الثلاثاء ٢ يونيو ٢٠٢٦ الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

ترامب وإيران … حين تُطيل المفاوضات عمر الأزمات – بقلم الكاتب أ. صالح حمدان الشهري

ترامب وإيران … حين تُطيل المفاوضات عمر الأزمات – بقلم الكاتب أ. صالح حمدان الشهري

منذ سنوات تتقن إيران لعبة «النفس الطويل» في السياسة، فهي لا تنظر إلى المفاوضات بوصفها طريقا سريعا للحلول بل كأداة لإدارة الأزمات وكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق، ومن خلال تجاربها المتعددة مع القوى الدولية استطاعت أن تجعل من الحوار السياسي مساحة لالتقاط الأنفاس وتخفيف الضغوط في وقت كانت فيه الأطراف الأخرى تبحث عن تسويات سريعة أو نتائج حاسمة.

وفي تجربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران برز التباين بين سقف الخطاب السياسي المرتفع وبين تعقيدات الواقع، فقد دخل ترامب المشهد رافعا شعار «الضغط الأقصى» معتمدا على العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية لدفع إيران إلى تغيير سلوكها إلا أن المشهد لم يتطور بالسرعة التي توقعها كثيرون إذ أظهرت طهران قدرة على الصمود والمناورة وإدارة الضغوط عبر مزيج من الصبر السياسي والتحركات الدبلوماسية.

ويرى بعض المحللين أن إطالة أمد المفاوضات منحت إيران فرصة لامتصاص جانب من الضغوط الأميركية، وأتاحت لها مساحة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية والخارجية، كما أن استمرار الحوار خفف من احتمالات المواجهة المباشرة، وفتح الباب أمام تفاهمات جزئية أو مؤقتة بدلا من المواجهة الشاملة التي كانت تُطرح في بعض مراحل الأزمة.

ومن زاوية أخرى يعتقد مراقبون أن طهران تنظر إلى عامل الوقت باعتباره أحد أهم عناصر القوة في إدارة الصراع، فكلما امتدت المفاوضات دون حسم ازدادت فرصها في إعادة بناء قدراتها وتطوير إمكاناتها الدفاعية، والبحث عن بدائل اقتصادية وتجارية تساعدها على التكيف مع العقوبات فضلا عن توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية بما يخفف من آثار الضغوط المفروضة عليها.

وفي المقابل وجدت الإدارات الأميركية المتعاقبة نفسها أمام معادلة معقدة، فالتصعيد المستمر يحمل مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، بينما لا تضمن العقوبات وحدها تحقيق الأهداف السياسية المرجوة، لذلك كثيرا ما انتقلت المواقف من لغة التهديد إلى لغة التفاوض، ومن المطالب القصوى إلى البحث عن حلول وسط أو تفاهمات مرحلية وهو ما اعتبره بعض المراقبين تراجعا عن سقف الطموحات الأولية التي رُفعت في بداية الأزمة.

ويعلم المتابع لتاريخ العلاقات الدولية أن المفاوضات الطويلة تُعد دليلا على الضعف بل قد تكون جزءا من استراتيجية مدروسة لإدارة الصراع واستنزاف الوقت حتى تتغير الظروف السياسية والاقتصادية، وقد شهد التاريخ الحديث أمثلة عديدة لأزمات امتدت سنوات طويلة قبل أن تصل إلى تسويات فرضتها الوقائع الجديدة على الأرض.

وفي نهاية المطاف تبقى منطقة الخليج والشرق الأوسط الأكثر تأثرا بنتائج هذا التجاذب المستمر بين واشنطن وطهران، فكل جولة تفاوض أو تصعيد تنعكس على الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي وحركة التجارة والطاقة العالمية، ومن هنا تبرز أهمية السعي إلى حلول واقعية ومستدامة تحفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتُغلب مصالح الشعوب والتنمية على حساب الصراعات الممتدة والمواجهات المفتوحة.

إن إدارة الأزمات الكبرى لا تقاس بالشعارات وحدها بل بقدرة الأطراف على تحقيق أهدافها الاستراتيجية على المدى البعيد، وبين الضغوط الأميركية وسياسة النفس الطويل الإيرانية يبقى عامل الزمن أحد أهم العناصر التي تشكل ملامح هذه المواجهة السياسية المستمرة، وتحدد اتجاهاتها ومستقبلها في السنوات القادمة.

قبل الختام: اللهم احفظ بلد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبا وبرا وبحرا وفضاء من كل سوء ومكروه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *