الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ الموافق ١١ صفر ١٤٤٨ هـ

صلح الكبار .. بن جاري وبن سكوت – بقلم الكاتب أ. محمد غـرمـان العمري

صلح الكبار .. بن جاري وبن سكوت – بقلم الكاتب أ. محمد غـرمـان العمري

في ربى السراة، حيث تعانق الجبال السحاب، وتتنفس الأودية عبق التاريخ، تكتب كل يوم حكايات لا يمحوها الزمن، ومن أبهى تلك الحكايات وأكثرها نوراً واشراقاً، ما شهدته محافظة النماص مؤخراً من صلح مبارك لقامتين من قامات بني عمرو  الشيخ عبدالله بن جاري العمري، والشيخ مشرف بن سكوت العمري.

ما أعظمها من لحظة!.. لحظة تتنازل فيها النفوس الكبيرة عن حظها، وتسمو فوق الجراح، لتقول للدنيا: “أن الدم واحد، وأن المصير واحد، وأن النماص كلها بيت واحد لا يقبل الانشقاق والتصدع “.

لقد كان الصلح تتويجاً لجهود مضنية، وسعي حميد بذله أهل الخير والصلاح، ووجهاء القبيلة، ومشايخها.. رجال آثروا أن يكونوا جسوراً للوصل بدل أن يكونوا معاول للهدم. حملوا قلوبهم على أكفهم، ومشوا بين الناس بالإصلاح، مستلهمين قول الحق تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ).

وفي مجلس عامر بالوئام، حضره جمع غفير من أعيان بني عمرو وأهالي النماص، التقت القلوب قبل الأيدي. تقدم الشيخ عبدالله بن جاري بخطى الواثق المطمئن، وتقدم الشيخ مشرف بن سكوت بسماحة الكريم، فتصافحت الأيادي، وذابت كل الشكوك، وتساقطت كل الخلافات كما يتساقط ورق الخريف.

ما أجمل منظر التسامح وهو يرتدي ثوب العز! وما أبهى العفو وهو يتوج رؤوس الرجال! لقد أثبت الشيخان أن الأصالة ليست كلمات تقال، بل مواقف تفعل. وأن الرجولة الحقة هي في كظم الغيظ، وفي القدرة على أن تقول “سامحت” في وقت ينتظر فيه الناس منك “المطالبة بالحقوق”.

إن هذا الصلح ليس حدثاً عابراً في تاريخ النماص بل هو درس بليغ للأجيال.. درس في أن الخلاف وارد، ولكن القطيعة مرفوضة، وأن العصبية مقيتة، ولكن الأخوة باقية، وأن أكبر انتصار هو الإنتصار على النفس.

لقد أعاد هذا الصلح البسمة إلى وجوه كثيرة، وأعاد الدفء إلى بيوت كان البرد قد أصابها، وأعاد للكبار هيبتهم في أن يجلسوا على مائدة واحدة يأكلون من صحن واحد. إننا اليوم ونحن نكتب عن هذا الصلح، لا نكتب عن شخصين فقط بل نكتب عن قبيلة كاملة اختارت أن تكون صفاً واحداً.. نكتب عن محافظة أبت إلا أن تكون مثالاً يحتذى في لملمة الجراح، وفي وأد الفتنة في مهدها.

تحية إجلال للشيخ عبدالله بن جاري على صدره الرحب، وتحية تقدير للشيخ مشرف بن سكوت على حكمته وبعد نظره. وتحية لكل من كان سبباً في هذا الخير، من قريب أو بعيد.

ختاماً.. نقول: هنيئاً للنماص بأبنائها وهنيئاً لبني عمرو بهذا التلاحم، وليكن هذا الصلح نبراساً يضيء لنا الطريق، وتذكيراً دائماً بأن “الصلح خير”، وأن الوطن لا يبنى إلا بالمحبة، وأن المستقبل لا يصنع إلا بيد متصالحة مع نفسها، ومع أهلها.

حفظ الله النماص وأهلها، وأدام عليها نعمة الأمن والألفة في ضل حكومتنا الرشيدة، وجعل هذا الصلح بداية خير وبركة للجميع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *