أولاً: مقدمة: يأتي كتاب «غيثان بن علي بن جريس… خمسون عامًا من العطاء» المزمع إعداده توثيقًا لمسيرة علمية امتدت خمسة عقود، حفلت بالبحث والتأليف والتدريس وخدمة التاريخ الوطني، واحتفاءً بقامة أكاديمية أسهمت في إثراء المعرفة التاريخية، وأرست منهجًا علميًا متميزًا في البحث والتوثيق، حتى غدت تجربتها جديرة بالدراسة والتأمل والاستلهام. ولئن كان من اليسير حصر منجزات العلماء، واستعراض إنتاجهم العلمي، وإحصاء مؤلفاتهم وأبحاثهم، ورصد ما نالوه من ألقاب وجوائز؛ فإن الأصعب من ذلك هو الوقوف على سرِّ تلك المنجزات، والكشف عن الكيفية التي تحوَّل بها الجهد الفردي المحدود بعامل الزمن إلى مشروع علمي متكامل، امتد عبر العقود، وتجاوز حدود المكان، وأثمر أثرًا معرفيًا متجددًا لا يزال حاضرًا في حياة الباحثين والمهتمين.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس الشهري في هذه المقالة لا ينبغي أن يقف عند حدود السيرة الذاتية، ولا عند الإحصاء الرقمي للمؤلفات والبحوث والإنجازات، على أهميتها جميعًا، وإنما ينبغي أن يتجه إلى قراءة التجربة العلمية نفسها، واستجلاء فلسفتها، والوقوف على عناصر تميزها؛ لأن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في كثرة ما أُنجز من مؤلفات وأبحاث، وإنما في نجاح صاحبها في تحويل المعرفة إلى مشروع حياة، وفي نقل النجاح من دائرة الإنجاز الفردي إلى رحاب مدرسة علمية متكاملة، ذات رؤية واضحة، ومنهج راسخ، وأثر ممتد.
وهنا تتجاوز التجربة حدود النجاح بمفهومه التقليدي، الذي يقاس بالمناصب أو الشهادات أو الألقاب، إلى مفهوم أعمق وأبقى، يتمثل في بناء أثر علمي يظل حاضرًا بعد صاحبه، ويصنع أجيالًا تحمل الفكرة، وتواصل المسيرة، وتضيف إلى ما بُني ولا تبدأ من جديد. وهذا هو الفارق بين من يحقق نجاحًا شخصيًا، وبين من يؤسس مدرسة علمية تستمر في العطاء والإنتاج. وهذه المقالة لا تهدف إلى إعادة سرد ما هو معروف عن الدكتور غيثان، بقدر ما تسعى إلى قراءة مشروعه العلمي بوصفه نموذجًا في صناعة المعرفة، وتجربةً جديرةً بالتأمل، ومدرسةً علميةً تبلورت ملامحها عبر خمسين عامًا من العمل الدؤوب، حتى استحقت أن يطلق عليها «مدرسة ابن جريس التاريخية».
ثانياً : من النجاح الفردي إلى المشروع العلمي المتكامل : ينظر كثير من الناس إلى النجاح على أنه محطة يصل إليها الإنسان، أو منصبًا يتقلده، أو شهادة يحصل عليها، غير أن النجاح في صورته العميقة لا يُقاس إلا بما يتركه صاحبه من أثر باقٍ، وبقدرته على بناء مشروع يتجاوز حدود ذاته، ويستمر عطاؤه بعده. وهذا هو الوصف الأقرب لتجربة الدكتور غيثان بن جريس؛ إذ لم ينظر إلى التاريخ كونه وظيفة أكاديمية، ولا إلى البحث العلمي باعتباره وسيلة للترقي الوظيفي، وإنما رآهما رسالة عمر تستحق أن تُوهب لها الحياة بكل ما فيها من وقت وجهد وإمكانات.
ومن يقرأ سيرته العلمية يدرك أن هذه الرؤية لم تكن وليدة مرحلة متأخرة، وإنما صاحبت مسيرته منذ بداياتها؛ فقد تخرج في قسم التاريخ ضمن أول دفعة من فرع جامعة الملك سعود بأبها عام (١٤٠٠هـ/١٩٨٠م) بتقدير ممتاز، ثم ابتُعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراسة الماجستير، قبل أن يعود محاضرًا، ثم يُبتعث مرة أخرى إلى بريطانيا لنيل درجة الدكتوراه، ثم عاد أستاذًا مساعدًا بقسم التاريخ، وتدرج في الرتب الأكاديمية حتى نال درجة الأستاذية (البروفيسور) عام (١٤١٧هـ/١٩٩٧م) ليكون أول أستاذ سعودي ينال هذه الدرجة في فرعي جامعتي الملك سعود والإمام محمد بن سعود بأبها.
غير أن هذه الرحلة العلمية لم تكن مجرد انتقال بين مراحل أكاديمية متتابعة، بل كانت بناءً متدرجًا لمشروع معرفي متكامل، كانت كل مرحلة فيه تمهد لما بعدها، حتى أصبحت المعرفة لديه كائنًا حيًا ينمو باستمرار، لا تحده حدود، ولا يتوقف عند إنجاز سابق، بل يجعل من كل نجاح بدايةً لنجاح أكبر، ومن كل كتاب أساسًا لمشروع جديد، حتى غدت تجربته العلمية نموذجًا حيًا لتحويل المعرفة إلى مشروع حياة، وتحويل النجاح الفردي إلى مدرسة علمية راسخة.
ثالثاً: فلسفة الإنجاز وبناء الشخصية العلمية: إذا كان المشروع العلمي الكبير لا يُولد مصادفة، فإن استمراره ونموه لا يتحققان إلا بفلسفة واضحة في إدارة الحياة والعلم والوقت. ولعل من أبرز السمات التي ميزت تجربة الدكتور غيثان أنه لم يكن يسعى وراء النجاح بوصفه غاية في ذاته، وإنما كان يسعى إلى الإتقان، فجاء النجاح نتيجة طبيعية لهذا النهج، لا هدفًا مستقلًا عنه. لقد أدرك منذ وقت مبكر أن الوقت هو رأس المال الحقيقي للباحث، وأن المشروعات العلمية الكبرى لا تُبنى بما يتبقى من أوقات الفراغ، ولا بما تتيحه الظروف العابرة، وإنما تُبنى حين يتحول الوقت نفسه إلى مشروع، يُدار بدقة، ويُستثمر بوعي، وتُوظف كل لحظة فيه لخدمة رسالة العلم. ومن هنا سخر عمره وجهده وإمكاناته، بل وماله وعلاقاته، لخدمة مشروعه المعرفي، وكان يردد دائمًا (أنه لا يدع فرصة سانحة إلا اغتنمها)، ولا يتساهل في سرعة إنجازها، بل يتسابق مع الزمن، ثم يحمد الله حين يرى ثمار ذلك الانضباط.
ولذلك لم يكن يعرف التسويف أو التأجيل، ولم يكن يقبل أن يتراجع عن مشروع بدأه أو يؤخر إنجازه بغير عذر. وكان يرى أن اليوم الذي يمضي دون إضافة علمية هو جزء من العمر لا يمكن استرداده، وأن الإنجاز الحقيقي لا تصنعه الظروف الاستثنائية، وإنما تصنعه المثابرة اليومية، والعمل الهادئ، والانضباط المستمر. وأقول هذا لا اعتمادًا على ما قرأته في سيرته أو ما نقل عنه الآخرون، وإنما بوصفي واحدًا من طلابه الذين تشرفوا بالتتلمذ على يديه داخل الجامعة وخارجها، ونهلوا من علمه وخبرته، وعايشوا جانبًا كبيرًا من تجربته العملية. فقد رأيت عن قرب كيف يخطط الباحث الحقيقي لوقته، وكيف يجعل من الانضباط عادة راسخة، ومن المثابرة أسلوب حياة، ومن العلم رسالة تتجاوز حدود الوظيفة الأكاديمية ومتطلبات الدوام الرسمي.
وكان واضحًا لكل من عرفه أن مشروعه العلمي يمثل محور حياته، ولذلك كان يتخفف من كثير من الارتباطات التي تستنزف الوقت، ويعتذر عن عدد من المناسبات الاجتماعية، لا زهدًا في الناس أو انصرافًا عنهم، وإنما وفاءً لرسالته العلمية، وإيمانًا بأن الإنجازات الكبرى لا تصنعها بقايا الأوقات، وإنما تصنعها الساعات التي يهبها الإنسان بإخلاص لهدفه الأسمى. ومع هذه الصرامة في إدارة وقته، ظل قريبًا من طلابه، كريمًا في عطائه، واسع الصدر في توجيهه، لا يبخل بعلم، ولا يضيق بسؤال، بل كان يتابع طلابه، ويقوِّم أعمالهم، ويشجعهم على البحث والتأليف، ويرشدهم إلى مواطن القوة والقصور، حتى غدا مدرسة تدريب علمية مفتوحة، يجد فيها الباحث الشاب من التوجيه والرعاية ما يعينه على بناء شخصيته العلمية.
ولم يكن طلابه يشعرون يومًا أنهم مجرد أرقام في قاعة دراسية، بل كانوا يجدون فيه الأستاذ المربي قبل أن يكون الأستاذ الجامعي، والقدوة العملية قبل أن يكون المحاضر. ولذلك استمرت علاقته بكثير منهم سنوات طويلة بعد التخرج، وظلت صلته بهم قائمة على النصح والتوجيه والتشجيع، حتى خرج من تحت يديه عدد كبير من الباحثين الذين حملوا شيئًا من منهجه، واستلهموا كثيرًا من طريقته في التفكير والبحث، وأدركوا أن الباحث الحقيقي يبقى طالب علم، مهما علت منزلته، واتسعت معارفه، وبلغت مكانته الأكاديمية. وهكذا لم يقتصر أثر الدكتور غيثان على ما دوَّنه في كتبه وأبحاثه، وإنما امتد إلى بناء الإنسان، وصناعة الباحث، وغرس قيم الانضباط والإتقان والإخلاص في نفوس تلاميذه، وهي من أعظم صور العطاء العلمي، وأبقاها أثرًا في حياة الأمم.
رابعا: مدرسة ابن جريس التاريخية وأثرها في بناء المعرفة الوطنية: إذا كانت المدارس العلمية الحقيقية لا تُنشأ بقرار إداري، ولا تُمنح بوصفها لقبًا شرفيًا، وإنما تتشكل عبر الزمن من خلال وضوح الرؤية، وثبات المنهج، وتراكم الإنتاج، وامتداد الأثر في الأجيال؛ فإن تجربة الأستاذ الدكتور غيثان قد تجاوزت حدود الإنجاز الفردي، لتغدو مشروعًا معرفيًا متكاملًا، يستحق أن يوصف بأنه «مدرسة ابن جريس التاريخية». ولم يكن هذا الوصف من قبيل المبالغة أو الإعجاب الشخصي، بل هو توصيف علمي لما أفرزته هذه التجربة من خصائص متكاملة؛ فقد تميزت برؤية واضحة تجعل من المعرفة مشروع عمر، لا عملًا مرحليًا ينتهي بانتهاء الوظيفة أو الترقية، كما قامت على الجمع بين سعة الأفق الأكاديمي، والانضباط المنهجي الدقيق، مع قدرة لافتة على الربط بين مختلف مصادر المعرفة التاريخية.
وقد تعامل الدكتور غيثان مع التاريخ على أنه منظومة معرفية متكاملة، تتداخل فيها الجغرافيا، والوثائق، والآثار، والأنساب، والرحلات، والمصادر المكتوبة، والروايات الشفهية، والتراث المادي وغير المادي، ولم ينظر إليه على أنه مجرد سرد للحوادث أو تسجيل للوقائع، وإنما علمًا يفسر حركة الإنسان والمكان عبر الزمن، ويعيد بناء الذاكرة الوطنية على أسس علمية راسخة. ومن أبرز خصائص هذه المدرسة أنها لم تحصر اهتمامها في الجانب النظري، بل حرصت على العمل الميداني، وجمع الوثائق، وتحقيق النصوص، والربط بين الشاهد التاريخي والموقع الجغرافي، حتى غدا المشروع العلمي للدكتور غيثان نموذجًا في التكامل بين الدراسة الأكاديمية والعمل التطبيقي، وهو ما منح مؤلفاته قيمة علمية جعلتها مراجع معتمدة للباحثين والمهتمين بتاريخ المملكة العربية السعودية، ولا سيما تاريخ جنوبها ( تهامة وسراة ).
وتجلت ثمرة هذا المشروع في منجز علمي ضخم تجاوز المائة كتاب، إلى جانب مئات البحوث والمقالات العلمية، فضلًا عن مكتبته الرقمية التي أصبحت مقصدًا لعدد كبير من الباحثين داخل المملكة وخارجها، بما تضمه من مصادر ووثائق ومواد علمية تخدم المتخصصين والمهتمين. وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات كمية، وإنما شواهد على اتساع دائرة التأثير، واستمرار حضور المشروع في الوسط العلمي والثقافي. وتأتي «موسوعة القول المكتوب في تاريخ الجنوب» في مقدمة هذه المنجزات، كونها الذروة العلمية للمشروع، فهي ليست مجرد موسوعة كبيرة في حجمها، وإنما مشروع حضاري طويل النفس، يعكس عقلية تؤمن بالتراكم المعرفي، وبأن الأعمال الكبرى تُبنى بالصبر والمثابرة، وإضافة لبنة إلى أخرى، حتى يكتمل البناء ويؤتي ثماره. وأعظم ما أنجزه الدكتور غيثان لا يتمثل في كثرة مؤلفاته أو وفرة إنتاجه العلمي فحسب، وإنما في نجاحه في تحويل تجربته الشخصية إلى مدرسة علمية قائمة بذاتها، لها منهجها، وأسلوبها، ورسالتها، وأثرها المستمر في الباحثين، وهو الإنجاز الذي يمنح هذه التجربة قيمتها الحقيقية، ويجعلها جديرة بالدراسة والاحتفاء، والاستفادة منها في بناء أجيال جديدة من الباحثين والمؤرخين.
خامسا: استدامة المشروع العلمي وقيمة الوفاء للعلماء: إن الحديث عن الدكتور غيثان ، وعن مدرسته التاريخية، لا ينبغي أن يكون وقوفًا عند منجزات الماضي فحسب، ولا احتفاءً بإنجازات أُنجزت ثم انتهى أثرها، وإنما ينبغي أن يكون استشرافًا للمستقبل؛ لأن قيمة المدارس العلمية لا تُقاس بما قدمته في سنوات مضت، وإنما بقدرتها على الاستمرار في أداء رسالتها، وتجدد عطائها، وامتداد أثرها في خدمة العلم والوطن. ومن هذا المنطلق، فإن المحافظة على هذا المشروع العلمي لم تعد مسؤولية شخصية يتحملها صاحبه وحده، مهما بلغت همته، واتسعت خبرته، وعظم عطاؤه، بل أصبحت مسؤولية وطنية وثقافية وعلمية مشتركة، تتقاسمها الجامعات، ووزارة التعليم، ووزارة الثقافة، وهيئة التراث، ودارة الملك عبدالعزيز، والمراكز البحثية، والمؤسسات العلمية، والجهات الوقفية، ورجال الأعمال، وكل من يؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء المعرفة، وأن حفظ الذاكرة الوطنية من أعظم صور الاستثمار في مستقبل الوطن.
إن التجارب العلمية الكبرى لا يجوز أن تظل رهينة الجهد الفردي، مهما كانت طاقة أصحابها وإخلاصهم، بل لا بد أن تتحول إلى مشروعات مؤسسية تتوافر لها أسباب الاستمرار والنمو. ومن هنا، فإن مدرسة ابن جريس التاريخية جديرة بأن تحظى بالدعم العلمي والمؤسسي، من خلال استكمال نشر ما لم يُنشر من مؤلفاتها، والعناية بوثائقها ومخطوطاتها، ورقمنة أعمالها على منصات معرفية موثوقة تضمن سهولة الوصول إليها، وترجمة المختار منها إلى اللغات العالمية، ودعم مشروعاتها البحثية الحالية والمستقبلية؛ لأنها أصبحت تمثل جزءًا أصيلًا من الذاكرة التاريخية للمملكة العربية السعودية.
كما أن من الوفاء للعلم والعلماء أن تُرشَّح هذه القامات العلمية إلى أرفع الجوائز المحلية والعربية والدولية، لا لأنهم يبحثون عن مجد جديد، وإنما لأن إبراز النماذج العلمية المتميزة يمثل رسالة حضارية، تؤكد أن الأمم التي تعرف قيمة علمائها هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها. فتكريم العلماء ليس احتفاءً بأشخاصهم فحسب، بل هو احتفاء بقيمة العلم نفسها، ورسالة للأجيال بأن طريق الاجتهاد والإخلاص هو الطريق الذي يستحق التقدير. ولقد أنفق الأستاذ الدكتور غيثان من عمره، ووقته، وجهده، وماله، في خدمة مشروعه العلمي أكثر مما أخذ منه، حتى أصبح المشروع جزءًا من حياته، وأصبحت حياته جزءًا من مشروعه. وهذا هو المعنى الحقيقي للعطاء؛ عطاء لا يُقاس بعدد السنوات، وإنما بما يتركه من أثر في العقول، وما يغرسه من قيم في النفوس، وما يؤسسه من مشروعات تستمر بعد أصحابها.
ولذلك فإن الاحتفاء بهذه القامة العلمية في حياتها ليس مجرد وفاء شخصي، بل هو وفاء للعلم ذاته، ورسالة تربوية ووطنية تؤكد أن المجتمعات الحية تعرف فضل علمائها، وتحتفي بروادها، وتقدمهم قدوة للأجيال. أما حين يغيب العلماء عن دائرة الاهتمام، فإن الفراغ لا يبقى فراغًا، بل تملؤه نماذج لا تحمل رسالة ولا تصنع معرفة، فتختل موازين القدوة في المجتمع. ومن هنا، فإن التعريف بالنماذج العلمية الرائدة، وإبراز عطائها، وصناعة حضورها في الوعي العام، ليس ترفًا ثقافيًا، وإنما مسؤولية علمية ووطنية ومجتمعية. وإن من أصدق صور الوفاء أن يُكرَّم أصحاب العطاء وهم بيننا، يشهدون ثمار جهودهم، ويرون أثر رسالتهم في طلابهم، وفي مؤلفاتهم، وفي خدمة وطنهم؛ فالتقدير في حياة الإنسان أبلغ أثرًا، وأعمق معنى، من كلمات الرثاء بعد رحيله.
وفي ختام هذه الدراسة، فإننا لا نوثق سيرة عالم فحسب، وإنما نوثق تجربة علمية وإنسانية ووطنية جديرة بأن تُدرَّس، وأن يُحتذى بها، وأن تُصان، وأن تمتد آثارها إلى الأجيال القادمة. وإن مدرسة ابن جريس التاريخية تمثل نموذجًا مضيئًا في تاريخ البحث العلمي بالمملكة العربية السعودية، وستظل ــــ بإذن الله ــــ شاهدًا على أن الإخلاص، وحسن إدارة الوقت، ووضوح الرسالة، والعمل المتواصل، قادرة على تحويل الجهد الفردي إلى مدرسة علمية راسخة، وإلى مشروع حضاري يبقى أثره ما بقي العلم وأهله.
وكتبه: د. غرمان بن عبدالله بن غصاب الشهري، رئيس قسم التاريخ والآثار، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك خالد، أبها ــ منطقة عسير ـ.


التعليقات