الإثنين ٩ مارس ٢٠٢٦ الموافق ٢١ رمضان ١٤٤٧ هـ

القول المكتوب في تاريخ الجنوب “الجزء الثاني والثلاثون” قراءة تحليلية نقدية في مشروع موسوعي معاصر – بقلم أ. محمد غرمان العمري

القول المكتوب في تاريخ الجنوب “الجزء الثاني والثلاثون” قراءة تحليلية نقدية في مشروع موسوعي معاصر – بقلم أ. محمد غرمان العمري

يأتي كتاب «القول المكتوب في تاريخ الجنوب» – الجزء الثاني والثلاثون ( ١٤٤٧هـ/ ٢٠٢٦م)، في (٦٥٠) صفحةً للأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس بوصفه حلقة متقدمة في مشروع علمي موسوعي يُعد من أضخم وأعمق المشاريع العربية المعاصرة المتخصصة في تاريخ جنوب المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية.

وليس من المبالغة القول إن هذا الجزء يمثّل مرحلة نضج واضحة في مسار طويل من الاشتغال العلمي المنهجي، إذ تتجلى فيه خبرة المؤلف التراكمية، ووعيه النقدي، وقدرته على الموازنة الدقيقة بين التوثيق والتحليل، وبين احترام الرواية التاريخية وإخضاعها للقراءة العلمية الصارمة.

إن قراءة هذا الجزء لا يمكن أن تتم قراءةً جزئية أو معزولة، لأن المؤلف لا يقدّم كتابًا مستقلًا بالمعنى التقليدي، بل يضيف لبنة جديدة إلى بناء موسوعي متكامل، يقوم على رؤية تاريخية شاملة للجنوب ( تهامة وسراة ) ، بوصفه فضاءً حضاريًا فاعلًا في التاريخ العربي والإسلامي، لا مجرد هامش جغرافي أو ملحق سردي لتاريخ المركز. ومن هنا، فإن أهمية هذا الجزء لا تكمن فقط في موضوعاته، بل في موقعه ضمن السلسلة، وفي ما يعكسه من تطور في أدوات البحث وأساليب المعالجة.

يُلاحظ القارئ منذ الصفحات الأولى أن المؤلف يحرص على ترسيخ منطلقات منهجية واضحة، تقوم على إدراك تعقيد المادة التاريخية المرتبطة بتاريخ الجنوب، وما يحيط بها من إشكالات تتعلق بالمصادر، وتفاوت الروايات، وتداخل الأسطورة بالخبر، والرواية الشفهية بالتدوين المتأخر. وهذا الوعي المنهجي لا يُطرح بوصفه تنظيرًا مجردًا، بل يُمارَس عمليًا في صلب الدراسات والبحوث التي يضمها الكتاب، حيث تتجسد القراءة النقدية في تحليل النصوص، ومقارنة الروايات، وربط الأحداث بسياقاتها الزمانية والمكانية.

ويمتاز هذا الجزء بتنوع موضوعاته وتعدد زوايا النظر فيه، إذ لا يكتفي بتناول جانب واحد من تاريخ الجنوب، بل يقدّم مقاربات تاريخية وحضارية واجتماعية، مع حضور ملحوظ لقراءة النتاج الغربي، ولا سيما كتابات الرحالة والمستشرقين، قراءةً نقدية متوازنة لا تنطلق من موقف عدائي مسبق، ولا من تسليم ساذج بما ورد فيها، وإنما من منهج علمي يقوم على الفحص والمقارنة والتحليل. ويُحسب للمؤلف هنا أنه لا يقع في فخ الرفض المطلق أو القبول المطلق، بل يميّز بين ما يمكن الإفادة منه علميًا، وما ينبغي التنبيه إلى خلفياته المعرفية أو الأيديولوجية.

كما يتجلّى في هذا الجزء اهتمام واضح بإبراز البعد الحضاري لتاريخ جنوب شبه الجزيرة العربية، وعدم اختزاله في سرد الأحداث السياسية أو العسكرية. فالجنوب، كما يقدّمه المؤلف، فضاء حضاري أسهم في تشكيل التاريخ الإسلامي والعربي عبر قرون طويلة، من خلال مراكزه العلمية، وشبكاته الاجتماعية، وتفاعلاته الاقتصادية، وموقعه الجغرافي الذي جعله حلقة وصل بين أقاليم متعددة. وهذه الرؤية الحضارية تمنح الكتاب بعدًا تحليليًا يتجاوز الإطار المحلي الضيق، ويضع تاريخ الجنوب ضمن سياق أوسع من التفاعلات الإقليمية.

ومن السمات البارزة في هذا الجزء أن المؤلف لا يكتفي بعرض المادة التاريخية، بل يسعى إلى تفسيرها وفهم دوافعها ونتائجها. فالأحداث لا تُقدَّم بوصفها وقائع جامدة، بل بوصفها نتاج تفاعلات معقدة بين الإنسان والمكان والزمان. وهذا المنحى التفسيري يضفي على الكتاب قيمة علمية إضافية، لأنه يفتح المجال أمام القارئ لفهم أعمق للتاريخ، لا الاكتفاء بحفظ تسلسله الزمني.

ويظهر النضج المنهجي للمؤلف أيضًا في تعامله مع مفهوم «التاريخ الإقليمي»، إذ لا ينظر إليه بوصفه تاريخًا ثانويًا أو محليًا محدود الأثر، بل بوصفه جزءًا لا يتجزأ من التاريخ العام. ومن هنا تأتي محاولته الدائمة لربط تاريخ الجنوب بالتحولات الكبرى في التاريخ الإسلامي والعربي، وإبراز أثر هذه التحولات في تشكيل الواقع المحلي، وفي الوقت ذاته إبراز إسهام الجنوب في هذه التحولات.

ولا يخلو الكتاب من بعد نقدي داخلي، يتمثل في مراجعة بعض الطروحات السائدة في كتابة تاريخ بلاد تهامة والسراة ، سواء تلك التي كرّستها بعض الدراسات القديمة، أو التي شاعت في كتابات معاصرة افتقرت إلى التمحيص العلمي. ويُمارس المؤلف هذا النقد بهدوء علمي واضح، بعيدًا عن الانفعال أو السجال غير المنتج، معتمدًا على الحجة التاريخية، والمقارنة النصية، والتحليل المنطقي. وهذا الأسلوب يعكس وعيًا عميقًا بوظيفة المؤرخ، التي لا تقوم على الهدم بقدر ما تقوم على التصويب وإعادة البناء.

ومن حيث الإضافات النوعية، يمكن القول إن هذا الجزء يقدّم مساهمة حقيقية في تطوير منهج كتابة تاريخ جنوب شبه الجزيرة العربية ، من خلال الجمع بين الموسوعية والتخصص، وبين السرد والتحليل، وبين المحلي والعام. فهو لا يكتفي بتجميع المادة، بل يعيد تنظيمها وقراءتها في ضوء رؤية علمية متماسكة، وهو ما يجعل الكتاب مرجعًا مهمًا للباحثين والدارسين.

وعلى الرغم من الطابع الموسوعي للعمل، فإن لغة الكتاب تتسم بالوضوح والدقة، وتبتعد في الغالب عن التعقيد غير المبرر، مع الحفاظ على المستوى الأكاديمي المطلوب. ويُلاحظ حرص المؤلف على ضبط المصطلحات، وتحديد المفاهيم، وتجنب التعميمات الفضفاضة، وهو ما يعزز من القيمة العلمية للنص، ويجعله قابلًا للتداول في الأوساط الأكاديمية.

ومن زاوية نقدية علمية، يمكن الإشارة إلى أن طبيعة المشروع وضخامته تفتح المجال دائمًا لمزيد من التوسع، سواء في المقارنات مع دراسات حديثة صادرة بلغات أجنبية، أو في توظيف بعض المناهج الجديدة في الدراسات التاريخية، كالتاريخ الثقافي أو التاريخ الاجتماعي المقارن. غير أن هذه الملاحظات تظل في إطار التطوير الممكن، ولا تنتقص من القيمة العلمية الراسخة للكتاب، بل تؤكد حيويته وقابليته لمزيد من التفاعل العلمي.

إن القيمة الحقيقية للجزء الثاني والثلاثين من «القول المكتوب في تاريخ الجنوب» تتجلى في كونه لا يضيف مادة جديدة فحسب، بل يضيف طريقة جديدة في النظر إلى تاريخ الجنوب، طريقة تقوم على الوعي بالسياق، واحترام النص، ونقد الرواية، وربط المحلي بالعام. وهو بذلك يسهم إسهامًا واضحًا في إعادة الاعتبار لتاريخ الجنوب، وفي ترسيخ حضوره في الخريطة العلمية للتاريخ العربي والإسلامي.

ويمكن القول في خاتمة هذه القراءة التحليلية النقدية إن هذا الجزء يمثّل محطة متقدمة في مشروع علمي كبير، تجاوز منذ زمن مرحلة التأسيس، ودخل مرحلة النضج والعمق. وهو كتاب يؤكد أن كتابة تاريخ الجنوب ( تهامة وسراة ) ليست عملًا عابرًا أو جهدًا فرديًا محدود الأثر، بل مشروعًا علميًا طويل النفس، يقوم على رؤية واضحة، ومنهج رصين، ووعي نقدي متقدم.

ومن هنا، فإن هذا الجزء جدير بأن يُقرأ قراءة متأنية، وأن يُعتمد في الدراسات الأكاديمية، وأن يكون منطلقًا لمزيد من البحوث والدراسات التي تستلهم منهجه، وتبني على نتائجه، وتسهم في تطوير كتابة التاريخ الإقليمي العربي على أسس علمية معاصرة . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *