السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ الموافق ٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

اتفاقية مكة الدفاعية الاستراتيجية – بقلم العميد صالح حمدان الشهري

اتفاقية مكة الدفاعية الاستراتيجية – بقلم العميد صالح حمدان الشهري

في لحظة إقليمية تتزايد فيها التحديات، وتتسع فيها الحاجة إلى التعاون جاءت اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان لتفتح صفحة جديدة في العلاقات الاستراتيجية عنوانها التعاون، ومضمونها حماية الأمن، والسيادة والاستقرار.

هذا الاتفاق لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد ترتيب عسكري بين ثلاث دول، فالمشهد أوسع من ذلك، فالسعودية وتركيا وباكستان تمتلك كل واحدة منها ثقلا سياسيا واقتصاديا وعسكريا يجعل اجتماعها في إطار دفاعي مشترك ذا دلالة كبيرة على مستوى المنطقة.

والرسالة الأساسية التي يحملها الاتفاق واضحة: أن أمن الدول لا يُترك للظروف، وأن حماية الاستقرار تحتاج إلى تعاون حقيقي وقدرة مشتركة على مواجهة المخاطر.

وتأتي المملكة العربية السعودية في قلب هذا التحرك بما تمثله من مكانة سياسية واقتصادية ودينية، وبما تشهده من تحول تنموي واسع في إطار رؤية 2030، فالمشروعات الكبرى والاستثمارات والسياحة والاقتصاد الجديد كلها تحتاج إلى بيئة مستقرة، والأمن يمثل القاعدة التي تُبنى عليها كل هذه الطموحات.

أما تركيا بما لديها من قدرات عسكرية وصناعات دفاعية وخبرة استراتيجية، وباكستان بما تمتلكه من خبرات وقدرات عسكرية فإن اجتماعهما مع المملكة يمنح هذا التعاون أبعادا متعددة، ويؤسس لمساحة أوسع من التنسيق في مواجهة التحديات المشتركة.

والأهم أن الاتفاق لا يعني أن الدول الثلاث تبحث عن الصدام، بل على العكس، فالدول القوية لا تحتاج إلى الحرب لإثبات قوتها، وإنما تحتاج إلى امتلاك القدرة التي تجعل السلام أكثر صلابة.

وفي العلاقات الدولية لا تكفي النوايا الحسنة وحدها لحماية المصالح، فالثقة تحتاج إلى التزام، والالتزام يحتاج إلى قدرة، والقدرة حين تتكامل مع الحكمة السياسية تتحول إلى قوة ردع تمنع المغامرة قبل وقوعها.

ومن هنا يمكن فهم أهمية هذا الاتفاق، فهو يمنح التعاون بين الدول الثلاث إطارا أكثر وضوحا، ويؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكات تتعامل مع الأمن باعتباره مسؤولية مشتركة، لا شأنت منفردا.

كما أن هذه الشراكة تحمل رسالة أخرى، وهي أن العالم الإسلامي قادر على بناء علاقات استراتيجية بين دوله تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام والسيادة، بعيدا عن منطق التبعية أو الارتهان لمعادلات الآخرين.

إن السعودية وتركيا وباكستان لا يجمعها اتفاق دفاعي فحسب، بل تجمعها مصالح واسعة يمكن أن تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والتقنية والصناعات الدفاعية والتبادل التجاري، وهو ما يجعل الاتفاق بوابة محتملة لتعاون أكبر في المستقبل.

وفي ظل المتغيرات المتسارعة يصبح بناء الشراكات المتوازنة خيارا استراتيجيا للدول التي تريد حماية مكتسباتها وصناعة مستقبلها، والمملكة وهي تمضي في تنفيذ رؤيتها الطموحة تعرف أن قوة الاقتصاد تحتاج إلى أمن، وأن أمن المستقبل يحتاج إلى شراكات قوية وموثوقة.

إن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يمكن أن تكون بداية لمرحلة مختلفة، مرحلة تتحول فيها العلاقات من مجرد التعاون الثنائي إلى شراكة استراتيجية أوسع تقوم على المصالح المشتركة والقدرة على حماية الأمن والاستقرار.

وإذا كان العالم يمر بمرحلة تتغير فيها موازين القوة والتحالفات، فإن الحكمة تقتضي أن تكون للدول رؤيتها المستقلة، وأن تختار شركاءها على أساس المصالح والاحترام المتبادل.

وهنا تبرز قيمة اتفاق مكة، فهو لا يرفع راية المواجهة، وإنما يرفع راية الاستعداد، والتنسيق، وحماية السيادة.

فالسعودية وتركيا وباكستان عندما تضع قدراتها إلى جانب بعضها فإنها لا تقول للعالم إنها تبحث عن خصومة، وإنما تقول إن أمنها مسؤولية، وإن استقرارها أولوية، وإن المستقبل لا يُبنى بالخوف، بل بالثقة والقدرة والعمل المشترك. 

وفي النهاية، فإن أقوى تحالف هو الذي يجعل السلام ممكنا، ويجعل الاعتداء مكلفا، ويمنح شعوب المنطقة فرصة أكبر للعيش والتنمية وصناعة المستقبل.

إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ليست مجرد اتفاقية عسكرية، وإنما هي عنوان لمرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي تؤكد أن الأمن لا يُصان بالتمنيات، وأن السلام الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه، وإلى شراكات تقوم على الثقة والالتزام.

فاجتماع هذه الدول الثلاث بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري يبعث برسالة واضحة بأن التعاون هو الطريق إلى الاستقرار، وأن قوة الشراكة قادرة على ردع من يفكر في المساس بأمن أي دولة من دولها.

والمملكة العربية السعودية وهي تقود مشروعا تنمويا طموحا في ظل رؤية 2030 تدرك أن التنمية والاستثمار والازدهار لا يمكن أن تنمو إلا في بيئة آمنة ومستقرة، ولذلك فإن بناء الشراكات الدفاعية يأتي مكملا لبناء الاقتصاد وصناعة المستقبل.

إن اتفاق مكة لا يعني البحث عن الحرب، بل يعني الاستعداد لمنعها، ولا يحمل رسالة تهديد بقدر ما يحمل رسالة ردع وسلام: أن من يملك القوة يستطيع أن يحمي السلام، ومن يملك الحلفاء يستطيع أن يواجه التحديات بثقة وثبات.

وتبقى الحكمة الأبلغ أن اتحاد المواقف يصنع القوة، واتحاد القوة يصنع الردع، والردع يحمي السلام.

وهكذا جاءت اتفاقية مكة لتقول: إن السعودية وتركيا وباكستان اختارت أن تجمع قوتها من أجل أمنها واستقرارها، وأن تجعل من الشراكة حصنا يحمي السيادة، ومن التعاون جسرا للمستقبل.

قبل الختام : اللهم احفظ بلد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبا وبرا وبحرا وفضاء من كل سوء ومكروه .

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *