أولا:- المقدمة: شهد البحث التاريخي في العقود الأخيرة تحولات جوهرية في أدواته ووسائطه، بفعل الثورة الرقمية التي أعادت صياغة العلاقة بين الباحث والمصدر، وبين المعرفة وطرائق إنتاجها وتداولها. ولم يعد التاريخ المعاصر حبيس الكتاب الورقي أو الأرشيف التقليدي، بل أصبح الفضاء الرقمي أحد أهم مجالات حفظ الذاكرة التاريخية، وتيسير الوصول إلى المادة العلمية، وتوسيع دائرة الإفادة منها، بما ينسجم مع متطلبات البحث الأكاديمي الحديث. وفي هذا السياق ظهرت المواقع الأكاديمية الشخصية بوصفها نماذج متقدمة لتوظيف التقنية في خدمة العلوم الإنسانية، متى ما بُنيت على رؤية علمية واضحة، ومنهج بحثي رصين، وتجربة معرفية ممتدة. ويأتي الموقع الإلكتروني الرسمي للأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس بوصفه أحد أبرز هذه النماذج، لما يحمله من ثراء علمي، وتنوع معرفي، واتساع في الأثر البحثي والتعليمي والثقافي.
ولا يقتصر هذا الموقع على التعريف بصاحبه أو عرض سيرته الذاتية، بل يمثل مشروعًا علميًا رقميًا متكاملًا، يضم مؤلفات، وأبحاثًا، ووثائق، ورسائل، ورحلات، ومواد صوتية وبصرية، إضافة إلى مشروع موسوعي ضخم يعالج تاريخ تهامة والسراة والجنوب، ضمن إطار منهجي علمي واضح. وهو بذلك يُعد مستودعًا معرفيًا مفتوحًا، يخدم الباحثين وطلاب العلم داخل المملكة العربية السعودية وخارجها. وتهدف هذه الدراسة المختصرة إلى تقديم قراءة علمية تحليلية نقدية للموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن جريس، من حيث نشأته، وبنيته العلمية، ومنهجه المعرفي، وأثره في التحول الرقمي للبحث التاريخي، مع تقويم نتائجه على المستويات العلمية، والتعليمية، والثقافية، والإعلامية، في السياقين المحلي والعالمي.
ثانيا:- الدكتور غيثان بن علي بن جريس: التكوين العلمي والمسار الأكاديمي والمنهجي: تشكّل الوعي العلمي لدى الدكتور غيثان بن علي بن جريس في بيئة ارتبط فيها المكان بالتاريخ، وتداخلت فيها الجغرافيا بالذاكرة الاجتماعية، وهو ما أسهم مبكرًا في توجيه اهتمامه نحو دراسة تاريخ تهامة والسراة ،أو جنوب شبه الجزيرة العربية بوصفه مجالًا تاريخيًا غنيًا، لم يحظَ في مراحل طويلة بالعناية الأكاديمية الكافية. وجاء هذا التوجه منسجمًا مع مسار أكاديمي منظم، بدأ بالدراسة الجامعية في تخصص التاريخ والحضارة الإسلامية، ثم تعزز بالابتعاث الخارجي والدراسة في جامعات عالمية مرموقة. و ساعده هذا التكوين المتنوع الاطلاع على مدارس تاريخية متعددة، ومناهج بحث حديثة، وأساليب تحليل نقدي متقدمة،مما ساهم في بلورة شخصية علمية تجمع بين الأصالة المنهجية والانفتاح المعرفي، وبين الاهتمام بالمصدر المحلي والوعي بالسياق العالمي للبحث التاريخي.
امتدت التجربة الأكاديمية للدكتور غيثان بن جريس عبر سنوات طويلة من التدريس الجامعي والإشراف العلمي والمشاركة في الأنشطة البحثية والثقافية. وأسهم هذا الامتداد الزمني في تعميق خبرته بالبحث التاريخي، وربط إنتاجه العلمي بالواقع التعليمي، وحاجات الطلبة، ومتطلبات الدراسات العليا.ولم يكن حضوره الأكاديمي محصورًا في قاعات التدريس، بل تعدّاه إلى الإسهام في إثراء الحركة العلمية من خلال التأليف، والمراجعة العلمية، وتقديم الأعمال البحثية، والمشاركة في الندوات والمؤتمرات، وهو ما جعله فاعلًا في المشهد التاريخي والثقافي، لا مجرد باحث منعزل.
ويتسم المنهج التاريخي للدكتور غيثان بن جريس بعدد من الخصائص العلمية الواضحة، ومن أبرزها: المركزية الصارمة للمصدر، مع العناية بالتوثيق والتحقق والمقارنة،والربط بين الجغرافيا والتاريخ، بوصف المكان عنصرًا مفسرًا للحدث التاريخي،والوعي النقدي بالمرويات، وعدم التسليم بالرواية دون فحص وتحليل، والاهتمام بالوثيقة والذاكرة الشفوية، بوصفهما مصدرين مكملين للمدونة التاريخية، والانفتاح المنهجي على أدوات البحث الحديثة، مع الحفاظ على أصول المنهج التاريخي العربي الإسلامي.وانعكست هذه الخصائص المنهجية بوضوح في مؤلفاته الورقية، ثم انتقلت بصورة أكثر شمولًا وتنظيمًا إلى مشروعه الرقمي المتمثل في الموقع الإلكتروني الرسمي الخاص به .
مع تراكم الإنتاج العلمي للدكتور غيثان بن جريس، وتعدد مجالاته، برزت الحاجة إلى إطار جامع يحفظ هذا النتاج، ويُيسّر الإفادة منه، ويمنع تشتته بين مصادر متفرقة. ومن هنا يمكن النظر إلى الموقع الإلكتروني بوصفه تحولًا نوعيًا من الجهد الفردي إلى المشروع المعرفي المؤسسي، الذي يخدم الباحثين وطلاب العلم، ويتجاوز حدود التعريف الشخصي. فالموقع لم يُنشأ ليكون أرشيفًا جامدًا، بل منصة حية، تتيح التفاعل مع المادة العلمية، وتربط بين الماضي والحاضر، وتضع التاريخ في متناول الأجيال الجديدة.ولا تنفصل قيمة الموقع العلمي عن المكانة الأكاديمية لصاحبه؛ فالمصداقية المعرفية تُبنى على رصيد علمي ممتد، وتجربة بحثية موثوقة. وقد أسهمت مكانة الدكتور غيثان بن جريس، بوصفه أستاذًا جامعيًا وباحثًا متخصصًا ومؤلفًا موسوعيًا، في ترسيخ الثقة في محتوى الموقع، وجعله مرجعًا يُعتمد عليه في الدراسات التاريخية. والحقيقة أن الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس لم يكن مشروعًا تقنيًا منفصلًا عن مساره العلمي، بل نتاجًا طبيعيًا لتكوين أكاديمي رصين، ومنهج تاريخي واضح، وتجربة بحثية ممتدة. وهو بذلك يمثل امتدادًا نوعيًا للمشروع العلمي الورقي، وانتقالًا واعيًا إلى الفضاء الرقمي، دون إخلال بالمعايير الأكاديمية.
ثالثا:- نشأة الموقع الإلكتروني وسياق تدشينه وأهدافه العلمية: جاء تأسيس الموقع الإلكتروني الرسمي للأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس في سياق علمي وثقافي شهد تصاعدًا ملحوظًا في الاهتمام بالتحول الرقمي في مجالات البحث العلمي والعلوم الإنسانية، توازيًا وتزامنًا مع التحولات العالمية في أنماط إنتاج المعرفة وتداولها. ولم يكن هذا التأسيس استجابة ظرفية لمتغير تقني طارئ، بل تعبيرًا عن وعي علمي عميق بأهمية توظيف الوسائط الرقمية في حفظ النتاج البحثي، وضمان استمراريته، وتوسيع دائرة الإفادة منه.و توافق هذا التوجه مع تراكم علمي كبير في مؤلفات الدكتور غيثان بن جريس وأبحاثه ودراساته ووثائقه، الأمر الذي أوجد حاجة علمية ملحّة إلى إطار رقمي جامع، يستوعب هذا الإنتاج، ويعيد تنظيمه وفق منطق معرفي واضح، ويُخرجه من حدود التداول الورقي المحدود إلى فضاء معرفي مفتوح.ويمكننا تحديد الدوافع الرئيسية لإنشاء الموقع الإلكتروني في جملة من الأبعاد العلمية والمعرفية،ومن أبرزها:
١- حفظ الإنتاج العلمي من التشتت والضياع، وضمان بقائه متاحًا للأجيال اللاحقة ، والاجتهاد في إتاحة المادة التاريخية التراثية والحضارية للباحثين وطلاب العلم دون عوائق جغرافية أو زمنية.
٢-خدمة البحث في التاريخ والحضارة العربية ومنها جنوب شبه الجزيرة العربية (تهامة والسراة ) ، بوصفه مجالًا تخصصيًا يحتاج إلى خدمات علمية وبحثية جادة ، وكذلك إلى منصات علمية موثوقة.
٣- محاولة تحقيق التكامل بين الورقي والرقمي، دون إخلال بالمنهج الأكاديمي، والسعي إلى تحويل الجهد الفردي إلى مشروع معرفي مؤسسي ذي أثر ممتد. ومازال هناك دوافع أخرى عديدة قد أناقشها بإسهاب في ورقة علمية أخرى.وتوضح هذه الدوافع أن الموقع لم يُنشأ بوصفه أداة تعريفية، بل باعتباره مشروعًا علميًا ذا رؤية استراتيجية واضحة.
حظي تدشين الموقع الإلكتروني برعاية وتغطية صحفية من جريدة الوطن السعودية بمقرها الرئيسي في مدينة أبها يوم الاحد ( ٣ / ٣ / ١٤٤٠هـ الموافق ١١ / ١١ / ٢٠١٨) ، وهو ما يمنح هذا الحدث بعدًا توثيقيًا رسميًا، ويؤكد الاعتراف الإعلامي والمؤسسي بالمشروع منذ لحظة انطلاقه. وقد تناولت الصحيفة تدشين الموقع بوصفه مبادرة علمية رائدة، تُجسّد تحويل جهد بحثي امتد لعقود إلى محتوى رقمي متاح للباحثين والمهتمين.وتكتسب هذه التغطية الإعلامية أهمية خاصة من منظور البحث العلمي، إذ تُعد مصدرًا معاصرًا موثقًا يمكن الاعتماد عليه في دراسة نشأة الموقع وسياقه، كما تعكس حضور المشروع في الفضاء الثقافي العام،لا في الإطار الأكاديمي الضيق فحسب.ويحمل اختيار مدينة أبها مقرًا لتدشين الموقع دلالات رمزية وعلمية متعددة؛ فأبها تمثل مركزًا ثقافيًا وعلميًا مهمًا في جنوب المملكة العربية السعودية، وارتبط اسمها بالحركة التعليمية والبحثية، وبالاهتمام بتاريخ المنطقة وتراثها. كما أن هذا الاختيار يعكس ارتباط المشروع بسياقه المكاني والتاريخي، ويؤكد أن الموقع ينطلق من بيئته المعرفية الطبيعية، لا من فراغ مكاني أو ثقافي.
ونلخص الأهداف العلمية للموقع الإلكتروني في المحاور الآتية:(أ) بناء مستودع علمي رقمي يضم نتاجًا بحثيًا موثقًا.( ب) تسهيل وتيسير البحث الأكاديمي في التاريخ والحضارة وبخاصة ماله صلة بجنوب شبه الجزيرة العربية ، وتحديدا أوطان تهامة والسروات .( ج)،دعم العملية التعليمية في الجامعات والمعاهد والمؤسسات العلمية والثقافية والمعرفية . (د) الإسهام في التحول الرقمي للعلوم الإنسانية ومنها مجالات التاريخ والحضارة في شتى الميادين ، ومنها التراث والموروث المحلي . (هـ) تعزيز التواصل العلمي بين الباحثين داخل المملكة العربية السعودية وخارجها. وقد جرى تصميم بنية الموقع ومحتواه بما يخدم هذه الأهداف بصورة مباشرة، ويجعلها قابلة للتحقق على أرض الواقع.
ومن أهم السمات التي تميّز الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن جريس قيامه على فكرة الوقف العلمي الذي يرجو به صاحبه وجه الله ومرضاته ، حيث تُتاح مواده للقراءة والتحميل دون مقابل. ويعكس هذا التوجه رؤية معرفية أخلاقية، ترى في العلم رسالة عامة، وفي المعرفة موردًا مشتركًا ينبغي إتاحته، لا احتكاره. ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في سياق التحول الرقمي، إذ يعيد تعريف العلاقة بين الباحث والمعرفة، ويؤسس لنموذج مستدام في نشر العلم وخدمة المجتمع.ونشأة الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس جاءت نتيجة تفاعل واعٍ بين تراكم علمي طويل، وحاجة معرفية حقيقية، وسياق ثقافي وتقني داعم. وأُسس الموقع منذ بدايته بوصفه مشروعًا علميًا متكاملًا، لا مبادرة عابرة، وهذا مما أسهم في ترسيخ حضوره وتأثيره في الحقلين الأكاديمي والثقافي.
رابعا:- البنية العلمية والمعرفية للموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس: يقوم الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس على بنية معرفية متماسكة، تُراعي منطق البحث الأكاديمي ومتطلبات العرض الرقمي في آنٍ واحد. فالموقع لا يعتمد الترتيب الزمني أو التراكمي العشوائي، بل يقوم على تصور منهجي واضح يهدف إلى تنظيم المادة العلمية وتصنيفها وفق طبيعتها ووظيفتها البحثية.وتبين الواجهة الرئيسية للموقع عن رؤية علمية واعية، تُبرز الهوية الأكاديمية للمشروع، وتُقدّم المحتوى العلمي بوصفه جوهر الموقع ومحوره الأساس. ويُلاحظ أن التصميم العام خادمٌ للمضمون، لا العكس، وهو ما ينسجم مع طبيعة المواقع البحثية الرصينة التي تُقدّم المعرفة على الاعتبارات الشكلية.واعتمد الموقع في تنظيم محتواه على تصنيف علمي دقيق، يقوم على الفصل الوظيفي بين أنواع المادة المعرفية، مع الحفاظ على ترابطها المنهجي. ويمكن تقسيم هذا المحتوى إلى المحاور الرئيسية الآتية:
١- المؤلفات العلمية: وتشمل الكتب المطبوعة التي ألّفها الدكتور غيثان بن جريس، وقد أُدرجت ضمن أقسام واضحة، مع بيان موضوعاتها وتخصصاتها.
٢- الأبحاث والدراسات: وتضم المقالات العلمية المنشورة في مجلات محكَّمة أو في منابر علمية موثوقة.
٣- المشروع الموسوعي (القول المكتوب في تاريخ الجنوب)، والذي وصلت مجلداته إلى الان (١٤٤٧هـ/ ٢٠٢٦) ( ٣٢) مجلدا ، وهو العمود الفقري للموقع، ويُمثّل خلاصة جهد علمي ممتد لعدة عقود .
٤- الوثائق الخاصة: وتشكل مصدرًا أوليًا بالغ الأهمية لدراسة التاريخ المحلي والمعاصر ، وتقع في حوالي (١٦) مجلدا .
٥- مراجعه وفحص وتقديم بعض المؤلفات والمصادر المعتبرة لباحثين آخرين في تاريخ وحضارة جنوب المملكة العربية السعودية في العصرين الحديث والمعاصر.
٦- – الرسائل والرحلات: بما تحمله من أبعاد علمية وتوثيقية وسردية.وايضا المكتبات المتعددة الوسائط: الصور،و التسجيلات الصوتية، والمواد المرئية.ويشرح هذا التصنيف وعيًا عميقًا بطبيعة المادة التاريخية واحتياجات الباحث الأكاديمي، ويُسهّل الوصول إلى المعلومة دون إخلال بالسياق العلمي.
ويمتاز المحتوى النصي في الموقع بدرجة عالية من الرصانة العلمية، إذ يجمع بين التوثيق الدقيق والتحليل المنهجي. فالنصوص لا تُعرض بوصفها معلومات عامة، بل بوصفها مواد بحثية قائمة بذاتها، تلتزم بأصول الكتابة التاريخية، من حيث الإحالة إلى المصادر، وبيان السياق الزمني والمكاني، وربط الحدث بإطاره الحضاري.كما يُلاحظ التزام الموقع بلغة علمية منضبطة، بعيدة عن التبسيط المُخل أو الأسلوب الصحفي، وهو ما يجعل المادة المنشورة صالحة للاستخدام الأكاديمي المباشر في البحوث الجامعية والدراسات العليا.ويحتل قسم الوثائق الخاصة مكانة محورية في البنية المعرفية للموقع، لما تمثله الوثيقة من قيمة علمية عالية بوصفها مصدرًا أوليًا. وقد ساعد إتاحة هذه الوثائق في الفضاء الرقمي في تحقيق عدد من المكاسب البحثية،ومنها :حفظ الوثائق من التلف والضياع، وتوسيع دائرة الاطلاع عليها، وتمكين الباحث من المقارنة والتحقق، ودعم الدراسات التاريخية المعاصرة بمصادر أصلية.والحقيقة ان هذا القسم إضافة نوعية للموقع، ويُعزّز مكانته بوصفه مستودعًا بحثيًا لا يقتصر على المادة الثانوية.
لم يقتصر الموقع على النصوص المكتوبة، بل وظّف الوسائط المتعددة توظيفًا معرفيًا واعيًا، فجاءت مكتبات الصور والتسجيلات الصوتية والمواد المرئية مكملة للنص، لا بديلة عنه. وقد ساعد هذا التوظيف في توثيق الأنشطة العلمية والثقافية والمعرفية والبحثية، ودعم العملية التعليمية، وتقريب المادة التاريخية والتراثية والحضارية إلى المتلقي المعاصر.ويُعد هذا التوازن بين النص والوسيط أحد مؤشرات النضج في تصميم المشاريع العلمية الرقمية.وعلى الرغم من أن هذه المقالة لا تنطلق من منظور تقني بحت، فإن البنية التقنية للموقع تؤدي دورًا واضحًا في تعزيز وظيفته العلمية. فقد روعي في تصميم الموقع ، وضوح القوائم وسهولة التصفح،واستقرار الروابط واستمراريتها،وقابلية الاستخدام عبر مختلف الأجهزة. وهذه الأمور عناصر أساسية لضمان استدامة المشروع العلمي الرقمي، وتحقيق الإفادة المرجوة منه.ويُظهر تحليل البنية العلمية والمعرفية للموقع الإلكتروني للدكتور غيثان أنه مشروع رقمي متكامل، يقوم على رؤية علمية واضحة، وتصنيف معرفي دقيق، ومحتوى رصين، وبنية تقنية داعمة. وهو ما يجعله أقرب إلى مستودع علمي بحثي منه إلى موقع تعريفي شخصي، ويُفسّر اتساع أثره في الأوساط الأكاديمية والثقافية
خامسا : الموقع الإلكتروني والتحول الرقمي في كتابة تاريخ الجنوب السعودي ( تهامة وسراة) : يمثل الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس نقطة تحول نوعية في مسار كتابة تاريخ الجنوب السعودي ( تهامة وسراة ) ، إذ نقل هذا الحقل المعرفي من الوعاء الورقي التقليدي، ذي التداول المحدود، إلى فضاء رقمي مفتوح يتيح الوصول إلى المادة التاريخية دون قيود مكانية أو زمنية. ولا يقتصر هذا التحول على تغيير الوسيط، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة العلاقة بين الباحث والمصدر، وبين التاريخ وجمهوره. ففي النموذج الورقي، ظل كثير من النتاج التاريخي حبيس المكتبات المتخصصة، أو مقتصرًا على دوائر أكاديمية ضيقة، بينما أسهم الموقع في كسر هذا الحاجز، وإتاحة المعرفة التاريخية للباحثين وطلاب العلم والمهتمين، ضمن إطار علمي واقعي .كما أعاد الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن جريس تعريف دور المؤرخ المعاصر، فلم يعد دوره مقتصرًا على إنتاج النص التاريخي، بل امتد إلى حفظ المادة العلمية رقميًا،وتنظيمها وتصنيفها،وتيسير الوصول إليها،وضمان استمراريتها للأجيال اللاحقة. وبهذا المعنى، انتقل المؤرخ من كونه منتجًا للنص فقط، إلى كونه قيّمًا على المعرفة التاريخية، ومسؤولًا عن إدارتها في بيئة رقمية متغيرة.
يُعد حفظ الذاكرة التاريخية للجنوب السعودي عبر العصور أحد أبرز التحديات التي واجهت الدراسات التاريخية المحلية، نظرًا لتشتت المصادر وقلتها في العصور القديمة والقرون الإسلامية المبكرة والوسيطة ، وتداخل الروايات، وضعف التوثيق في بعض الفترات. وقد أسهم موقع الدكتور غيثان الرقمي في مواجهة هذا التحدي من خلال جمع المادة التاريخية المتناثرة في إطار واحد،وتوثيق الروايات المحلية وربطها بالمصادر المدونة،وربط الحدث التاريخي بسياقه الجغرافي والاجتماعي.وبذلك أصبح الموقع أداة فعالة في حماية الذاكرة التاريخية من النسيان أو التشويه، وفي إعادة تقديمها بصورة علمية منضبطة.ولم يقتصر دور الموقع على نشر المادة التاريخية، بل أصبح في ذاته مصدرًا تاريخيًا رقميًا معاصرًا، يُعتمد عليه في البحوث والدراسات، ويُستشهد به في الأعمال الأكاديمية المختلفة . ويرجع ذلك إلى وضوح منهجه العلمي،وانتظام بنيته المعرفية،ومصداقية محتواه،وارتباطه بمشروع علمي ممتد.ويُعتبر هذا التحول انتقالًا مهمًا في طبيعة المصادر التاريخية، حيث لم تعد المصادر الرقمية مجرد وسائط ثانوية، بل غدت مراجع قائمة بذاتها.
عند مقارنة الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن جريس بتجارب رقمية أخرى في العالم العربي وخارجه، يتضح تميّزه في عدة جوانب،ومنها :التخصص الدقيق في التاريخ والحضارة الإسلامية وبخاصة تاريخ وتراث بلاد تهامة والسراة الواقعة بين اليمن والحجاز ، مقابل الطابع العام في كثير من المواقع الأخرى.وشمولية المحتوى وتنوعه بين نصوص ووثائق ووسائط متعددة.والوضوح المنهجي في التصنيف والعرض.والاستمرارية والتحديث بوصف الموقع مشروعًا حيًا غير متوقف.وتؤكد هذه المقارنة أن الموقع لا يقل من حيث القيمة العلمية عن المستودعات الرقمية الكبرى، بل يتفوق عليها في عمق التخصص وترابط المحتوى.
وقد أسهم الموقع في إعادة إنتاج المعرفة التاريخية حول الجنوب السعودي في بيئة رقمية حديثة، تحافظ على أصول المنهج التاريخي، وتستفيد في الوقت نفسه من إمكانات التقنية. وتمثلت هذه الإسهامات في توسيع دائرة التلقي،وتعزيز التفاعل مع المادة التاريخية والتراثية والحضارية،ودعم الدراسات البينية بين التاريخ والجغرافيا والثقافة وعلم الاجتماع .وبهذه الصورة أصبح الموقع نموذجًا لكيفية التوفيق بين أصالة المنهج وحداثة الوسيط.والواقع أن موقع الدكتور غيثان لم يكن مجرد منصة نشر، بل مشروعًا معرفيًا أسهم بفاعلية في التحول الرقمي لكتابة تاريخ بلاد تهامة والسراة وغيرها من الموضوعات ، وفي حفظ ذاكرتها، وإعادة تقديمها ضمن إطار علمي معاصر. وهو ما يجعل الموقع تجربة رائدة في مجال التاريخ الرقمي العربي الإسلامي .
سادسا :- الأثر العلمي والتعليمي والبحثي للموقع الإلكتروني داخل المملكة العربية السعودية وخارجها: لقد أسهم الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس إسهامًا مباشرًا في تطوير البحث الأكاديمي المتخصص في مجالات التاريخ والحضارة والجغرافيا التاريخية، ولا سيما ما يتصل بتاريخ تهامة والسراة وبلدان عديدة في جنوب شبه الجزيرة العربية . فقد أتاح الموقع مادة علمية موثوقة، مصنفة، ومنظمة، يمكن للباحث الرجوع إليها بوصفها مصدرًا أساسيًا أو مرجعيًا، دون الحاجة إلى التنقل بين مصادر متفرقة أو الاعتماد على مراجع ثانوية محدودة.و تجلّى هذا الأثر في اعتماد الموقع من قِبل الباحثين في إعداد البحوث العلمية المحكمة،وإنجاز رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه وغيرها ،وبناء الدراسات المقارنة المتعلقة بتاريخ جنوب الجزيرة العربية.وربما ىُعد هذا الاستخدام الأكاديمي الواسع مؤشرًا واضحًا على موثوقية الموقع وقيمته العلمية.كما أدّى الموقع دورًا مهمًا في دعم العملية التعليمية في الجامعات السعودية والعربية، من خلال توفير محتوى علمي رصين يمكن توظيفه في المقررات والبحوث الجامعية، وفي تدريب الطلبة على مهارات البحث التاريخي، مثلالتعامل مع المصادر الأصلية، وتحليل الوثائق التاريخية،والربط بين النص والحدث والسياق.وقد وجد طلبة الدراسات العليا في الموقع بيئة علمية متكاملة، تجمع بين المادة التحليلية والمصادر الأولية، الأمر الذي أسهم في رفع مستوى التكوين العلمي، وتعزيز النزعة النقدية والمنهجية لدى الدارسين.
ومن خلال الاطلاع على احصائيات الموقع نجد أثره الايجابي امتد إلى الباحثين في العالمين العربي والإسلامي، حيث شكّل مرجعًا رقميًا مهمًا لدراسة تاريخ الجزيرة العربية، وخصوصًا بلاد السروات وتهامة التي لم تحظَ بحضور واسع في كثير من المناهج العربية التقليدية. وأسهمت إتاحة المحتوى عبر شبكة الإنترنت في كسر الحواجز الجغرافية،وتوحيد مصادر البحث،وتعزيز التواصل العلمي بين الباحثين العرب. وبذلك أدّى الموقع دورًا تكامليًا في إثراء الدراسات العربية، وربطها بمصادر محلية موثوقة.وكذلك لم يقتصر أثر الموقع على الدائرة العربية، بل امتد إلى الباحثين الأجانب المهتمين بتاريخ الجزيرة العربية، سواء في إطار الدراسات الاستشراقية الحديثة، أو البحوث المقارنة في التاريخ الإقليمي. فقد أتاح الموقع نافذة معرفية مهمة على تاريخ الجنوب السعودي( تهامة وسراة) ، بوصفه جزءًا فاعلًا من تاريخ شبه الجزيرة العربية، لا هامشًا تابعًا له.كما ساعد الموقع في تصحيح بعض التصورات النمطية،وتوفير مادة أولية للباحثين الأجانب،ودعم الدراسات متعددة التخصصات.
ولاحظت فعلا ان الموقع ساهم في بناء مجتمع معرفي رقمي يتقاطع فيه الباحثون وطلاب العلم والمهتمون بالتاريخ، عبر تداول المادة العلمية، والإحالة إلى الموقع في الدراسات والأبحاث، وتوظيف محتواه في النقاشات العلمية والثقافية. وقد تجاوز هذا الدور حدود النشر، ليصبح الموقع منصة تفاعلية غير مباشرة، تعزز ثقافة البحث والتوثيق، وترسّخ قيمة المعرفة التاريخية في الوعي العام.كما شاهدت وتابعت وعرفت أن الموقع يؤدي دورًا بالغ الأهمية في حفظ التراث العلمي الوطني، بوصفه مستودعًا رقميًا يجمع إنتاج أحد أبرز المؤرخين المتخصصين في تاريخ الجنوب السعودي . ويضمن هذا الجمع المنهجي استمرارية الوصول إلى النتاج العلمي،وحمايته من التشتت أو الضياع،وإتاحته للأجيال اللاحقة بوصفه جزءًا من الذاكرة العلمية الوطنية.ويتضح لي وغيري من القراء والباحثين أن الموقع ساعد مساعدة فاعلة في دعم البحث الأكاديمي والتعليم الجامعي، داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وفي بناء مجتمع معرفي رقمي، وحفظ التراث العلمي الوطني. وهو أثر يتجاوز الكم إلى النوع، ويؤكد نجاح المشروع في تحقيق أهدافه العلمية.
سابعا:- البعد الثقافي والحضاري والإعلامي للموقع الإلكتروني: يتجاوز الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس كونه منصة بحثية متخصصة، ليؤدي دورًا ثقافيًا معرفيًا واسعًا، يسهم في نشر الوعي التاريخي، وتعميق الصلة بين المجتمع وتراثه الحضاري. فالموقع لا يقدّم التاريخ بوصفه سردًا للماضي فحسب، بل يقدّمه إطارًا لفهم الحاضر وبناء الوعي بالهوية والانتماء.وتجلّى هذا البعد الثقافي في طبيعة الموضوعات المطروحة، التي تربط التاريخ بالسياق الاجتماعي، والاقتصادي ، والإداري والسياسي ، والثقافي، والجغرافي، والسياحي وغيرها ، وتقدّم صورة متكاملة عن تاريخ الجنوب السعودي ( تهامة وسراة) بوصفه جزءًا أصيلًا من التاريخ الوطني والحضاري للمملكة العربية السعودية.وساهم الموقع أيضا في تعزيز الوعي بالهوية التاريخية لجنوب شبه الجزيرة العربية الممتدة من جنوب مكة المكرمة والطائف إلى قعر اليمن من خلال توثيق الأحداث والشخصيات والمواقع،وإبراز الخصوصية الحضارية للمنطقة( سروات وتهامة) ، وتصحيح بعض الصور النمطية أو الاختزالية.وقد أسهم هذا الدور إلى إعادة الاعتبار لتاريخ الجنوب السعودي في الذاكرة الوطنية، وربطه بالسياق العام لتاريخ المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية، دون عزله أو تهميشه.
شكّل الموقع جسرًا معرفيًا بين البحث الأكاديمي والمجتمع الثقافي العام، إذ أتاح محتوى علميًا رصينًا بلغة واضحة، مكّنت غير المتخصصين من الإفادة منه، دون إخلال بالمعايير العلمية. وأسهم هذا التوازن في توسيع قاعدة المتلقين،وتعزيز ثقافة القراءة التاريخية،ورفع مستوى النقاش الثقافي حول قضايا التاريخ والحضارة والتراث.كما حظي الموقع بتغطية إعلامية عند تدشينه، لا سيما من جريدة الوطن السعودية وغيرها من الصحف المحلية ، وهو ما يعكس الاعتراف الإعلامي بالمشروع بوصفه مبادرة علمية وثقافية رائدة. وقد ساعد هذا الحضور الإعلامي في التعريف بالموقع لدى جمهور أوسع،وتعزيز الثقة في محتواه،وترسيخ صورته بوصفه مشروعًا وطنيًا يخدم المعرفة والتاريخ. وتكتسب هذه التغطية أهمية خاصة من منظور البحث العلمي، إذ تُعد وثيقة معاصرة تؤرخ لبداية المشروع، وتربطه بسياقه الثقافي والإعلامي . ونستطيع النظر إلى الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن جريس بوصفه أداة فاعلة في بناء الذاكرة الوطنية الرقمية، إذ يجمع بين التوثيق العلمي،والحفظ الرقمي،والإتاحة المفتوحة.وهو ما يجعل الموقع نموذجًا متقدمًا لكيفية توظيف التقنية في خدمة الذاكرة التاريخية، وحمايتها من النسيان أو التشتت. وأقول وأوكد على أن الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس أدّى أدوارًا ثقافية وحضارية وإعلامية مهمة، إلى جانب دوره البحثي والأكاديمي. وايضاً شارك في نشر الوعي التاريخي، وتعزيز الهوية، وربط البحث العلمي بالمجتمع، وهذا الذي يمنحه قيمة معرفية تتجاوز الإطار الأكاديمي الضيق.
ثامنا:- خلاصة القول: خلصت في هذه الدراسة إلى أن الموقع الإلكتروني للدكتور غيثان بن علي بن جريس يمثل نموذجًا متقدمًا للتحول الرقمي في البحث التاريخي العربي، يجمع بين الرصانة العلمية، والوعي المنهجي، والبعد الثقافي، والأثر التعليمي والبحثي الواسع. فقد أسهم في حفظ الذاكرة التاريخية للجنوب السعودي منذ عصور ماقبل الإسلام إلى وقتنا الحاضر ، وإتاحة مادة علمية موثوقة للباحثين، ودعم التعليم الجامعي، وتعزيز حضور التاريخ في الفضاء الرقمي داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.كما أظهرت هذه المدونة أن نجاح هذا المشروع يعود إلى كونه امتدادًا طبيعيًا لمسار علمي طويل، وليس مبادرة تقنية معزولة، وهو ما أكسبه المصداقية والاستمرارية، وجعله مرجعًا رقميًا يُعتمد عليه في الدراسات التاريخية الحديثة والمعاصرة. والحقيقة ان هذا الموقع الاليكتروني يُعد مستودعًا علميًا رقميًا متكاملًا، ساعد في دعم البحث الأكاديمي والتعليم الجامعي داخل المملكة وخارجها،وأدّى دورًا مهمًا في حفظ الذاكرة التاريخية لجنوب المملكة العربية السعودية ( تهامة وسراة) وعزّز التحول الرقمي في الدراسات التاريخية العربية والإسلامية ،وأسهم في نشر الوعي الثقافي والتاريخي وبناء الذاكرة الوطنية الرقمية.وفي نهاية هذا البحث التوثيقي المحدود أرصد بعض التوصيات، وهي على النحو الآتي :
١- حبذا ان نرى تشجيع الباحثين والمؤسسات العلمية على إنشاء مواقع أكاديمية رقمية مماثلة لموقع الدكتور غيثان بن جريس أو أفضل. والاجتهاد في دعم مشاريع التحول الرقمي في العلوم الإنسانية عموما .
٢– يفضل إدماج المستودعات الرقمية في المناهج الجامعية ، وإذا تم ذلك فسوف تتسع ثقافة المواقع والمستودعات العلمية الرقمية .
٣- توثيق التجارب الرقمية الرائدة ودراستها بوصفها ظاهرة بحثية معاصرة.وكذلك العمل على تطوير شراكات بين المواقع الأكاديمية والمؤسسات الثقافية.
تاسعا :- بعض المصادر والمراجع :
١- بن جريس، غيثان بن علي.الموقع الإلكتروني الرسمي للأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس
٢- الحمدان، فهد بن عبد الرحمن.التاريخ الرقمي: المفهوم والمنهج والتطبيق. الرياض: مركز البحوث التاريخية، 2020.
٣- صحيفة الوطن السعودية.«غيثان بن جريس يحول جهد ( 40) عامًا من البحوث التاريخية إلى محتوى رقمي».جريدة الوطن، الاثنين 12 نوفمبر 2018م، الموافق 4 ربيع الأول 1440هـ. .
٤- السالمي، عبد الله بن محمد. التحول الرقمي في العلوم الإنسانية.الرياض: دار النشر العلمي، 2018.
5-Cohen, Daniel J., and Roy Rosenzweig.Digital History: A Guide to Gathering, Preserving, and Presenting the Past on the Web.Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2006.
6-Darnton, Robert.The Case for Books: Past, Present, and Future.New York: PublicAffairs, 2009.











التعليقات