في هذه المساحة، نسوق دندنةً حول النسيء؛ ذلك المفهوم الذي تاهت بين ردهاته حسابات الفصول وعدالة التوقيت…” منذ قديم الأزل، والإنسان يسعى لتطويع الزمن، في محاولة منه لحشر حركة الأجرام السماوية في قوالب حسابية تخدم استقراره على الأرض.
وفي قلب هذا السعي، برز “النسيء” كأحد أكثر الأدوات الزمنية إثارة للجدل، وهو ذلك الشهر الذي كان يُضاف للتقويم القمري كل ثلاث سنوات تقريباً لسد الفجوة بين السنة القمرية والسنة الشمسية. فما بين منادٍ بعودته ضبطاً للفصول، وبين متمسك بتحريمه صيانةً للعدالة الكونية،. وفي هذا السياق تدور دندنتنا اليوم.
يرى فريق من الباحثين، وبعض المهتمين بالشأن الزراعي والمناخي، أن نظام النسيء كان يحمل في طياته “منطقاً تنظيمياً” لا يمكن إنكاره. حجة هؤلاء تنصب على فكرة “الاستقرار الفصلي”؛ فهم يطمحون لرؤية شهر رمضان ثابتاً في شتاء بارد، أو موسم الحج منضبطاً في اعتدال الخريف.
بالنسبة للمروجين لهذه النظرية، فإنهم يرون ان النسيء يمنع “دوران” الأشهر حول الفصول، وهو ما يسهل – من وجهة نظرهم – التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، ويربط أسماء الأشهر بمعانيها الأصلية؛ فلا يأتي ” الربيع ” في قيظ الصيف، ولا جمادى في حرارة أغسطس.
وعلى الضفة الأخرى، يقف الرافضون والفقهاء وعلماء الفلك الشرعي، مسنودين بالدليل القاطع والمنطق التاريخي. وهؤلاء يرون في النسيء وسيلة لـ “التلاعب بالزمن”؛ إذ إن القرار بإضافة الشهر كان يخضع قديماً لسلطة “النسأة” من بني كنانة، مما يفتح الباب للأهواء البشرية والمصالح المادية في تأجيل الأشهر الحرم أو تقديمها وفقاً لظروف الحرب والتجارة.
فالرفض هنا ليس مجرد تمسك بالنص، بل هو وعي بأن “تثبيت الزمن” هو في الحقيقة “تجميد” له، وإخضاع لظاهرة سماوية مطلقة (دورة القمر) لمقاييس أرضية نسبية. حينما نزل القول الفصل في تحريم النسيء بوصفه “زيادة في الكفر”، لم يكن الأمر مجرد تنظيم تقويمي، بل كان إرساءً لمبدأ “العالمية والعدالة”.
فالعدالة الجغرافية تقرر انه لو أقر الإسلام النسيء، لثبتت المشقة على سكان أقاليم معينة للأبد، ولنعم غيرهم بالراحة للأبد. فعندما جاء تحريم النسيء جعل رمضان يطوف بالأرض، يزور المسلم في شمال الكوكب تارة وجنوبه تارة أخرى، مانحاً الجميع فرصاً متساوية للصيام في كل الأجواء والمناخات عبر دورة زمنية قدرها 33 سنة.
كما ان إقرار النسيء يجعله مرتبطاً بمركزية جغرافية معينة تقرر “الكبس”، مما يجعله خاضعا للأهواء البشرية الغير منضبطة، بينما التقويم القمري الرباني الخالص الذي يعتمد على دورة القمر حول الأرض لتحديد الأشهر يجعل من “الهلال” مرجعاً ديموقراطياً يراه الجميع، متحرراً من أي سلطة بشرية.
لقد أعاد التحريم للزمن أصالته، كما عبر النبي ﷺ بأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، ليكون التقويم فطرياً موافقاً لناموس الكون لا لتنسيق البشر. إن النسيء، وإن بدا في ظاهره أداة للضبط، إلا أنه كان يحمل في طياته بذور التمييز الجغرافي والتلاعب البشري. إن جمالية التقويم الهجري تكمن في “رحيله” المستمر عبر الفصول، ليؤكد لنا في كل عام أن هذا الدين لم يأتِ لقطر دون قطر، بل جاء ليراعي أحوال البشر في كل مكان وزمان، ضارباً أروع الأمثلة في المساواة أمام عدالة السماء.
“إن حكمة ‘رحيل’ التقويم الهجري بين الفصول تتجاوز مجرد الحساب الفلكي، لتعلن بوضوح أن هذا الدين لا يعترف بمركزية جغرافية؛ فلو جُمِد رمضان في شتاء الشمال، لكان صيف الجنوب له بالمرصاد للأبد. إن تحريم النسيء لم يكن مجرد تنظيم لشهور السنة، بل كان تحريراً للإنسان من سلطة ‘النسأة’ وضبطاً لساعة العدالة الإلهية التي لا تحابي مناخاً على آخر.
هكذا يبقى الهلالُ ميزاناً كونياً عادلاً، يطوف بالعبادات على سكان الأرض كافة، ليذوق كل مسلم مرارة الحر وبرد الشتاء، في دورةٍ زمنيةٍ تُعلمنا أن الزمن لله، والعدل للجميع، وأن ‘استقرار الفصول’ الذي ننشده ما هو إلا قيدٌ لا يليق برحابة الرسالة وعالميتها.”


التعليقات