في النماص، حيث الضباب يلامس قمم الجبال، وحيث للبيوت القديمة أبوابٌ تحفظ الحكايات، وللتراث ملامح لا تشبه سواها… وُلد إبداعٌ اختار أن يجعل من الفن لغةً، ومن الخشب ذاكرة، ومن ملامح المرأة الجنوبية حكايةً تُرى قبل أن تُروى.
إنها الفنانة والرسامة عروب، ابنة النماص، التي قررت أن تترك بصمتها بطريقتها الخاصة؛ بأنامل ذهبية لا تكتفي بالرسم، بل تنحت الجمال وتعيد للجماد روحًا وحكاية.
لم تكن عروب تنظر إلى قطعة الخشب باعتبارها مجرد سطحٍ للرسم، بل كانت ترى فيها مساحةً تنتظر أن تُولد عليها ملامح من الجنوب. أمسكت أدواتها، وبدأت ترسم الوجوه، وتلتقط التفاصيل، وتمنح المرأة الجنوبية حضورها الذي يليق بها؛ بملامحها، وهيبتها، وخصوصيتها التي تحمل بين خطوطها تاريخًا طويلًا من الأصالة.
لكن حكاية عروب لم تتوقف عند الرسم…
فمن الرسم إلى النحت، فتحت لنفسها بابًا آخر من أبواب الإبداع.
منحوتات تحمل تفاصيل دقيقة، وأعمال تنطق بالجمال، وكأن يديها لا تعملان على الخشب أو المادة، بل تعملان على استخراج روحٍ كانت مختبئة في داخلها.
من الكفاح إلى الوقوف في المكان الذي تستحقه
وراء كل عمل فني جميل قصة لا يراها المتلقي
وخلف كل ابتسامة فنانة تقف سنوات من المحاولة، والصبر، والكفاح، وربما لحظات شك وتساؤل: هل سيصل هذا الحلم يومًا؟
عروب لم تنتظر الطريق أن يكون سهلًا، ولم تجعل صعوبته سببًا للتراجع. كافحت وثابرت، وطوّرت أدواتها، وتمسكت بشغفها حتى بدأت ملامح الحلم تتشكل أمامها.
واليوم، تقف أعمالها شاهدةً على أن الموهبة وحدها قد تفتح الباب، لكن الإصرار هو الذي يجعل الإنسان يعبره ويستمر.
قصور العسابلة.. حين بدأت الحياة تبتسم للإبداع
وفي قصور العسابلة، وجدت عروب مساحةً تليق بهذا الحلم؛ مكانًا تلتقي فيه أصالة المكان مع حداثة الفكرة، وتصبح فيه أعمالها جزءًا من المشهد الثقافي والفني.
هناك، يبدو الأمر وكأن الحياة بدأت تبتسم أخيرًا لهذا الإبداع الذي ظل يكبر بصمت.
فالزائر لا يرى مجرد لوحات ومنحوتات؛ بل يلتقي بقطعة من الجنوب، وبملامح امرأة جنوبية، وبذاكرة المكان وقد أعيد تقديمها بأسلوب فني يحمل توقيع عروب.
عروب.. لا ترسم المرأة الجنوبية، بل تحفظ حكايتها
ما يميز تجربة عروب أنها لا تتعامل مع الفن باعتباره زينةً عابرة.
هي ترسم الهوية.
تنحت الذاكرة.
وتضع على الخشب ملامح امرأة ربما عرفتها البيوت الجنوبية قديمًا، لكنها اليوم تعود من جديد، لا في صورة فوتوغرافية، وإنما في عمل فني خالد.
وهنا تكمن قيمة التجربة؛ فالفنان الحقيقي لا يصنع شيئًا جميلًا فحسب، بل يجعلنا نشعر بشيءٍ ونحن ننظر إليه.
وعندما تقف أمام أعمال عروب، قد لا تسأل نفسك فقط: ما أجمل هذه اللوحة؟
بل ربما تسأل: من هذه المرأة؟ وما الحكاية التي تحملها عيناها؟
وهنا تحديدًا يبدأ الفن الحقيقي.
عروب ابنة النماص… فنانة اختارت أن تنحت طريقها كما تنحت أعمالها؛ بصبر، ودقة، وإصرار.
وما بدأ يومًا كموهبة بين يدي فنانة شغوفة، يبدو اليوم مشروعًا إبداعيًا يستحق أن يُرى ويُحتفى به.
فحين تتعانق موهبة الإنسان مع أصالة المكان، تولد حكاية لا تشبه غيرها…
وحكاية عروب لم تصل إلى نهايتها بعد؛
فربما كانت أجمل لوحاتها ومنحوتاتها… هي تلك التي لم ترسمها أو تنحتها حتى الآن




















التعليقات