دخل صاحبنا “أبو زكي” مجلسا عامرا بأهله، لكنه لم يدخله ضيفا؛ بل دخل وكأنه لجنة تفتيش! وقبل أن يستقر في مكانه، كانت عيناه قد أنجزتا التقرير الأولي: المجلس صغير، والفرش قديم، وموقع المكيف غير جيد، والقهوة تأخرت دقيقتين، والمضيف كان ينبغي أن يستقبل الضيوف عند الباب الخارجي وليس الداخلي! أما العشاء، فله بشأنه تقرير مستقل سيصدر لاحقا.
جلس أخيرا، ولكن جواله لم يجلس؛ ظل مرفوعا يؤدي مهامه الوطنية في الرصد والتوثيق! تحدث أحد الحاضرين بقصة طريفة، فضغط صاحبنا زر التسجيل خفية؛ فربما احتاج إلى بثها يوما! وضحك آخر بعفوية، فالتقط له صورة في اللحظة التي لا يتمنى إنسان أن يُصوَّر فيها، ثم أرسلها إلى مجموعة الأصدقاء!، وربما وضع لها عنوان “ليتكم معنا”.
دار حديث خاص في المجلس، فقال أحدهم رأيا للقريبين منه، ولم يقله على منبر، ولم يكتبه في صحيفة، ولم ينشره في حسابه؛ بل قاله لجلسائه الذين حوله، وهو يظن أن المجلس لا يزال مجلسا خاصا، ولا يعلم أنه يجلس بجوار قناة فضائية أو وكالة أنباء!
وما إن عاد صاحبنا إلى منزله حتى بدأ بث ماتبقى من “حصاد المجلس”: فلان قال… وفلان رد… وفلان يبدو أنه يقصد فلانًا… والمضيف فعل… والضيف لم يفعل…، ومع قليل من التحليل وكثير من الظنون، أصبح اللقاء الاجتماعي الذي بدأ بالترحيب وبالقهوة وانتهى بالعشاء قضية رأي عام بسبب تقرير صاحبنا “أبو زكي”، وعدم حفظ أمانة المجلس!
ولم تنته خدمات صاحبنا التقنية عند هذا الحد؛ فقد اتصل به صديق له في اليوم التالي، فوضع الهاتف على مكبر الصوت، وحوله عدد من الجالسين، ثم قال للمتصل بكل براءة: “تكلم… أنا أسمعك!”، وهو يغمز ويلمز لمن حوله بأنه سوف يجره في الكلام حتى يقع في الخطأ، وكان صادقا؛ أنه هو يسمعه!!! ولكنه لم يخبره أنه أيضا يسمعه آخرون!.
وهنا نسأل: هل أصبح الإنسان محتاجًا في هذا الزمن إلى أن يسأل قبل أن يتحدث: هل هناك من يسجل؟ وهل أنا على مكبر الصوت؟ وهل ستصبح صورتي بعد قليل في أحد المجموعات أو المنصات الاجتماعية؟ وهل سأجد حديثي غدًا منقولا ومحللا ومعلقا عليه؟
أقول لك ياسيد “أبو زكي” ولمن هم على شاكلتك من مراسلي المجالس: لقد اختصر الحسن البصري كل هذه القصة قبل زمن الهواتف والكاميرات بقوله: “إنما تجالسوننا بالأمانة”.
فالمجلس أمانة، والكلمة أمانة، والصورة أمانة، والخصوصية أمانة، وليس كل ما تستطيع أن تسجله يحق لك تسجيله، ولا كل ما تستطيع تصويره يحق لك نشره، ولا كل ما تسمعه يجوز لك نقله.
وما أجمل أن ندخل مجالس الناس عميا فلا نرى إلا الجميل، ونخرج منها خرسا فلا نذكر إلا الحسن. فليست الخيانة دائما في سرقة الذهب أو الفضة؛ فقد يخرج الرجل من مجلسك ولم يأخذ منه ريالا واحدا، لكنه أخذ حديثك، وصورتك، وخصوصيتك، وثقتك… وتلك سرقة لا تُرى في الجيوب، ولكن أثرها كبير في فساد العلاقات وتغير القلوب.



التعليقات