الإثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ الموافق ٩ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

الفريق سعيد العمري “كما عرفت”  – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري

الفريق سعيد العمري “كما عرفت”  – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري
عندما نستعرض صفحات التاريخ ونبحث عن أبرز رجاله، خصوصاً في وطننا المملكة العربية السعودية، فإن البوصلة تقودنا إلى الفريق سعيد العمري. شخصية رسخت معاني الولاء والطاعة والشجاعة، وكانت نموذجاً للقيادة الفذة منذ عهد تأسيس الدولة السعودية على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه.
 
الحديث عن الفريق سعيد العمري ليس بالأمر السهل. شخصيته الفريدة جعلته مادة خصبة للباحثين، ومصدر إلهام للأجيال الناشئة التي تبحث عن سر القائد الذي جمع بين الحكمة العسكرية والخلق الرفيع. لقد كان مثالاً يُحتذى به في القيادة، ومرجعاً لمن أراد أن يدرك معنى المسؤولية على أرض الميدان.
 
ظلت سيرته تتردد على الألسن جيلاً بعد جيل، مقرونة بالشجاعة والبطولة والصدق والأمانة. وحين تُذكر رتبة “فريق”، يتبادر إلى الذهن مباشرة اسم “الفريق سعيد العمري”. لم يكن ذلك من فراغ، بل كان ثمرة ما اتصف به من أمانة وشجاعة وإخلاص، حتى غدا عضداً قوياً للدولة السعودية، وموضع ثقة خاصة لدى الملك المؤسس.
 
ولم تقف مكانته عند الجانب الرسمي، بل امتدت إلى العلاقات الشخصية. فقد كان له مواقف بطولية ومشرفة مع الملك عبدالعزيز وأبنائه من بعده. حتى إن أبناء الملك المؤسس كانوا يزورونه في منزله بالرياض أثناء مرضه وقبله، تقديراً لمكانته وما يمثله من ثقل اجتماعي ورسمي قريب من دوائر القرار.
 
وشاءت الأقدار أن تربطني به ذكريات خاصة عبر صداقة والدي – رحمهما الله جميعاً. وأتذكر ثلاثة مواقف جمعتني به:
 
اللقاء الأول.. كان في نجران، حين زار والدي وهو يعمل عسكرياً هناك. كنت طفلاً لم أتجاوز السابعة، لكن المشهد ما زال محفوراً في ذاكرتي: دوريات الشرطة العسكرية تحيط بالمنزل، وسيارات شفروليه الحمراء المكشوفة مصطفة خارجه. جلس الفريق سعيد مع والدي يتناول الشاي والقهوة، برفقة قائد المنطقة العسكرية. يومها رأيت هيبة الرجل وكرزمته التي لا تتكرر.
 
اللقاء الثاني.. كان في النماص، حين اصطحبني والدي لزيارته في منزله. حيث استقبلنا بحفاوة كبيرة، وأجلسنا في مجلسه بالدور العلوي. كنت أجلس إلى جانب لا أراه مواجهاً، لكني كنت أتأمل وجهه وهيبته وأنا صامت من شدة الانبهار. كان الحديث يدور بينه وبين والدي، لكن كل تركيزي كان مع هذا القائد الذي سطر أروع المواقف مع الملك عبدالعزيز وقادة البلاد. وأذكر أنه اشتكى لوالدي أنه لم يعد يقوى على حضور المناسبات لكبر سنه.. ودعناه يومها بعناق أشد حرارة من عناق الاستقبال.
 
اللقاء الثالث.. والأخير كان في الرياض، حين زرته مريضاً في منزله. حيث رحب بوالدي بصوته المعهود، وكان بشوشاً رغم الألم، ولم نطل الجلوس، وأصر على أن نتغدى معه، لكن والدي اعتذر لضيق الوقت. كان وداعاً أخيراً ختمته دموع لا تُنسى.
 
ما كتبته هنا ليس إلا قطرة من بحر شخصية عظيمة أجمع الناس على تقديرها.. رجل أعطى ووفى وأنجز، ولم يكن في قلبه لوطنه إلا الحب والعطاء والإخلاص. صار نبراساً وطنياً يُقتدى به، ودفعة معنوية للأجيال القادمة لبناء وطن شامخ، أعزّ الله به ولاة أمر أوفياء اختارهم الله ليكونوا عزاً لنا وشرفاً، ونحن من خلفهم سائرون.
 
رحم الله الفريق سعيد العمري، وأسكنه فسيح جناته.. لقد كان رمزا خالداً تسجل الأيام ذكراه العطرة لتكون مسيرة مشرفة في صفحات التاريخ السعودي بكل جوانبه العسكرية والإجتماعية والأخلاقية.
 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *