الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

الأبعاد التاريخية والحضارية للحرمين الشريفين من خلال ( دفاتر المهمة العثمانية ) في القرنين (١٠ – ١١ هـ / ١٦ – ١٧م) – بقلم . د . أنعم بن محمد الكباشي

الأبعاد التاريخية والحضارية للحرمين الشريفين من خلال ( دفاتر المهمة العثمانية ) في القرنين (١٠ – ١١ هـ / ١٦ – ١٧م) – بقلم . د . أنعم بن محمد الكباشي

 تُمثّل وثائق الأرشيف العثماني، وبخاصة ما يُعرف بـ “دفاتر المهمة العثمانية”، مادة علمية بكرًا ونبعًا وثائقيًّا لا ينضب للباحثين والمؤرخين المهتمين بتاريخ وحضارة الجزيرة العربية عمومًا، والحرمين الشريفين على وجه الخصوص. ومن هذا المنطلق، تزف الأوساط الأكاديمية والثقافية صدور سِفرين وثائقيين جليلين يجمعان بعض الشتات الوثائقي للحرمين الشريفين في مطلع العصر الحديث ، وهما :

١- الكتاب الأول: “مكة المكرمة في دفاتر المهمة العثمانية (963 – 1068هـ / 1555 – 1657م)”.

٢- الكتاب الثاني: “المدينة المنورة في دفاتر المهمة العثمانية (963 – 1089هـ / 1555 – 1678م)”. هذا المجهود العلمي الضخم جاء بترجمة وإعداد الأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس، بالتعاون مع الدكتور أنعم بن محمد الكباشي، والأستاذ ناصر بن أحمد العماري، وصدرت الطبعة الأولى للكتابين عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع (1448هـ / 2026م)، وحظي العمل بدعم ورعاية من الأستاذ عوض بن مشبب بن عبد الله العميس (رئيس مجلس إدارة شركة العميس الطبية). وأذكر خلاصتها في المحاور التالية:

 أولاً: الديوان السلطاني ومصدرية دفاتر المهمة العثمانية: تستمد هذه الدفاتر قيمتها العلمية المطلقة من طبيعة الجهة السيادية التي أصدرتها؛ وهي “الديوان السلطاني” (الهمايوني) الذي كان يُمثّل أعلى أجهزة النظام الإداري والبيروقراطي في الدولة العثمانية، وله الصلاحيات الكاملة للبت في الشؤون السياسية، والتشريعية، والعسكرية، والاقتصادية.وتُعد “دفاتر المهمة” سجلات رسمية حُفظت داخل الدائرة الخاصة بالديوان لتجميع النسخ المنقحة والموجزة من المسودات الأصلية والأحكام السلطانية الصادرة فور مصادقة السلطان عليها وتوجيهها إلى الولايات. وتتميّز هذه الأحكام ببنيتها الإدارية والتطبيقية الدقيقة؛ إذ ينقسم متن الحكم غالباً إلى قسمين رئيسيين: الأول يَعرض ملخص الشكاوى والمحاضر والمطالب المرفوعة من الأقاليم والولايات إلى المقام العالي، والثاني يَصيغ القرار الحاسم وآلية إنفاذه الفوري مقتضباً دون إخلال.
 
 ثانياً: القيمة الإحصائية والتوثيقية للكتابين:  يقدم الكتابان رصداً إحصائياً دقيقاً وتحليلاً ببليوجرافياً للمادة الوثائقية المترجمة من الخط العثماني القديم إلى اللغة العربية، فكتاب المدينة المنورة: يقع في (528 ) صفحة من المقاس الوزني الاحترافي (17 × 24 سم)، ويستوعب مادة (59) دفتراً من دفاتر المهمة السلطانية المتسلسلة، ويضم بين دفتيه (267) حكماً إدارياً وشرعياً نادراً.
 
وكتاب مكة المكرمة: يقع في(416) صفحة من المقاس ذاته، ويغطي فترة زمنية تمتد لأكثر من قرن من الزمان ، خلال القرنين (١٠ – ١١هـ / ١٦ – ١٧ م) مبرزاً الأوامر السلطانية الموجهة لأشراف مكة والمدينة  وقاضيهما ومسؤولي الحرمين الشريفين .
 
 ثالثاً: المضامين الحضارية والتنموية المستخلصة من الوثائق: على الرغم من الطابع الموجز والجاف إدارياً للأوامر والقرارات السلطانية، إلا أن الكتابين يُقدّمان “مرآة حضارية” عاكسة لأدق تفاصيل الحياة اليومية، والمدنية، والاجتماعية في الحرمين الشريفين خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين. ويمكننا تبويب الأهمية التاريخية لمحتوى هذه الدفاتر في عدة محاور أساسية:
 
١- الشؤون الاجتماعية والعلمية والدينية: تبلورت في الدفاتر معطيات غزيرة وثريّة تتعلق بأخبار القضاة، والمشايخ، والعلماء، والمجاورين بالحرمين الشريفين، مع رصد دقيق لمخصصاتهم المالية وأحوالهم الاجتماعية المعيشية. كما ظهرت الإشارات المستمرة للمدارس العلمية والأربطة والتكايا، مثل المدارس الأربعة التابعة للسلطان سليمان القانوني بمكة المكرمة، ومدرسة الوزير رستم باشا بالمدينة المنورة ومستشفياتها، وبحث قضايا إسكان القضاة وطلاب العلم وتوفير الأجواء الملائمة لهم.
 
٢- الأوضاع الاقتصادية، الأوقاف، وسجلات الصرة: تُسلط الوثائق ضوءاً مكثفاً على حركة الأموال المتدفقة إلى الحرمين الشريفين، وعلى رأسها أوقاف السلاطين والأمراء المخصصة في مصر والشام والعراق لخدمة سكان المدن المقدسة. وتشير الدفاتر التدقيق الصارم من قِبل الديوان السلطاني في بنود “الصرة الشريفة” (المساعدات النقدية السنوية) وتوزيع “قمح الدشيشة”، بجانب متابعة شروط الواقفين وحماية الصدقات وأموال الأيتام والمجاورين من أي حيف، أو استغلال، أو تدخلات غير قانونية من قِبل الموظفين وغيرهم .
 
٣- العمران،والمرافق الخدمية، والبنية التحتية: توثق الدفاتر المساعي الحثيثة والمستمرة لصيانة وعمارة الأماكن المقدسة؛ كأعمال الترميم الشاملة لأبواب الحرمين الشريفين، وأعمدتهما، وكسوة الحجرة النبوية المطهرة. وفي جانب المرافق والخدمات المدنية، تبرز الوثائق المشروعات الهندسية الكبرى لشق مجاري المياه، وصيانة العيون العذبة وقنواتها (مثل مجرى مياه عين الزرقاء بالمدينة المنورة وعين حنين بمكة المكرمة)، والاستعانة بالمهندسين والمعماريين والخبرات الفنية والمواد الإنشائية من مصر والشام والأستانة لتنفيذ هذه المشروعات الحيوية.
 
 رابعاً: المنهج العلمي للمحققين والتوجيه التاريخي: سار الباحثون (أ.د. غيثان بن جريس وزملاؤه) في هذا العمل المبارك على منهج الترجمة الوثائقية الأمينة والدقيقة، التي تهدف إلى نقل النص والبيانات من اللغة العثمانية إلى اللغة العربية مع الاحتفاظ بالأسماء والمصطلحات والتواريخ كما هي، دون الدخول في ترف التحليل التاريخي أو النقد الجدلي؛ وذلك لتوفر المادة الخام والمفاتيح الوثائقية ناصعة بين يدي المتخصصين والباحثين لتوظيفها في بحوثهم الإدارية والاجتماعية والاقتصادية المستقبلية.
 
وإن هذا الاختصار غير المخل في متن الوثائق المقرون بدقة الترجمة يبرهن على مدى الانضباط والسرعة البيروقراطية الفائقة التي تميزت بها الإدارة الكلاسيكية، والتي تكشف كيف كانت تُدار المدينتان المقدستان برعاية فائقة، وتنسيق دائم وبشراكة مشتركة بين والي مصر، وشريف مكة، وقاضي مكة، وقاضي المدينة المنورة، وشيخي الحرمين المكي والنبوي.
 
وفي الختام، يُعد هذا العمل المزدوج (كتاب مكة ، وكتاب المدينة) وثيقة اعتزاز وتاريخ ضامنة لإحياء مآثر الحجاز وبخاصة المدينتين المقدستين ( مكة المكرمة ، والمدينة المنورة) ،وإضافة للمكتبة التاريخية العربية والإسلامية، ونسأل الله الإخلاص والصدق في القول والعمل ، كما نسأله ان يكون هذا العمل حجة لنا لاحجة علينا.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *