أولاً : تمهيد – ينتمي هذا الكتاب إلى نمطٍ تأليفيٍّ نادر الحضور في المشهد الثقافي العربي المعاصر، إذ يتحرّك في مساحةٍ وسطى تتقاطع فيها حقول التوثيق، والتأريخ الثقافي، والرصد الإعلامي، دون أن ينتمي انتماءً كاملاً إلى أيٍّ منها.فهو لا يقدّم سيرةً علميةً تقليدية تُعنى بتتبع المسار الشخصي والعلمي، ولا يندرج ضمن كتب التراجم التي تُؤرِّخ للأعلام وفق نسقٍ كلاسيكي، كما أنه لا يكتفي بجمع مواد صحفية متناثرة في إطارٍ تجميعيٍّ خالٍ من الرؤية؛ بل يتجاوز ذلك ليصوغ مشروعًا واعيًا يرصد “الحضور العلمي” في تجلياته الإعلامية، ويعيد بناءه ضمن سياقٍ دلاليٍّ متماسك.
ومن هنا تظهر خصوصية هذا العمل؛ إذ لا يتعامل غيثان بن جريس مع الصحيفة بوصفها وسيطًا ناقلًا فحسب، بل يرقى بها إلى مرتبة “الشاهد الثقافي”، الذي يوثّق لحركةٍ علميةٍ حيّة، ويعكس تفاعل المجتمع المحلي معها، ويكشف عن الكيفية التي يُبنى بها وتمثّل العالِم في الوعي العام. فالصحافة هنا ليست مجرد أداة نشر، بل فضاء إنتاج للمعنى، ومرآة لتمثلات المعرفة داخل البيئة الاجتماعية.
وتتضاعف أهمية هذا المنحى في ظل التحولات العميقة التي شهدتها الصحافة الرقمية في العقود الأخيرة؛ إذ لم تعد المادة الصحفية حدثًا عابرًا محكومًا بزمنه الآني، بل أصبحت جزءًا من أرشيفٍ معرفيٍّ وثقافيٍّ متراكم، يحمل في طيّاته ملامح الذاكرة المحلية، ويؤرّخ لنبض المجتمع العلمي والفكري. غير أن هذا الأرشيف، على الرغم من غناه، يظل عرضةً للتشظي والضياع، سواء بفعل التقادم التقني أو بفعل التراكم غير المنظّم.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة هذا الكتاب الذي قام بإعداده وترتيبه وطباعته ونشره الأستاذ محمد بن غرمان العمري، رئيس مجلس إدارة الصحيفة ، باعتباره محاولة واعية لإنقاذ الذاكرة الصحفية من التبدّد، وإعادة تشكيلها في قالبٍ علميٍّ منضبط، يضمن لها البقاء والاستدامة. فهو لا يكتفي بجمع المواد المتفرقة، بل يعمل على تحويلها من حالة “الانتشار الزمني” إلى حالة “الانتظام المعرفي”، بحيث تصبح قابلةً للرجوع، والتحليل، والاستثمار البحثي.
وقد عبّرت مقدمة الكتاب عن هذا الوعي بجلاء، حين أكّدت أن الغاية الأساسية تتمثل في جمع هذه المواد بعد تفرّقها، وتيسير الوصول إليها، ونقلها من فضاء النشر الصحفي المتباعد إلى وعاءٍ علميٍّ أكثر رسوخًا. وبذلك يقدّم الأستاذ العمري نموذجًا مهمًا في كيفية تحويل المادة الإعلامية إلى وثيقةٍ ثقافية، ويؤسس في الوقت ذاته لاتجاهٍ بحثيٍّ يُعنى بدراسة “الحضور العلمي” في وسائطه المعاصرة، كونه ظاهرةً تستحق الرصد والتحليل.
والذي يعنينا في هذه الدراسة ليس إعادة وصف الكتاب وصفًا سريعًا، بل النظر إليه من زوايا متعددة: زاوية البناء، وزاوية المنهج، وزاوية المادة، وزاوية القيمة العلمية، وزاوية موقعه في مشروع التوثيق الثقافي، ثم زاوية الملاحظات النقدية التي يمكن أن تُقال فيه، لا لتقليص قيمته، بل لإبراز ما فيه وما يمكن أن يُستكمل به في الأجزاء اللاحقة أو في الأعمال الموازية.
ثانيًا: طبيعة الكتاب وموقعه بين الأجناس التأليفية – أول ما يلفت النظر في هذا الكتاب أنه لا يترك قارئه في حيرةٍ من أمره، بل يقدّم نفسه منذ العنوان تقديمًا واعيًا دقيقًا، يكاد يختصر فلسفة العمل ومنهجه معًا. فذكر عبارة «توثيق صحفي للحضور العلمي» ، ولم يكن اختيارًا اعتباطيًا أو تجميليًا، وإنما هو اختيار دالّ، ينهض بوظيفة إجرائية ومعرفية في آنٍ واحد؛ إذ يضع القارئ مباشرة أمام ثلاثة محددات كبرى: طبيعة المادة (صحفية)، ووظيفة العمل (توثيقية)، ومجال الاشتغال (الحضور العلمي). وهذه الثلاثية تكشف عن وعيٍ تصنيفي ناضج، وعمل منهجي يُحسب للمؤلف، خاصة إذا ما قورن بكثير من الأعمال التي تتراخى حدودها بين السيرة والتحليل والتجميع دون ضبطٍ واضح.
إن هذا التحديد المبكر لا يُعد مجرد تعريف شكلي، بل هو بمثابة “عقدٍ واضح ” بين المؤلف والمتلقي، يجنّب العمل الوقوع في إساءة الفهم أو سوء التلقي. فالقارئ الذي يلج هذا الكتاب وهو يتوقع دراسة نقدية تحليلية متكاملة لمشروع الدكتور غيثان بن جريس، أو ترجمة علمية شاملة ترصد جميع مراحل حياته وتفاصيلها، سيجد نفسه أمام عمل مختلف في طبيعته ووظيفته. غير أن هذا الاختلاف لا يُحسب على الكتاب، بل يُحسب له؛ لأنه لم يدّعِ ما ليس فيه، ولم يتجاوز حدوده المعلنة. وهنا تتجلى قيمة الصدق المنهجي، حيث يحدّد العمل نطاقه بدقة، ثم يلتزم به التزامًا واضحًا، وهو ما يندر في كثير من المؤلفات التي تتسع عناوينها وتضيق مضامينها.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الكتاب على أنه عملًا يقع في منطقة تقاطعٍ بين عدة أجناس تأليفية، دون أن يذوب في أحدها ذوبانًا تامًا. فهو من جهةٍ كتاب توثيقي، يستمد قوته من دقة الجمع، وحسن الترتيب، والحرص على حفظ المادة كما وردت في سياقها الزمني والإعلامي. وهو من جهةٍ أخرى أقرب إلى المختارات الصحفية، إذ يقوم على انتقاء مادة منشورة سلفًا، وإعادة تقديمها في إطارٍ جامع يمنحها دلالةً أوسع من سياقها الأصلي. كما أنه يلامس مجال التاريخ الثقافي المحلي، بما يكشفه من ملامح البيئة العلمية والإعلامية التي نشط فيها الدكتور غيثان، ويعكس حركة التفاعل بين المثقف ومجتمعه. ولا يخلو كذلك من سمات التراجم العلمية الجزئية، إذ تتشكل من خلاله صورة تدريجية للشخصية موضوع الدراسة، ولكن من زاوية حضورها في الخطاب الصحفي لا من خلال سردٍ ذاتي أو تاريخي شامل.
وفي هذا التداخل المعرفي تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب؛ إذ يمنحه هذا التعدد مرونة في المعالجة، ويكسبه ثراءً في الدلالة، دون أن يفقده هويته الأساسية. فهو لا يدّعي الإحاطة الكلية، ولا يسعى إلى بناء سردية مكتملة بقدر ما يعمل على تقديم “لقطات موثقة” تُسهم في تشكيل صورة كلية عبر التراكم.
وهنا تظهر أهمية المفهوم المركزي الذي يدور حوله الكتاب: “الحضور العلمي”. فهذا المصطلح – على بساطته الظاهرية – ينطوي على عمقٍ دلالي ملحوظ؛ إذ يختلف عن مفاهيم قريبة مثل “السيرة” أو “الإنجاز العلمي” أو “الصورة الإعلامية”. فالحضور العلمي ليس مجرد رصدٍ للإنتاج، ولا هو تتبعٌ خطي لمسار الحياة، بل هو تمثيلٌ لحالة الفاعلية التي تمارسها الشخصية العلمية في محيطها الثقافي والاجتماعي. إنه مفهوم ديناميكي، يرصد العلم في حال حركته لا في حال سكونه، وفي تجلياته المتعددة لا في صورته الأكاديمية المجردة.
ومن ثمّ، فإن هذا الحضور يتجلى في طيفٍ واسع من الأنشطة: من التأليف والنشر، إلى التكريم والاحتفاء، ومن الحوارات الصحفية إلى المشاركات الثقافية، ومن التفاعل مع القراء والنقاد إلى الحضور في الندوات والملتقيات، بل وحتى الرحلات ذات البعد المعرفي. كل هذه العناصر تُسهم في تشكيل صورة الباحث ( غيثان ) بوصفه فاعلًا حيًا في مجتمعه، لا مجرد اسمٍ على غلاف كتاب.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الكتاب يقدّم نموذجًا مهمًا في توثيق “الحياة العلمية في بعدها الاجتماعي”، وهو بعد كثيرًا ما تُغفله الدراسات الأكاديمية التقليدية التي تنشغل بتحليل النصوص أكثر من انشغالها برصد أثرها وحركتها. ولذلك فإن قيمة هذا العمل لا تكمن فقط في ما يجمعه من مادة، بل في الزاوية التي ينظر منها إلى هذه المادة؛ إذ ينقلنا من دراسة العلم كونه منتجًا، إلى تأمله بوصفه حضورًا وتأثيرًا.
إننا، إزاء هذا الكتاب، لسنا أمام سيرةٍ تُروى، ولا أمام بحثٍ يُحلَّل، بل أمام ذاكرةٍ تُوثَّق، وحضورٍ يُلتقط في لحظات تشكّله. وهذه الخصيصة هي ما يمنحه طابعه الخاص، ويجعله إضافةً نوعية في مجاله، تستحق القراءة باعتبارها تجربةً في إعادة تعريف العلاقة بين الصحافة والتوثيق، وبين الفرد وسياقه الثقافي.
ثالثًا: البناء العام للكتاب ودلالته – يتكئ البناء العام لهذا الكتاب على هيكلٍ واضحٍ ومتماسك، يقوم على ثلاثة أقسام رئيسة: مقدمة تؤسس للإطار النظري والمنهجي، وقسمٍ محوري يحمل عنوان “رحلة صحيفة النماص اليوم مع المؤرخ غيثان”، ثم خاتمة تُجمل المسار وتُغلق دلالاته. أما المتن الرئيس، فيتكوّن من (112) مادة صحفية، رتّبت ترتيبًا زمنيًا دقيقًا ضمن هذا الجزء الأول، ممتدة من أول مادة منشورة سنة (1433هـ/2012م) إلى مواد تنتهي في سنة (1447هـ/2025م)، وهو ما يتأكد من خلال الفهرست العام ونص المقدمة معًا.
ولئن بدا هذا البناء في ظاهره بسيطًا ومباشرًا، فإنه في حقيقته يعكس وعيًا منهجيًا ملائمًا لطبيعة العمل التوثيقي؛ إذ إن أي تدخلٍ تحريري زائد، أو محاولة لإعادة تصنيف المادة وفق تقسيمات موضوعية معقدة، كان من شأنه أن يُفقد النص طابعه الأصلي، وينقله من دائرة التوثيق إلى دائرة إعادة الصياغة أو التأويل. ومن هنا، تبدو قيمة الخيار الذي انتهجه المُعد للكتاب ، حين جعل من التسلسل الزمني العمود الفقري الذي ينتظم العمل بأكمله.
غير أن الزمن هنا لا يؤدي وظيفة تنظيمية شكلية فحسب، بل ينهض بدورٍ تحليلي كاشف؛ إذ يتحول إلى أداةٍ منهجية تمكّن القارئ من تتبع تطور “الحضور العلمي” كونه ظاهرة ديناميكية متنامية. فمن خلال هذا الامتداد الزمني، تتبدّى ملامح النمو التدريجي في حضور الشخصية موضوع التوثيق، وتتضح تحولات الاهتمامات، وتنوّع مجالات الاشتغال، بل وحتى تغير أنماط التلقي والاستجابة في الوسط الثقافي والإعلامي. وبهذا المعنى، لا يقدّم الكتاب مواد متجاورة، بل يرسم مسارًا متكاملًا يمكن قراءته على أنه “سردية زمنية للحضور العلمي”.
فالقارئ، وهو ينتقل من مادة إلى أخرى، لا يقف عند حدود الخبر المفرد، بل يلمس خيطًا ناظمًا يجمع بين هذه المواد، يبدأ بمرحلة التعريف والاحتفاء الأولي، حيث يُقدَّم الدكتور غيثان بوصفه “مؤرخ تهامة والسراة”، ثم يتسع هذا الحضور تدريجيًا ليشمل الإصدارات العلمية، والقراءات النقدية، وفعاليات التكريم والتدشين، والأنشطة الثقافية، والرحلات ذات البعد المعرفي، فضلًا عن المقالات التي تتناول قضايا تاريخية واجتماعية وتعليمية ذات طابع حضاري. كما تتضمن هذه المسيرة نقاشات علمية حول مشروعه، وفي مقدمتها موسوعة “القول المكتوب في تاريخ الجنوب ”، إلى أن يصل المتن إلى لحظة وعيٍ ذاتي بالبناء، تتمثل في المادة الختامية التي تعلن انتهاء أعمال الجزء الأول، وكأن الكتاب يكتب خاتمته من داخل نصه.
أما الفهرست العام، فيمثّل أحد أهم العناصر البنيوية في هذا العمل، متجاوزًا وظيفته التقليدية بوصفه دليلًا للصفحات، ليغدو أداة معرفية قائمة بذاتها. فمن خلال نظرة واحدة إليه، تتكشف أمام القارئ سعة المادة وتنوعها الموضوعي؛ إذ يضم مواد تتعلق بالتكريم، وأخرى بالإنتاج العلمي، وثالثة بالقراءات النقدية، إلى جانب موضوعات تمس قضايا التعليم، والتاريخ المحلي، والحياة الاجتماعية، والأبعاد الثقافية والدينية، فضلًا عن نصوص ذات طابع حواري أو انطباعي. وهذا التنوع لا يعكس تعدد الموضوعات فحسب، بل يدل على تعددية “الحضور العلمي” ذاته، على أنه حضورًا متشعبًا لا ينحصر في بُعدٍ واحد.
ومن الجوانب اللافتة في هذا السياق، ما يكشفه الفهرست من حضورٍ مزدوج داخل المادة؛ إذ لا يقتصر الكتاب على ما كُتب عن الدكتور غيثان، بل يضم أيضًا نسبة معتبرة من المواد التي كتبها هو نفسه في صحيفة “النماص اليوم”. وهذه الخاصية تمنح العمل بُعدًا حواريًا مميزًا، حيث يتجاور “صوت الذات” مع “صوت الآخر”، فيتكوّن لدينا نص متعدد الأصوات (Polyphonic) يتيح قراءة الشخصية من الداخل والخارج في آنٍ واحد. وهذا التداخل يثري المادة التوثيقية، ويمنحها عمقًا إضافيًا؛ إذ لا تظل الصورة حبيسة انطباعات الآخرين، بل تتعزز بنماذج مباشرة من خطاب الشخصية نفسها.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن البناء العام للكتاب ليس مجرد إطارٍ شكلي، بل هو جزءٌ من دلالته المعرفية؛ إذ يسهم في تحويل المادة الصحفية المتفرقة إلى نسيجٍ متماسك، ويُعيد إنتاجها في صورة مسارٍ زمني دال، يكشف عن تطور الحضور العلمي في سياقه الواقعي، ويمنح القارئ فرصة تأمل هذا الحضور كونها تجربة حية تتشكل عبر الزمن، لا مجرد وقائع معزولة.
رابعا:- المقدمة كونها نصًا منهجيًا لا استهلالًا فحسب – من الأخطاء الشائعة في قراءة الكتب التوثيقية أن تُعامل المقدمات فيها على أنها صفحات إنشائية تمهيدية، مع أن مقدمة هذا الكتاب بالذات تؤدي وظائف علمية واضحة. فهي أولًا تربط موضوع الكتاب بالسياق الأوسع لتطور الجنوب السعودي في العقود الأخيرة، ولا سيما أثر التعليم الجامعي والتوسع المعرفي والإعلامي في المنطقة. فالمشرف على طباعة الكتاب ونشره لايقدمه كحادثة فردية معزولة، بل يدرجه في مناخ نهضوي معرفي وثقافي شهدته البلاد. وهذا الربط مهم؛ لأنه يخرج الشخصية الموثقة من العزلة، ويعيدها إلى إطارها الاجتماعي والتاريخي.وثانيًا، تقوم المقدمة بتحديد طبيعة الشخصية موضوع التوثيق تحديدًا مختصرًا دقيقًا؛ فهي تذكر أن غيثان بن جريس من أوائل الجامعيين الذين درسوا في كليات أبها، وعُين معيدًا بقسم التاريخ سنة (١٤٠٠هـ/١٩٨٠م) ، وواصل دراساته العليا خارج المملكة العربية السعودية حتى صار أستاذًا ذا حضور علمي وأكاديمي وبحثي واضح.وهذا التقديم ليس تفصيلًا موسعًا، ولكنه بالقدر الكافي لتثبيت القارئ في نقطة الانطلاق، وليفهم لماذا استحق هذا الحضور أن يُوثق. وثالثًا، تصرح المقدمة بأن الكتاب لا يهدف إلى كتابة سيرة كاملة، بل إلى تتبع الحضور في صحيفة النماص اليوم تحديدًا. وهذه الصراحة المنهجية من أجمل ما فيها؛ لأنها تُشعر القارئ أنه أمام عمل يعرف حدوده ويعلنها. والكتب التي تعلن حدودها بوضوح أقرب إلى الصدق العلمي من الكتب التي توهم بالشمول ثم لا تبلغه. ورابعًا، تسرد المقدمة الأنماط العامة للمواد الواردة في الكتاب، فتلخصها في ستة محاور كبرى: التكريمات، والقراءات والتقاريظ والتعليقات، وما يتصل بالمشروع الموسوعي “القول المكتوب في تاريخ الجنوب ”، والمقالات والأوراق العلمية، والحوارات والمقابلات، والأنشطة والمبادرات والرحلات والجهود المرتبطة بالنشر العلمي. وهذا التلخيص يفيد القارئ فائدة كبيرة؛ لأنه يقدم له خريطة ذهنية قبل الدخول في التفاصيل، كما يفيد الباحث لأنه يسمح بإعادة تصنيف الكتاب موضوعيًا إلى حقول يمكن دراستها دراسة نوعية لا زمنية فقط.وخامسًا، تحدد المقدمة أهداف الجمع نفسها: توثيق الحضور العلمي، وتكريم الجهود، وتشجيع غيره على جمع أعمالهم، وتحويل المادة الصحفية إلى أوعية علمية أكثر استدامة، والدعوة إلى نشر النتاج العلمي في مختلف التخصصات. وهذه الأهداف تكشف أن وراء الكتاب رؤية ثقافية لا مجرد رغبة أرشيفية. فالأستاذ العمري ( جامع الكتاب والمشرف على طبعه ونشره ) لا يريد فقط أن يجمع، بل يريد أن يقول إن الجمع نفسه فعل ثقافي، وأن حفظ المادة الصحفية في كتاب هو خدمة للحياة العلمية والتعليمية. ومن هنا نستطيع القول إن المقدمة ليست مجرد مدخل، بل هي بيان منهجي وثقافي يشرح دوافع العمل وحدوده وقيمته المتوخاة. وهي من هذه الزاوية تنجح في إعداد القارئ للكتاب، وفي إزالة كثير من الأسئلة التي يمكن أن تثار حوله.
خامسا:- المنهج المتبع في الكتاب وقيمته – نصت المقدمة صراحة على أن العمل اعتمد منهج الجمع والحصر والتصنيف والترتيب الزمني والموضوعي للمواد المنشورة، مع الحفاظ على طبيعتها الصحفية الأصلية وتوثيقها في إطار علمي يسهل الرجوع إليه، كما اقتصر على مادة صحيفة النماص اليوم خلال المدة المحددة، وأرفق مع كل مادة رابطها الإلكتروني. وهذه العبارات، على وجازتها، تختصر جوهر المنهج الذي يقوم عليه الكتاب.وأول ما يقال في هذا المنهج أنه منهج ملائم للغاية لموضوعه. فهناك أعمال تحتاج إلى التحليل، وأعمال تحتاج إلى التحقيق، وأعمال تحتاج إلى المقارنة، أما هذا العمل فيحتاج أولًا إلى الإمساك بالمادة وحفظها وترتيبها وتثبيتها. ولا يصح أن نطالبه بما لم يقصد إليه، أو أن نعد غلبة الطابع التجميعي فيه ضعفًا من حيث الأصل؛ لأن وظيفته الأساس توثيقية. بل إن نجاح الكتاب يبدأ من كونه لم يبعثر نفسه في وظائف متضاربة، بل ركز على الوظيفة الأولى الضرورية: إنقاذ المادة وترتيبها وتقديمها. ومع ذلك فليست قيمة المنهج هنا في الجمع وحده، بل في وعي الجمع. فالجمع قد يكون آليًا بلا فكر، أما هنا فثمة تصنيف ضمني ظاهر في الفهرسة، وفي انتظام الحركة داخل الكتاب، وفي إدراك الأنواع المختلفة للمواد. ومن يطالع الفهرست يرى بوضوح أن صاحب الكتاب لم يضع مواد متجاورة اعتباطًا، بل حافظ على منطق المسار الزمني، مع بقاء البنية الموضوعية ظاهرة لمن يريد أن يستنبطها. وهذه نقطة فنية مهمة؛ لأنها تعطي القارئ نوعين من القراءة: قراءة طولية زمنية، وقراءة عرضية موضوعية.
ومن حسنات المنهج أيضًا الحفاظ على الطبيعة الأصلية للمواد. وهذه مسألة لها شأن كبير في التوثيق؛ لأن إعادة الصياغة الكثيفة قد تصنع نصًا جديدًا وتضيع الأصل. أما الإبقاء على المادة في صورتها الأولى، مع توثيقها وربطها بمصدرها الرقمي، فهو أقرب إلى الأمانة العلمية، وأجدى للباحثين مستقبلًا. فالدارس بعد سنوات سيحتاج إلى معرفة: كيف كان الخطاب الصحفي؟ كيف كانت العناوين؟ كيف صيغ التلقي؟ كيف كانت صورة المؤرخ في الصحيفة؟ وكل هذا لا يُستفاد منه إذا تم صهر المادة في سردٍ جديد. ويُحسب للقائم على الكتاب( الأستاذ محمد العمري) كذلك أنه قصر العمل على صحيفة واحدة في مدة محددة. وقد يبدو هذا القصر لأول وهلة تضييقًا، لكنه في الحقيقة من عوامل الدقة. فالعمل الذي يفتح كل المنافذ من غير حدود غالبًا ما يفقد وضوحه، أما هنا فلدينا إطار زمني واضح، ووعاء صحفي واحد، وهدف محدد. وهذا ما يعطي الكتاب صلابة منهجية. نعم، هو لا يغطي كل حضور الدكتور غيثان بن جريس في كل الصحف والمنصات، لكنه لم يدّع ذلك أصلًا، بل التزم بما أعلن.والقراءة النقدية المنصفة تقول أيضًا إن هذا المنهج، مع قوته، يظل مرحلة أولى لا نهاية الطريق. فهو يقدم المادة الخام المنظمة على خير وجه، لكنه يهيئ أيضًا لمرحلة ثانية يمكن أن تكون أكثر تحليلًا: مرحلة دراسة أنماط الخطاب الصحفي حول الدكتور غيثان، أو دراسة تطور صورته الثقافية، أو مقارنة حضوره في “ صحيفة النماص اليوم” بحضوره في منصات أخرى، أو استخراج شبكة المفاهيم والموضوعات المركزية في المواد.وبعبارة أخرى: فالكتاب قد أنجز الشطر الأول من الخدمة، وترك الشطر الثاني مفتوحًا للباحثين.
سادسا:- تنوع المادة وأثرها في القيمة العلمية : يكاد هذا التنوع يكون السمة الأبرز للكتاب بعد سمة التوثيق. فالفهرست العام وحده يكشف عن تعدد لافت في الأنماط: ثمة تكريم من أمير عسير، وتعريف بالمؤرخ، ولقاءات خاصة، وأخبار عن صدور الكتب، ومشاركات في معارض، وقراءات في كتب متعددة، وتعقيبات نقدية، ومراجعات لمجلدات من موسوعة “القول المكتوب المكتوب في تاريخ الجنوب ”، ومقالات للدكتور غيثان في التعليم والتاريخ الاجتماعي والديني والثقافي، وموضوعات عن مكة، والهجرة، والابتعاث، والتاريخ الإعلامي، والأدب الشعبي، والقرية والأسرة، والضيافة، والأسواق، والفنون، والطب، وغيرها. وهذا التنوع لا ينبغي أن يُقرأ على أنه تنوع عشوائي، بل هو في الحقيقة يكشف عن أمرين متلازمين: الأول اتساع المشروع العلمي لصاحب الحضور، والثاني اتساع مجال التلقي الصحفي له. فمن جهة، نرى الدكتور غيثان بن جريس مؤرخًا للجنوب، وباحثًا في التعليم، وكاتبًا في الاجتماع والثقافة والرحلات والذاكرة والتاريخ المحلي، وصاحب مشروع موسوعي، ومن جهة ثانية نرى أن الصحيفة والمحيط الثقافي لم يتلقياه في زاوية واحدة، بل في زوايا متعددة. وهذا يعني أن “الحضور العلمي” هنا حضور مركب، لا يقوم على عمل واحد أو لقب واحد.
ومن الآثار الإيجابية لهذا التنوع أن الكتاب يصبح صالحًا لعدد كبير من القراءات. فيستفيد منه الباحث في التاريخ الثقافي المحلي، ويستفيد منه دارس الإعلام والصحافة الرقمية، ويستفيد منه من يدرس صورة العالم والباحث في المجتمع، ويستفيد منه من يتابع مشروع الدكتور غيثان نفسه، ويستفيد منه من يشتغل بسوسيولوجيا المعرفة المحلية. وهذه القابلية لتعدد القراءات من دلائل حيوية المادة.كما أن التنوع يكسر الرتابة التي قد تقع فيها بعض الكتب التوثيقية. فلو كان الكتاب كله أخبار إصدارات فقط لضعفت حيويته، ولو كان كله تكريمات لصار أقرب إلى سجل مناسبات، ولو كان كله مقالات ذاتية لفقد بعده التداولي. أما هذا الامتزاج بين الخبر، والقراءة، والحوار، والمقال، والتكريم، والتعقيب، والرحلة، والانطباع، فيجعل المتن غنيًا بالحركة وبالأصوات المختلفة.
ومع هذا فإن التنوع نفسه يُنتج ملاحظة نقدية لطيفة، هي أن الكتاب كان يمكن في نهايته أو مقدمته الموسعة أن يرفق بفهرسة موضوعية ثانية، لا تكتفي بالتسلسل الزمني، بل تعيد تصنيف المواد بحسب الحقول: “التكريمات”، “الإصدارات”، “القراءات النقدية”، “مقالات الدكتور غيثان”، “المشروع الموسوعي”، “قضايا التعليم”، “قضايا التاريخ الاجتماعي”… إلخ. وهذه ليست ملاحظة على أصل العمل، بل اقتراح يكمل فائدته، خاصة للباحث الذي لا يريد قراءته من أوله إلى آخره بل يريد الدخول إلى موضوع بعينه.
سابعا:-الكتاب بوصفه مرآة للحركة الثقافية في الجنوب السعودي : من أعظم مزايا هذا الكتاب أنه لا يعرّفنا بالدكتور غيثان وحده، بل يعرّفنا أيضًا ـ من حيث لا يقصد أحيانًا ـ بملامح البيئة الثقافية والعلمية في جنوب المملكة العربية السعودية خلال هذه المدة. فحين نقرأ عن التكريمات، والندوات، واللقاءات، والقراءات، والمراجعات، والحوارات، والجوائز، واستضافة طلاب دوليين، وتدشين الموقع الإلكتروني، والمشاركات في الصحف والمنابر، فإننا لا نقرأ “فردًا” فقط، بل نقرأ مجالًا ثقافيًا له مؤسساته، وأشخاصه، وأذواقه، وشبكاته، وأدواته.ولهذا فالكتاب صالح أن يُقرأ كوثيقة للحياة الثقافية الجنوبية في جانب من جوانبها. صحيح أنه منحاز ـ بحكم موضوعه ـ إلى شخصية محددة، لكنه مع ذلك يكشف عن فاعلين كثر: كتّاب يقرؤون، وأكاديميين يعلقون، وصحيفة تتابع، ومجتمع يكرّم، وجامعة تحضر، وقرّاء يتفاعلون، ومشهد يتشكل. ومن هنا تتجاوز قيمته حدود “الاحتفاء بشخصية” إلى “توثيق نمط من أنماط الثقافة المحلية”.
بل إن مقدمة الكتاب نفسها تضع العمل في سياق تطور الجنوب السعودي معرفيًا وإعلاميًا، وتربطه بالتعليم الجامعي والتوسع المعرفي، وبنشأة الصحافة الرقمية المحلية، وهذه الإشارة وحدها كافية لتدل على أن المؤلف يدرك أنه يكتب جزءًا من تاريخ بيئته، لا مجرد سجل لمواد صحفية. ومن هذه الجهة فإن الكتاب يُسهم أيضًا في مقاومة مركزية السرد الثقافي العام؛ لأن كثيرًا من التوثيقات تنصرف إلى مراكز ثقافية كبرى، بينما يجيء هذا العمل ليقول إن في الجنوب حراكًا معرفيًا وصحفيًا وعلميًا يستحق أن يُحفظ، وأن في الصحافة المحلية موادَّ لو جُمعت لأعطت صورة مغايرة عمّا يظنه البعض عن الأطراف والمراكز.
ثامنا: صورة الدكتور غيثان والقيمة العلمية للكتاب : الصورة التي يخرج بها القارئ عن الدكتور غيثان من خلال هذا الكتاب ليست صورة أحادية أو جامدة. إنها صورة مؤرخ وباحث محلي الجذر، واسع الموضوع، ممتد الحضور، متصل بالإعلام، حاضر في المجتمع، مقروء من غيره، وكاتب بنفسه في طائفة من القضايا. ففي بعض المواد يبدو مؤلفًا يصدر الكتب، وفي بعضها يبدو مؤرخًا تتوالى القراءات في مشروعه، وفي بعضها يبدو صاحب مبادرة وحضور اجتماعي وثقافي، وفي بعضها يبدو شاهدًا على أحوال التعليم والجنوب والتحولات الاجتماعية، وفي بعضها يبدو صاحب انطباعات وذكريات ومشاهدات.
وهذه الصورة المركبة مهمة؛ لأنها تحفظ الشخصية العلمية من الاختزال. فكم من عالمٍ يُختزل في لقب أو في كتاب واحد أو في مناسبة واحدة، أما هنا فإن التراكم الزمني للمادة يفتح جوانب متعددة من شخصيته العلمية. وليس المقصود هنا الحكم على كل جانب من هذه الجوانب، وإنما الإشارة إلى أن الكتاب نجح في تقديم صورة حية متنامية، لا بطاقة تعريف ثابتة.ومن الأمور اللافتة أيضًا أن المؤلف القائم على العمل في المقدمة لم يبالغ في مديح الشخصية موضوع الكتاب، بل قدّمها في سياقها، وذكر أنها صارت معروفة بأوصاف مثل “مؤرخ الجنوب” و”مؤرخ تهامة والسراة”، وأنها تمثل نموذجًا من أبناء المنطقة الذين ترقوا عبر مسارات التعليم وخدموا مجتمعهم. وهذا التقديم يحفظ شيئًا من الاعتدال ويجنب المقدمة أن تتحول إلى خطاب احتفالي خالص.
أمالقيمة العلمية لهذا الكتاب لا تقاس بأنه يقدم “أفكارًا نظرية جديدة” بقدر ما تقاس بأنه يقدم مادة موثقة منظمة كانت مهددة بالتفرق. وهذه خدمة علمية كبيرة في ذاتها. فليس كل نفع علمي نفعًا تنظيريًا؛ بل من أعظم الخدمات للعلم حفظ مادته، وجمع شواهده، وتيسير مراجعته، وإبقاء نصوصه في متناول الدارسين. ومن هذه الزاوية فإن الكتاب يؤدي وظيفة أساسية في بناء الذاكرة البحثية.ثم إن القيمة العلمية تتعزز هنا بربط المادة المطبوعة بأصلها الرقمي؛ إذ ذكرت المقدمة أن مع كل مادة رابطًا إلكترونيًا يتيح للقارئ العودة إلى النص الأصلي في الصحيفة. وهذا الربط بين الورقي والرقمي يرفع من موثوقية العمل ومن فائدته البحثية؛ لأنه يجعل القارئ غير أسير النقل الواحد، ويمنحه إمكان التثبت والمقارنة. ويضاف إلى هذا أن الكتاب يختزن مادة نافعة للباحث في ثلاثة مستويات على الأقل: مستوى المعلومات المباشرة عن الدكتور غيثان وإصداراته وحضوره، ومستوى الخطاب الصحفي المحلي وكيفية بناء الصور الثقافية، ومستوى التحولات الموضوعية في القضايا التي شغلته وشغلت من كتبوا عنه. ومن هنا كان الكتاب أكثر غنىً من أن يُقرأ على أنه سجل مناسبات فقط.
تاسعا : الملاحظات النقدية ، وأهمية الكتاب للمستقبل: الكتاب ـ مع قيمته الظاهرة ـ لا يخلو من مواضع كان يمكن أن تزيده قوة لو استكملت، وأذكرها هنا بروح المراجعة العلمية الهادئة:
1- أن الطابع التوثيقي التجميعي، وهو أصل قوة الكتاب،وجعله بطبيعته أقل حظًا من الدراسة التحليلية الداخلية. فالقارئ بعد الانتهاء من المتن يحتاج إلى فصلٍ أو دراسةٍ ختامية أطول ترصد مثلًا: ما السمات العامة لصورة الدكتور غيثان في الصحيفة؟ ما الموضوعات الأكثر حضورًا؟ ما التحولات بين السنوات الأولى والسنوات الأخيرة؟ ما نسبة ما كتب عنه إلى ما كتبه هو؟ ما الحقول المهيمنة في الاستقبال؟ وجود مثل هذا الفصل كان سيجعل الكتاب يجمع بين حفظ المادة وقراءتها الأولى.
2 – أن الاقتصار على صحيفة واحدة ـ وهو من حيث المنهج فضيلة ـ يجعل الصورة جزئية بالضرورة، وإن كانت جزئية واعية ومعلنة. وكان من الممكن، ربما في ملحق أو في تمهيد وجيز، الإشارة السريعة إلى حضوره في صحف أو منصات أخرى، لا بقصد التوسعة الكاملة، بل بقصد الإحاطة الإجمالية. غير أن هذه ليست ثغرة في حدود ما التزم به المؤلف، وإنما هي أفق عمل لاحق.
3 – أن الفهرسة الزمنية ممتازة، لكن الفهرسة الموضوعية كانت ستزيد الكتاب نفعًا، كما سبق القول. وخاصة في كتاب يبلغ ( ٦٦٤ ) صفحة ويضم ( ١١٢ ) مادة متنوعة؛ إذ يحتاج الباحث أحيانًا إلى مدخل موضوعي سريع، لا إلى تتبع المسار الزمني كله.
4 – أن بعض المواد بحكم طبيعتها الصحفية قد تتقارب في الوظيفة أو الجو العام، وهو أمر طبيعي في هذا النوع من الأعمال، لكنه يجعل القارئ المتصل بحاجة أحيانًا إلى إشارات ترشد إلى ما هو الأشد مركزية أو الأوسع دلالة داخل هذا السيل من النصوص. وكان يمكن تحقيق ذلك بتمهيدات قصيرة بين الفترات الزمنية، مثل: “مرحلة التعريف الأولى”، “مرحلة توسع الإصدارات”، “مرحلة التفاعل النقدي مع الموسوعة”، “مرحلة المقالات الاجتماعية والثقافية”… إلخ.
ومع هذا كله، ينبغي أن يقال بوضوح إن هذه الملاحظات لا تنقض الكتاب، بل تؤكد طبيعته وتفتح إمكانات تطويره. فالنقد المنصف لا يطلب من العمل أن يكون كل شيء، وإنما ينظر فيما أنجزه أولًا، ثم فيما يمكن أن يضاف إليه.
والكتاب من الأعمال التي تتجاوز فائدتها زمن صدورها؛ لأنه يؤسس لما بعده. فهو أولًا يرسخ قيمة جمع المادة الصحفية الخاصة بالشخصيات العلمية في أوعية ثابتة. وثانيًا، يفتح الباب أمام مشروع أكبر: جمع حضور الدكتور غيثان بن جريس في الصحف الأخرى، أو في المنصات الرقمية، أو في الرسائل والمراسلات، أو في الكتابات النقدية عنه، ليُبنى من ذلك كله أرشيف علمي وثقافي واسع. وثالثًا، يقدم مثالًا يمكن أن يحتذى في توثيق علماء ومؤرخي المناطق المختلفة.
ومن جهة خاصة، فإن الجزء الأول في العنوان يوحي صراحة بأن صاحب الكتاب يرى العمل مشروعًا ممتدًا لا كتابًا منفردًا مغلقًا. وهذه الإشارة مهمة؛ لأنها تدل على أن ما بين أيدينا هو بداية مشروع توثيقي لا نهايته. وإذا أحسن استثمار هذه البداية، أمكن أن تقوم عليها أعمال لاحقة ذات قيمة كبيرة في التأريخ الثقافي للجنوب السعودي.
عاشرًا: الخاتمة: إذا أُريد لهذا العمل أن يُقوَّم تقويمًا جامعًا، فإن الإنصاف يقتضي وضعه في إطاره الذي اختاره لنفسه، لا في أطرٍ أوسع لم يدّعها ابتداءً. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الكتاب قد حقق قدرًا معتبرًا – وإن لم يبلغ مرتبة الاكتمال – في إنجاز الوظيفة التي نهض بها. فهو لم يتقدم على أنه سيرة علمية تفصيلية، ولم يسعَ إلى تقديم قراءة نقدية شاملة لمجمل إنتاج الدكتور غيثان بن جريس، بل حدّد غايته في توثيق حضوره العلمي في صحيفة «النماص اليوم» خلال مدى زمني معين، مع العناية بجمع المادة، وربطها بسياقاتها الأصلية، وتقديمها في إطارٍ منظم. وفي حدود هذا التعريف، أظهر العمل قدرًا من الانضباط المنهجي والوضوح في التنفيذ، غير أن هذا النجاح يظل نسبيًا، تحيط به مساحات قابلة للتطوير والتعميق.
غير أن القيمة الحقيقية للكتاب لا تقف عند حدود الجمع والتوثيق، بل تتجاوزها إلى مستوى أعمق؛ إذ أسهم – عن قصد أو بحكم طبيعة مادته – في حفظ شذرات من الذاكرة الثقافية والعلمية المحلية، تلك الذاكرة التي كثيرًا ما تتعرض للتبدد في خضم التراكم الصحفي السريع. فالكتاب لا يوثق حضور فردٍ في صحيفة فحسب، بل يلتقط، في طيات هذا الحضور، ملامح العلاقة بين المؤرخ أو الباحث ومجتمعه،وبين المعرفة ووسائطها، وبين الإنتاج العلمي وأصدائه في الفضاء الثقافي. ومن هنا، تتشكل صورة تدريجية لعالم وأستاذ من علماء جنوب المملكة العربية السعودية، لا بوصفه منتجًا للنصوص فقط، بل فاعلًا في شبكة من التلقي، والحوار، والتكريم، والتأثير. ولعل هذه الخصيصة هي التي تمنح العمل بُعده الأبعد أثرًا؛ إذ يتحول من مجرد وعاء توثيقي إلى مرآة تعكس جانبًا من الحراك الثقافي المحلي، وتعيد الاعتبار لدور الصحافة على أنها حاضنةً للذاكرة العلمية، لا مجرد وسيط عابر للأخبار. ومع ذلك، فإن هذا البعد كان يمكن أن يُستثمر على نحوٍ أعمق، لو أُرفق بقدرٍ من القراءة التحليلية التي تشرح هذه المادة وتكشف أنماطها ودلالاتها، بدل الاكتفاء بعرضها في صورتها الخام.
ومن هذا المنطلق، فإن الكتاب يظل مفتوحًا على مستويين من القراءة: قراءة مباشرة تستفيد من مادته باعتبارها وثيقةً محفوظة، وقراءة تأملية تتجاوز المادة إلى الفكرة المؤسسة له، أي فكرة “توثيق الحضور العلمي” في الصحافة المحلية على أنها ممارسة معرفية تستحق العناية والتطوير. وإذا ما تتابعت أجزاء هذا المشروع، وأُلحقت به أدوات أكثر نضجًا – كالفهرسة الموضوعية الدقيقة، أو الدراسة التحليلية المكملة – فإن العمل مرشح لأن يرتقي من كونه جهدًا توثيقيًا مهمًا إلى مشروعٍ مرجعي ذي قيمة علمية راسخة في بابه.
وفي ختام هذا المقال، لا يسعني إلا أن أتوجّه بخالص الدعاء لأستاذي الأستاذ الدكتور غيثان بن جريس، سائلًا الله تعالى أن يبارك له في عمره وعلمه، وأن يجعل أيامه موصولةً بالعطاء والإنجاز، وأن يزيده توفيقًا وتسديدًا ونجاحًا، وأن يجعل عمله نورًا يُهتدى به، وأثرًا باقيًا في ميادين المعرفة.اللهم أدم عليه نعمة الصحة والعافية، واحفظه بحفظك الذي لا يُرام، واكلأه بعينك التي لا تنام، ووفقه لكل ما تحب وترضى، واجعل ما يقدّمه من علمٍ وعملٍ في موازين حسناته، واجعل له في كل حرفٍ أجرًا، وفي كل أثرٍ بركة. اللهم اجزه عنا، وعن طلابه، وعن طلاب العلم، وعن كل ما قدّم، خير الجزاء، وأجزل له المثوبة، وارفع درجته في عليين، وبارك في جهوده، وانفع به البلاد والعباد.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد المرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
التعليقات