ تحتفل البلاد كلها بهذا اليوم السعيد ويتقبل الأمراء في سائر أنحاء المملكة تهاني الشعب نيابة عن جلالة الملك.
2/ يوزع في ذلك اليوم على سائر الأيتام والعجزة غداء خاص ممتاز وكسوة خاصة منحة من جلالة الملك المعظم.
3/تفتح مطاعم خاصة في كل بلدة من المملكة يرتادها من يشاء من فقراء الشعب لتناول الطعام فيه ذلك اليوم.
4/ تعطل الدوائر والمدارس، نفذوا ما يخصكم فيه ويقتضي اعتماده، وعليكم التنبيه على العجزة والأيتام بطرفكم بالحضور لتسلم هذه الميزة الملكية) ولعل من يتأمل هذا الخطاب يدرك كيف كانت بساطة الحياة في احتفالاتها وأحداثها، وكيف كانت نظرة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – شاملةً لمن هم بعيدين عنه كمن هم قريبين منه، وعطفه على الفقراء والأيتام والمحتاجين من أبناء شعبه، رحم الله المؤسس ورحم الله جيل تلك الحقبة، وجمعنا بهم في جنات النعيم.


التعليقات
2 تعليقات على "زمان الثلج – بقلم الشيخ مشرف بن سكوت العمري"
ابو شيخي
.
شيخنا المُشرّف/ مشرف
ما أجمل ما خطه قلمكم في هذه الصفحة .. التي لا تروي أحداثاً فحسب .. بل تحفظ ذاكرة جيلٍ كامل وتوثق جانباً مهماً من تاريخ المنطقة وأهلها .. أسلوب ماتع وسرد شيق .. ومعلومات قيمة .. أعادت إلى الأذهان صوراً من حياة الآباء والأجداد بكل ما فيها من مواقف وعبر.
جزاكم الله خيراً وبارك في قلمكم .. ورحم الله من ذكرتم .. وجمعنا بهم وإياكم في جنات النعيم.
ابنكم
محمد الشيخي (ابو شيخي)
جمعان محمد البوحي
.
مقولة الوالد رحمه بيوتكم قبوركم بيوتكم قبوركم كانت الوالدة رحمه الله تكرر هذه العبارة على الوالد وتذكره بها ويضحكان رحمهما الله ونضحك معهم