ثانيًا: – وقفة مع سوق الثلاثاء الأسبوعي بمدينة أبها من خلال المصادر المكتوبة : تُعد مدينة أبها من أبرز الحواضر التاريخية في جنوب الجزيرة العربية، وقد اكتسبت مكانتها بما حباها الله من موقع جغرافي متميز، واعتدال في المناخ، ووفرة في المياه، وخصوبة في الأراضي الزراعية، الأمر الذي جعلها مركزًا مهمًا للاستقرار البشري منذ عصور مبكرة. وقد ازدادت أهميتها خلال العصر الحديث عندما أصبحت عاصمة لمعظم بلاد السراة وتهامة، فغدت مركزًا سياسيًا وإداريًا وعسكريًا واقتصاديًا، واستمرت تؤدي هذا الدور حتى الوقت الحاضر.
ولهذه المكانة، حظيت أبها بعناية عدد كبير من المؤرخين والجغرافيين والرحالة والأدباء العرب والمسلمين والأجانب، فتناولوها في كتب التاريخ والبلدان، وكتب الرحلات، والدراسات الجغرافية، والمذكرات الشخصية، وغيرها من المؤلفات التي حفظت كثيرًا من أخبارها ومعالمها وأسواقها. كما أفرد لها عدد من الباحثين المعاصرين دراسات مستقلة تناولت تاريخها وتطورها الحضاري، وأسهمت في إبراز مكانتها بين مدن جنوب الجزيرة العربية.
ومن أبرز معالم أبها التاريخية سوق الثلاثاء الأسبوعي، الذي ظل قرونًا طويلة أحد أهم المراكز التجارية والاجتماعية في المنطقة. ولم تقتصر أهميته على كونه مكانًا لتبادل السلع، بل كان ملتقى لسكان المدينة والقرى المجاورة، ونافذة للتواصل بين السراة وتهامة، وميدانًا يلتقي فيه التجار، والمزارعون، والرعاة، وأصحاب الحرف، والمسافرون، مما أكسبه مكانة خاصة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وقد اجتهدت في تتبع البدايات التاريخية لهذا السوق من خلال المصادر المكتوبة والوثائق المحلية، فوجدت بعض الإشارات التي تذكره باسم سوق ابن مدحان، فيما يبدو خلال القرن العاشر الهجري تقريبًا. ولا أستبعد أن تكشف الدراسات المستقبلية عن نصوص أقدم من ذلك، إلا أن المادة العلمية المتوافرة حتى الآن لا تمكن من تحديد تاريخ نشأته على وجه القطع.
كما أن المصادر التي وقفت عليها لا تطلق عليه في تلك المرحلة اسم سوق الثلاثاء، وإنما يرد باسم سوق ابن مدحان، ويبدو أن هذه التسمية ارتبطت بإحدى الأسر القديمة التي استوطنت مدينة أبها، ولا يزال لها امتداد معروف حتى اليوم. أما تسميته بسوق الثلاثاء، فلا يظهر في المصادر المبكرة التي اطلعت عليها، ولذلك يصعب إثبات زمن ظهور هذا الاسم أو نفيه في غياب نص تاريخي صريح، مع العلم أن غالبية الأسواق الأسبوعية في الجزيرة العربية كانت تُعرف بأيام انعقادها، مثل سوق السبت، وسوق الأحد، وسوق الاثنين، وسوق الأربعاء، وغيرها.
وتبدأ الوثائق التاريخية، والمصادر المخطوطة والمطبوعة، في ذكر هذا السوق بصورة أوضح خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين (التاسع عشر والعشرين الميلاديين)، فتسميه بعض الوثائق سوق أبها، بينما تذكره وثائق أخرى صراحة باسم سوق الثلاثاء، وهو ما يدل على شيوع هذه التسمية في تلك المرحلة.
وقد وقفت خلال العقود الماضية على مئات الوثائق التاريخية المتعلقة بمدينة أبها، وكان من بينها عدد غير قليل من الوثائق التي تضمنت إشارات مباشرة أو غير مباشرة إلى سوقها الأسبوعي، كما أفدت من كتب الرحالة والمؤرخين الذين زاروا أبها أو كتبوا عنها خلال المدة الممتدة من منتصف القرن الثالث عشر الهجري إلى أوائل القرن الخامس عشر الهجري، وهي مرحلة تمثل أهم الفترات التي توفرت عنها معلومات مكتوبة عن السوق.
ومن أبرز من أشار إلى السوق أو إلى مدينة أبها وما يتصل بحياتها الاقتصادية والاجتماعية: موريس تامزييه، والسير كيناهان كورنواليس، وروبن بيدول، والشريف البركاتي، وهاري سانت جون فيلبي، وفؤاد حمزة، ومحمد عمر رفيق، وطلعت وفا، وفيليب ليبنز، وتويتشل، وويلفرد ثيسيجر، ويحيى الألمعي، ومحمد أحمد أنور، ويحيى بن حسن المستور، وغيرهم من المؤلفين والرحالة والباحثين. وقد تفاوتت معلوماتهم بين الإيجاز والإسهاب، إلا أنها، عند جمعها ومقارنتها، تقدم صورة مهمة عن مكانة السوق ووظائفه خلال المدة الممتدة من ١٢٥٠هـ إلى ١٤٢٠هـ (١٨٣٤م–١٩٩٩م).
وقد نقلت عددًا من هذه النصوص، وناقشتها، في كتاب «أبها حاضرة عسير» (الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ/١٩٩٧م)، كما أوردت جانبًا منها في أجزاء مختلفة من موسوعة القول المكتوب في تاريخ الجنوب، إلى جانب عدد من الدراسات الأخرى التي تناولت تاريخ منطقة عسير. وقد حاولت من خلال تلك الأعمال جمع الروايات المتفرقة، وربطها بالوثائق التاريخية، ومقارنتها بالروايات الشفهية، للخروج بصورة أقرب إلى الواقع التاريخي.
ومن خلال ما توفر من مصادر ووثائق يمكن القول إن تاريخ سوق الثلاثاء لا ينبغي أن يُربط بأول نص وصل إلينا، ولا بأول وثيقة ذكرته، لأن وجود السوق يسبق – في الغالب – تاريخ تدوينه بمدة قد تطول أو تقصر. وهذه قضية منهجية ينبغي مراعاتها عند دراسة تاريخ الأسواق المحلية؛ فغياب النص لا يعني بالضرورة غياب الحدث، كما أن أقدم إشارة مكتوبة لا تمثل دائمًا بداية الظاهرة التاريخية. ولهذا فإن تحديد تاريخ نشأة سوق الثلاثاء يظل موضوعًا مفتوحًا للبحث، حتى تظهر وثائق أو نصوص أقدم تحسم هذه المسألة.
ولا أدعي أنني استوعبت جميع ما يتعلق بتاريخ هذا السوق، أو أنني قدمت الكلمة الأخيرة في تاريخه، وإنما سعيت إلى جمع مادته العلمية من مصادرها المختلفة، وتحليلها في ضوء الوثائق والروايات المتاحة، أملاً في أن تكون هذه الدراسة أساسًا لبحوث أكثر شمولًا وعمقًا، وأن تسهم في لفت أنظار الباحثين، ولا سيما طلبة الدراسات العليا، إلى أهمية دراسة الأسواق الأسبوعية في منطقة عسير، بوصفها جزءًا مهمًا من تاريخها الاقتصادي والاجتماعي والحضاري، وأحد الميادين العلمية التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق.
ثالثًا: – وقفة مع سوق الثلاثاء الأسبوعي بمدينة أبها كما عرفته وعاصرته (١٣٩٦هـ–١٤٤٨هـ / ١٩٧٦م–٢٠٢٦م): إذا كانت المصادر المكتوبة والوثائق التاريخية قد حفظت جانبًا من تاريخ سوق الثلاثاء بمدينة أبها، فإن المعايشة المباشرة تضيف بعدًا آخر لا يقل أهمية، لأنها تمكن الباحث من رصد ما شهده السوق من تطورات، ومتابعة تغير مواقعه ووظائفه، ومقارنة الواقع بما ورد في المصادر. وقد أتيحت لي فرصة متابعة هذا السوق على مدى نحو نصف قرن، منذ قدومي إلى مدينة أبها عام (١٣٩٦هـ / ١٩٧٦م )، وحتى وقت إعداد هذه الدراسة عام ١٤٤٨هـ / ٢٠٢٦م)، الأمر الذي أتاح لي تسجيل عدد من الملاحظات التي أرى أنها تمثل جانبًا من تاريخه المعاصر.وقد اطلعت على ما كتبه الأستاذ محمد أحمد أنور، والأستاذ يحيى بن حسن مستور ، وغيرهما، عن سوق الثلاثاء ونشاطه، كما أفدت من الروايات الشفهية التي حفظها بعض كبار السن ممن عاصروا السوق في العقود الوسطى من القرن الرابع عشر الهجري. ثم جاءت المعايشة المباشرة لتكمل الصورة، وتربط بين الرواية التاريخية والواقع الذي شهدته بنفسي.
وعندما قدمت إلى مدينة أبها عام( ١٣٩٦هـ) وجدت السوق يُقام صباح كل يوم ثلاثاء في ساحة البحار الواقعة إلى الجنوب الغربي من مبنى الإمارة، وكان يمثل آنذاك قلب الحركة التجارية الشعبية في المدينة. فكان الباعة يتوافدون إليه منذ ساعات الصباح الأولى، كما يقصده المتسوقون من مدينة أبها، ومن القرى والمراكز والمحافظات المجاورة، حتى يغدو ملتقى أسبوعيًا يعكس النشاط الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.وكانت معروضات السوق متنوعة تنوعًا كبيرًا؛ إذ ضمت المنتجات الزراعية المحلية، والمواشي، والعسل، والسمن، والحبوب، والأدوات المنزلية، والملابس، والأقمشة، والمصنوعات اليدوية، إلى جانب كثير من السلع المستوردة التي بدأت تدخل أسواق المنطقة في تلك المرحلة. ولذلك لم يكن السوق يؤدي وظيفة تجارية فحسب، بل كان يعكس طبيعة الحياة الاقتصادية في حاضرة أبها ، ويعكس الصلة الوثيقة بين الإنتاج المحلي وحركة التجارة.
وبعد عدة سنوات نُقل السوق إلى الجهة الجنوبية من ساحة البحار، في جزء من حي الطبجية، بالقرب من عمارة آل عايض، ثم انتقل بعد ذلك إلى أكثر من موقع داخل مدينة أبها، تبعًا للتوسع العمراني، ومتطلبات التنظيم البلدي، وتطور شبكة الطرق والخدمات. ومن تلك المواقع موقعه غرب حي المفتاحة داخل الطريق الدائري، ثم موقعه بجوار مسرح ومركز المفتاحة، حيث بقي سنوات طويلة. وخلال تلك المرحلة أصبح السوق يعمل بصورة شبه يومية، إلا أن يوم الثلاثاء ظل يحتفظ بمكانته، إذ يزداد فيه عدد الباعة والمرتادين، وتبلغ الحركة التجارية ذروتها، وهو ما حافظ على الاسم التاريخي للسوق رغم تغير كثير من ظروفه.وتشير الروايات الشفهية، وما وقفت عليه من الوثائق والمدونات، إلى أن السوق كان يُقام قبل ذلك في الساحة الواقعة شرق مبنى الإمارة الحالي، ويبدو أن هذا الموقع ظل مقرًا له خلال العقود الأولى والوسطى من القرن الرابع عشر الهجري، وربما كان امتدادًا لموقع أقدم، إلا أن تحديد ذلك يحتاج إلى نصوص تاريخية أو وثائق جديدة يمكن أن تحسم هذه المسألة مستقبلاً.
ولم يكن سوق الثلاثاء السوق الشعبي الوحيد في مدينة أبها، فقد عرفت المدينة أسواقًا أخرى للمواشي، والخضروات، والفواكه، وغيرها من السلع، كما عرفت أسواقًا موسمية مؤقتة، ولا سيما في شهر رمضان المبارك، أقيم بعضها في حي الضباب، وغيرها من المواقع. غير أن سوق الثلاثاء ظل السوق الأشهر والأوسع، لأنه كان يجمع معظم السلع التي يحتاج إليها الناس، ويستوعب شرائح متعددة من الباعة والمتسوقين.ولم يقتصر هذا النمط على مدينة أبها، بل كان سمة مشتركة للأسواق الأسبوعية في بلاد السراة وتهامة، حيث كانت الأسواق تؤدي وظائف اقتصادية واجتماعية وثقافية متكاملة، قبل أن تؤدي النهضة العمرانية والاقتصادية إلى ظهور الأسواق المركزية والمتخصصة التي تعمل طوال أيام الأسبوع، وهو ما انعكس تدريجيًا على مكانة الأسواق الأسبوعية وحجم نشاطها.
ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، أنني دُعيت خلال عامي ( ١٤٤٣–١٤٤٤هـ / ٢٠٢١–٢٠٢٢م)إلى حضور ورشة عمل خاصة بمشروع تطوير سوق الثلاثاء، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير، وعدد من المسؤولين. وقد عرض المختصون التصاميم المعمارية للمشروع، ثم طلبت ملاحظات الحاضرين.وعندما سألني سمو الأمير عن رأيي، أوضحت أن ملاحظتي لا تتعلق بالجوانب المعمارية، وإنما بالمعلومات التاريخية التي تضمنتها بعض اللوحات، إذ ربطت نشأة السوق بعام ( ١٢٤٢هـ / ١٨٢٦م) ، فبينت أن هذا التاريخ يمثل انتقال مركز الإمارة إلى مدينة أبها، ولا يدل على بداية السوق، وأن السوق – في تقديري – أقدم من ذلك بمدة طويلة، لأن قيامه يرتبط بطبيعة أبها بوصفها مستوطنة بشرية قديمة، ومركزًا زراعيًا ورعويًا، وموقعًا مناسبًا لتبادل السلع، وهي مقومات تجعل وجود سوق أسبوعي فيها أمرًا راجحًا منذ زمن بعيد، وإن كان تحديد تاريخ ذلك يحتاج إلى دليل تاريخي صريح.
وفي عامي ١٤٤٤–١٤٤٥هـ / ٢٠٢٢–٢٠٢٣م) بدأت الجهات المختصة تنفيذ مشروع تطوير سوق الثلاثاء، وشُيدت بعض المنشآت الجديدة، ثم نُقل السوق إلى موقعه الحالي في الجهة الشمالية من مدينة أبها، ضمن المنطقة التي تضم سوق الخضروات والفواكه والتمور وغيرها من الأنشطة التجارية. ولا يزال السوق قائمًا في هذا الموقع حتى اليوم، محتفظًا باسمه التاريخي، وإن اختلفت طبيعة نشاطه عما كان عليه في العقود الماضية.ومن يزر السوق اليوم يلحظ أنه ما يزال يجمع بين الطابعين الشعبي والحديث؛ ففيه سلع تراثية ما زالت تحافظ على حضورها، إلى جانب المنتجات الحديثة والمستوردة، ويعمل فيه مواطنون ومواطنات، إلى جانب عدد من العمالة الوافدة من جنسيات متعددة. إلا أن دوره التجاري لم يعد يماثل ما كان عليه في الماضي، بعد انتشار الأسواق المركزية والمجمعات التجارية والمتاجر المتخصصة، التي أصبحت تستقطب جانبًا كبيرًا من الحركة التجارية اليومية.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لسوق الثلاثاء لم تعد تقتصر على النشاط الاقتصادي، بل أصبحت تمتد إلى قيمته التاريخية والتراثية، فهو شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ مدينة أبها، ويمثل جزءًا من ذاكرتها الجماعية، كما يعكس جانبًا من تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية في منطقة عسير خلال القرن الأخير، الأمر الذي يجعل المحافظة عليه، وتوثيق تاريخه، واستكمال مشروع تطويره، مسؤولية ثقافية وحضارية، إلى جانب كونها مسؤولية تنموية.
رابعًا:- الأهمية الحضارية لسوق الثلاثاء الأسبوعي بمدينة أبها: لم يكن سوق الثلاثاء بمدينة أبها، عبر تاريخه الطويل، مجرد موضع تُعرض فيه السلع وتُمارس فيه عمليات البيع والشراء، بل كان مؤسسة حضارية متكاملة، أسهمت في تشكيل جانب مهم من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مدينة أبها وما جاورها من قرى السراة وتهامة. ومن هنا فإن دراسة هذا السوق لا تقتصر على تتبع أخباره أو تحديد مواقعه، وإنما تمتد إلى بيان الوظائف التي أداها، والدور الذي قام به في حياة المجتمع المحلي عبر القرون.فمن الناحية الاقتصادية، كان السوق يمثل مركزًا رئيسيًا لتبادل المنتجات الزراعية والحيوانية والحرفية، إذ كان المزارعون يجلبون إليه محاصيلهم، ويعرض الرعاة مواشيهم ومنتجاتها، كما يفد إليه التجار من داخل المنطقة وخارجها حاملين ما يحتاج إليه الناس من سلع وبضائع محلية ومستوردة. وقد أسهم ذلك في تنشيط الحركة التجارية، وتحقيق قدر من التكامل الاقتصادي بين مدينة أبها والقرى التابعة لها، بل وبين السراة وتهامة، اللتين ظلتا ترتبطان بعلاقات اقتصادية وثيقة عبر التاريخ.
أما من الناحية الاجتماعية، فقد كان السوق ملتقى أسبوعيًا يجمع فئات المجتمع المختلفة، فيلتقي فيه سكان المدن والقرى، ويتبادل الناس الأخبار، ويجددون صلاتهم الاجتماعية، وتُناقش فيه كثير من القضايا العامة والخاصة. ولذلك لم يكن مكانًا للتجارة فحسب، بل كان أيضًا فضاءً اجتماعيًا يعكس طبيعة المجتمع المحلي، ويعزز أواصر الترابط بين أفراده.وكان للسوق كذلك دور ثقافي ومعرفي، فقد كان منبرا لتبادل الأخبار، وانتقال المعلومات، وتناقل الروايات والأشعار والأمثال، وتبادل الخبرات الزراعية والتجارية، في زمن كانت وسائل الاتصال فيه محدودة. ولهذا احتلت الأسواق الأسبوعية مكانة بارزة في الذاكرة الشعبية، وارتبطت بكثير من العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي توارثتها الأجيال.ومن الجوانب المهمة أيضًا أن سوق الثلاثاء أسهم في خدمة النشاط الإداري غير المباشر، إذ كانت كثافة الحضور فيه تتيح للمسؤولين والتجار وزعماء القبائل الالتقاء، وإنجاز كثير من الأعمال، وتبادل الرأي حول الشؤون العامة، وهو ما نجده في عدد من الأسواق الأسبوعية المعروفة في أنحاء الجزيرة العربية.
كما كان السوق يمثل نافذة مهمة للتواصل بين السراة وتهامة، فقد كانت المنتجات الزراعية القادمة من مرتفعات السراة تلتقي بمنتجات تهامة، وتتبادل المنافع بين البيئتين، الأمر الذي أسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، وتحقيق نوع من التكامل بين أقاليم منطقة عسير.ومع التطور الاقتصادي والعمراني الذي شهدته المملكة العربية السعودية خلال العقود الأخيرة، ظهرت الأسواق المركزية والمتخصصة، وانتشرت المجمعات التجارية الكبرى، وتغيرت وسائل النقل والتسويق، فتراجع كثير من الوظائف التقليدية للأسواق الأسبوعية، ومنها سوق الثلاثاء. إلا أن هذا التراجع لا يقلل من قيمته التاريخية والحضارية، لأن أهمية هذه الأسواق لم تعد تقاس بحجم تجارتها فقط، بل بما تمثله من ذاكرة اجتماعية وتراث اقتصادي وثقافي يعكس مراحل مهمة من تاريخ المجتمع المحلي.وأقول إن المحافظة على سوق الثلاثاء، والعناية به، واستكمال مشروع تطويره، ينبغي ألا تقتصر على إنشاء المباني والمرافق، وإنما تشمل المحافظة على هويته التاريخية، وإبراز عناصره التراثية، وتوثيق تاريخه، وتشجيع الدراسات العلمية التي تتناول نشأته وتطوره، حتى يبقى شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ مدينة أبها ومنطقة عسير، وجزءًا من التراث الوطني الذي يستحق الحفظ والعناية.
خامسًا : سوق الثلاثاء بمدينة أبها بين الماضي والحاضر وآفاق المستقبل : شهد سوق الثلاثاء بمدينة أبها، شأنه شأن معظم الأسواق الأسبوعية في المملكة العربية السعودية، تحولات كبيرة خلال العقود الأخيرة، نتيجة ما شهدته البلاد من نهضة عمرانية واقتصادية وإدارية شاملة. فقد تغيرت أنماط الحياة، وتطورت وسائل النقل والاتصال، واتسعت المدن، وظهرت الأسواق المركزية والمتخصصة، والمجمعات التجارية الكبرى، كما تطورت وسائل التسويق والتجارة، مما انعكس بصورة مباشرة على طبيعة الأسواق الأسبوعية ووظائفها التقليدية.وكان سوق الثلاثاء في الماضي يؤدي وظائف متعددة في وقت واحد؛ فهو سوق لتبادل السلع، وملتقى اجتماعي، ومركز لتداول الأخبار، ومناسبة أسبوعية يلتقي فيها سكان مدينة أبها والقرى المجاورة، ويقصدها التجار والمزارعون والرعاة وأصحاب الحرف. وكان كثير من الناس يربطون برامجهم الأسبوعية بيوم انعقاد السوق، لما يوفره من فرص البيع والشراء، وقضاء الحاجات، واللقاء بالأقارب والمعارف.
ومع اتساع مدينة أبها، وتعدد أحيائها، وتطور خدماتها، وقيام الأسواق الحديثة التي تعمل طوال أيام الأسبوع، بدأت كثير من الوظائف التقليدية لسوق الثلاثاء تتراجع تدريجيًا. ولم يعد السوق المصدر الرئيسي للحصول على السلع، كما كان في الماضي، بعد أن أصبحت المنتجات متوافرة في المتاجر والأسواق المركزية على مدار الأسبوع، وأصبح المستهلك يجد حاجاته في أي وقت دون انتظار يوم السوق.كما أسهم تطور وسائل النقل في تغيير طبيعة الحركة التجارية؛ إذ لم تعد القرى والمراكز تعتمد على السوق الأسبوعي اعتمادًا كاملاً، بعد أن أصبحت الطرق المعبدة ووسائل النقل الحديثة تربطها بمدينة أبها بصورة يومية، الأمر الذي أضعف الحاجة إلى التجمع الأسبوعي الذي كان يمثل في الماضي ضرورة اقتصادية واجتماعية.ومع ذلك، فإن سوق الثلاثاء لم يفقد مكانته تمامًا، بل تغيرت وظيفته. فبعد أن كان يؤدي دورًا اقتصاديًا رئيسيًا ، أصبح يمثل اليوم معلمًا من معالم التراث الشعبي، وواجهة من واجهات الهوية الثقافية لمدينة أبها. وما يزال كثير من الزائرين يقصدونه للتعرف على جانب من الحياة الشعبية، ومشاهدة بعض الحرف التقليدية، وشراء المنتجات المحلية، واستحضار صورة الأسواق القديمة التي ارتبطت بتاريخ المنطقة.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لسوق الثلاثاء في الوقت الحاضر لا تكمن في حجم الحركة التجارية وحدها، وإنما في كونه شاهدًا حيًا على تطور المجتمع المحلي، وذاكرةً تحفظ جانبًا من تاريخ مدينة أبها، وتوثق مرحلة مهمة من مراحلها الاقتصادية والاجتماعية. ولهذا فإن المحافظة عليه ينبغي أن تنطلق من رؤية تجمع بين التطوير العمراني والحفاظ على أصالته، بحيث يبقى سوقًا يؤدي وظيفته التجارية، وفي الوقت نفسه يحافظ على طابعه التراثي الذي يميزه.ومن المناسب أن ترافق أعمال تطوير السوق برامج ثقافية وتراثية تُبرز تاريخه، وتعرّف الزائرين بمكانته، من خلال لوحات علمية دقيقة، ومعارض دائمة، وفعاليات موسمية، وتوثيق شفهي ومكتوب، مع العناية بالحرف التقليدية والمنتجات المحلية التي اشتهرت بها منطقة عسير. كما أن إعداد دليل تاريخي للسوق، وإنشاء أرشيف يضم الوثائق والصور والروايات المتعلقة به، سيُسهم في حفظ ذاكرته، وييسر مهمة الباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة.
وأرى أن سوق الثلاثاء يستحق أن يُسجل ضمن أبرز المواقع التراثية في منطقة عسير، وأن يحظى بعناية مستمرة من الجهات المختصة، ليس بوصفه سوقًا شعبيًا فحسب، بل باعتباره معلمًا حضاريًا يعكس تاريخ مدينة أبها، ويجسد جانبًا من تطور الحياة الحضارية في جنوب المملكة العربية السعودية. كما أقترح أن يكون هذا السوق محورًا لدراسات جامعية متخصصة، تتناول تاريخه، ووثائقه، ووظائفه، وتحولاته، وتقارنه بالأسواق الأسبوعية الأخرى في السراة وتهامة، وفي بقية أنحاء الجزيرة العربية؛ لأن مثل هذه الدراسات ستسهم في إثراء التاريخ المحلي، وحفظ أحد أهم عناصر التراث الوطني للأجيال القادمة.
سادسا:- الخاتمة: يتضح من خلال هذه الدراسة أن سوق الثلاثاء بمدينة أبها يُعد من أقدم الأسواق الأسبوعية وأشهرها في منطقة عسير، وأنه ظل يؤدي أدوارًا اقتصادية واجتماعية وحضارية متواصلة عبر فترات تاريخية طويلة، وأسهم في خدمة مدينة أبها والقرى والمراكز المجاورة، وربط أجزاء السراة بتهامة، وكان أحد أبرز المظاهر الحضارية التي ارتبطت بتاريخ المجتمع المحلي.وبينت الدراسة أيضا أن المصادر التاريخية والوثائق المتاحة تشير إلى قِدم هذا السوق، وأن بعض النصوص القديمة أطلقت عليه اسم سوق ابن مدحان، في حين شاع في القرون المتأخرة باسم سوق الثلاثاء. ومع ذلك، فإن تاريخ نشأته الأولى ما يزال بحاجة إلى مزيد من البحث، إذ لا يتوافر حتى الآن نص تاريخي صريح يحدد بداية قيامه، الأمر الذي يقتضي التمييز بين أول ذكر مكتوب للسوق وبين تاريخ تأسيسه الفعلي، وهي قضية منهجية ينبغي مراعاتها في دراسة تاريخ الأسواق المحلية.
وأثبتت المعايشة الشخصية الممتدة منذ عام ١٣٩٦هـ / ١٩٧٦م حتى عام ١٤٤٨هـ / ٢٠٢٦م أن السوق ) أن السوق مر بمراحل متعددة، وانتقل بين عدد من المواقع داخل مدينة أبها، متأثرًا بالتوسع العمراني والتنظيم الإداري، كما شهد تغيرًا في وظائفه وطبيعة نشاطه، شأنه شأن كثير من الأسواق الأسبوعية في المملكة العربية السعودية. وعلى الرغم من تراجع دوره التجاري التقليدي نتيجة انتشار الأسواق الحديثة والمتخصصة، فإنه ما يزال يحتفظ بقيمته التاريخية والتراثية، ويُعد أحد الرموز الحضارية البارزة في مدينة أبها.وأيضا تؤكد الدراسة أن الأسواق الأسبوعية ليست مجرد أماكن للتبادل التجاري، بل هي مؤسسات اجتماعية وثقافية واقتصادية، ساعدت في بناء المجتمع المحلي، وحفظت جانبًا مهمًا من ذاكرته، وأسهمت في توثيق العلاقات بين السكان، وتنشيط الحركة الاقتصادية، وتبادل الأخبار والمعارف، وهو ما يجعل دراستها جزءًا من دراسة التاريخ الحضاري للمملكة العربية السعودية.
ومن أهم ما أوصي به مواصلة البحث في تاريخ الأسواق الأسبوعية بمنطقة عسير، وإفراد دراسة مستقلة لكل سوق من أسواقها التاريخية، مع الإفادة من الوثائق، والمخطوطات، والروايات ، والخرائط، والصور التاريخية، وربط ذلك بالدراسات الميدانية الحديثة، حتى يكتمل توثيق هذا الجانب المهم من تاريخ المنطقة.وأوصي أيضا باستكمال مشروع تطوير سوق الثلاثاء بمدينة أبها، مع المحافظة على هويته التاريخية والتراثية، وإعداد لوحات تعريفية تستند إلى معلومات تاريخية موثقة، وإنشاء أرشيف علمي يضم الوثائق والصور والروايات المتعلقة بالسوق، وتشجيع الجامعات وموسسات البحث العلمي على تبني مشروعات علمية متخصصة لدراسة الأسواق الأسبوعية في جنوب الجزيرة العربية، لما تمثله من قيمة تاريخية وحضارية كبيرة.
وأخيرًا، فإن هذه الدراسة لا تدعي الإحاطة بجميع جوانب تاريخ سوق الثلاثاء، وإنما تمثل محاولة علمية لتجميع ما تيسر من مادته التاريخية، وربط ما تفرق من أخباره في المصادر والوثائق والروايات الشفهية، أملاً في أن تكون لبنةً في مشروع أوسع لتوثيق تاريخ الأسواق الأسبوعية في جنوب شبه الجزيرة العربية، وأن تسهم في حفظ جانب من التراث الوطني، وإبراز ما تختزنه منطقة عسير ( تهامة وسراة) من معالم حضارية جديرة بالدراسة والعناية.



















التعليقات