ليست كل قوة تُقاس بسرعة الرد، ولا كل صمت يُفسر على أنه عجز، فهناك من يصبر لأنه يرى أبعد من لحظة الغضب، ويؤمن أن الحكمة تبدأ حين ينتهي الانفعال، ولهذا قالت العرب قديمًا: ( احذر غضبة الحليم )، لأن الحليم لا يغضب لأول إساءة، ولا يندفع لأول استفزاز، بل يمنح الفرصة تلو الأخرى، ويقدم العقل على العاطفة، والمصلحة على الانفعال.
وفي السياسة تزداد هذه الحكمة وضوحا، فالدول لا تُدار بردود الفعل، وإنما بحسابات دقيقة توازن بين الأمن والاستقرار والمصالح الوطنية، وقد يبدو طول الصبر في نظر بعض الخصوم فرصة للمزيد من الاستفزاز، بينما هو في الحقيقة اختبار أخير لإمكانية تجنب التصعيد.
ويعلمنا التاريخ أن كثيرا من الأزمات لم تبدأ بسبب القوة، بل بسبب سوء تقديرها، فما أكثر من ظن أن خصمه لن يتحرك، وأن حلمه سيستمر إلى غير نهاية، فإذا به يكتشف متأخرا أن الحكمة كانت خيارا لا عجزا، وأن ضبط النفس كان قرارا لا ضعفا.
ومن الحكم الخالدة قول الإمام علي بن أبي طالب: (إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة)، وهي حكمة تؤكد أن القوة الحقيقية ليست في استخدامها عند كل خلاف، بل في القدرة على التحكم بها، وفي المقابل فإن من يسيء استغلال حلم الآخرين قد يحمّل نفسه مسؤولية النتائج التي تترتب على استمرار التوتر وإغلاق أبواب الحوار.
إن استقرار المنطقة لن يتحقق بالمزايدات أو بتغليب لغة التحدي، وإنما بإدراك أن أمن الدول وسيادتها ليسا مجالا للاختبار. فكلما احترمت الأطراف المتنازعة حدود القانون الدولي، وتخلت عن منطق الاستفزاز، اتسعت مساحة الحلول، وتراجعت احتمالات الأزمات.
ويبقى الدرس الذي لا يتغير: ليس الحليم من يعجز عن الرد، وإنما من يؤخره إيمانا بأن الحكمة هي الطريق الأقصر إلى السلام، أما من يسيء فهم هذا الحلم فقد يكتشف أن ما ظنه ضعفا لم يكن إلا صبرا منضبطا، وأن احترام الآخرين وسيادة الدول هو السبيل الوحيد إلى مستقبل أكثر أمنا واستقرارا، والحكمة تقتضي فهما عميقا ( احذر غضبة الحليم فإنها ربما تكون القاضية) والله المستعان.
قبل الختام : اللهم احفظ بلد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبا وبرا وبحرا وفضاء من كل سوء ومكروه .


التعليقات