ولدتُ بعد عام (السلفية) بعامٍ أو عامين على أكثر تقدير، هكذا كانت أرقام التاريخ في ذلك الزمن، كلُ حقبة من السنين لا تُعرفُ بالأرقام وإنما بالحوادث الكبرى التي حدثت فيها، وسبب تسمية هذا العام بهذا الاسم يعودُ إلى فترة من القحط مرت بالمنطقة فعصفت بها وفعل فيها الجوع بأهلها الأفاعيل، كان هذا بلغة الأرقام التاريخية التي عرفناها فيما بعد عام (1360هـ) تقريباً ..
واستمرت معاناة أهالي ما يعرف اليوم بمحافظة النماص حينها لثلاثة أعوام أو أربعة عانوا فيها من الويلات ما عانوا، وكابدوا فيها من الأهوال ما كابدوا رحمهم الله وعفى عنهم، يخبرني والدي الشيخ عبدالله بن سكوت ـ رحمه الله ـ أن أمرأه من أهالي البادية في تلك الأعوام لها طفلٌ وطفلةٌ قد اشتد بهم الجوع فارتحلت بهم من (نيد) ونزلت تهامة بحثاً عن لقمة العيش لها ولطفليها..
ولكنها لم تجد ما كانت تؤملُ بتهامة واشتد عليها الجوع فعادت أدراجها عبر وادي الغيل حاملةً أحد أطفالها على ظهرها والطفل الأخر أمامها ولكن (وادي الغيل) حينها لم يكن بأحسن حالٍ من تهامة، وكان الوقتُ بعد العصر والطريق طويل وموحش ولكن جحيم الجوع الذي كانت تشعر به مرةً في بطنها وألف مرةٍ من أنين صغارها جعلها تصعد العقبة..
وحين أدركها الليل وأجهدها الجوع لم تجد بداً من اللجوء إلى كهفٍ صغير في طريقها، تسكن فيه مع أطفالها الذين هدّهم الجوع والتعب، كانت تحمل أبنائها كما يقول والدي رحمه الله وكأنهم (أكياس الملح) على حسب تعبيره، ولأن الكهف كان صغيراً فقد جعلت البنت الصغيرة في حجرها والولد في ظهرها واستسلمت عيناها لنومٍ عميق، ولم تستفق من ذلك المنام إلا على نداء طفلها المستغيث (يامه يامه) ورأسه بين فكي الذئب، وقد ولى بها هارباً وصدى صوته يتردد بين تلك الجبال..
اختلطت صرخة الأم المكلومة كمداً بنداء ابنها، ولما يئست من اللحاق به أكملت طريق العودة وهي تبكي بكاءً مريراً يذيب القلب، أشرقت عليها شمس ذلك اليوم وهي في قرية (ال غوالة) عند (أحمد بن مانع) رحمه الله، والذي ظل يردد على والدي ذلك المشهد بتفاصيله حتى مات معلقاً عليه دائماً (والله لقد كان لها عويل لو عقلته الدواب لشاركت الأم عويلها) هدأ من روعها رحمه الله، وأكرمها بالميسور ثلاثة أيام، وإن كانت حاله ليست بعيداً من حال أحد أهالي المنطقة، ولكن تعاطفه الإنساني مع حالتها جعلته يقدم كل ما لديه حرفياً لها..
أقول بعد أكثر من 80 سنة على هذه الحادثة أن هذه حادثة واحدة من حوادثٍ عديدةٍ مؤلمة قبل عام السلفية، والذي بالمناسبة تمت تسميته بهذا الاسم لأن الملك عبد العزيز رحمه الله أمر في ذلك العام أن تُسلم زكاة أهالي تهامة لأهالي المنطقة من النماص كسُلفة ثم يردونها عند هطول المطر على بلادهم، كان هذا الأمر عام (1363هـ) أو (1364هـ) تقريباً، وكان مولدي أنا بعده في عام (1365هـ) كما قالت لي أمي ـ رحمها الله ـ
كنت أول مولود يعيش لها حيثُ أنها كانت قد أنجبت قبلي بنتاً لم تكتب لها الحياة طويلاً، وكنت رابع مولود لوالدي بعد ثلاثة إخوة هم على التوالي سعيد ثم عوض ثم فائز، كنت محظوظاً بكوني المولود الأول لأمي حيث بقي اسمها الذي أطربُ له حتى ماتت رحمها الله أم مشرف، وقد رُزقت بعدي بظافر ثم محمد ثم عائشة ثم صالح ثم زرعة ثم عمر هؤلاء من بقي على قيد الحياة ومات لها أربعة من الذكور والإناث،
ولكي تكون الصورة واضحة فقد كانت ولادة المولود أمر وبقائه على قيد الحياة أمرٌ أخر، فوفاة الأطفال في ذلك الوقت حدثاً يكاد يكون روتينياً لا يخلوا منه بيت لأسباب معلومة وغير معلومة، ولكن لطف الله الذي ربما لم أكن أراه لصغر سني ذلك الوقت أتأمله اليوم بعد تلك السنون فأجده حاضراً في انشغال الناس بحياتهم وتقبلهم وإيمانهم وتسليمهم التام لحكمة الله فلا ترى إلا الرضى، ولا تسمع في كل صباح ومساءٍ إلا الشكر والحمد والتسبيح والتهليل، ألا رحم الله تلك الوجوه وعفى عنها وأعاضهم في ما لقوا جناته التي وعد بها عباده الصابرين.


التعليقات
2 تعليقات على "عام السِلفية – بقلم الشيخ مشرف بن سكوت العمري"
احسنت ياشيخ احداث مهمة بأسلوب ادبي شيق
محمد بن عوض اليوسي
تحية لشخصكم الكريم يا شيخ بني كريم .
رحم الله أولئك الرجال والنساء الذين تحملوا قسوة الحياة، فقد عاشوا زمنًا كانت فيه اللقمة تُكتسب بمشقة . بينما نعيش اليوم في نعمٍ عظيمة تستوجب الشكر والحمد.
لقد عاشت بلاد رجال الحجر واغلب القبائل المجاورة في الزمن الذي ذكرته سنوات من الجوع والشدة كما اوردتكمفي قصتكم هذه وغيرها من القصص
وفي نظري انه كان من أسباب ذلك تداعيات الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩م – ١٩٤٥م والتي أثرت على التجارة وتوفر الغذاء، فصبر الناس وكافحوا واعتمدوا على ما تجود به الأرض، حتى فرّج الله عنهم.
يروي كبار السن في قريتنا خاصة وبلاد رجال الحجر وعسير عموما سنوات شديدة القسوة عُرفت بسنوات الجوع والعوز حيث ارتفعت أسعار السلع الاساسية وقلت المواد الغذائية البسيطة الواردة إلى الجزيرة العربية، مما انعكس على حياة الناس بشكل كبير.
كما أن اعتماد الأهالي آنذاك على الزراعة العثرية جعلهم أكثر تأثر بسبب نقص الأمطار وقلة المياة في الآبار للمسقوية.
وقد هاجر عوائل من قريتي للبحث عن لقمة العيش والى الآن لا يعرف مصيرهم ومنهم من هاجر خارج البلاد .
ولعلنا نستذكر تلك الخطبة للشيخ الدكتور عبد الله بن بالقاسم في جامع بلال والتي يروي فيها قصة الجوع للشيخ /ابراهيم بن عبدان البكري ( متوفرة على اليوتيوب).
https://vt.tiktok.com/ZSQexHmcP/
اطال الله في عمرك يا شيخنا ابا صالح ومتعك الله بالصحة والعافية على طاعته .