شيءٌ من الخيال، أحداثُ ذلك الماضي الذي عشناه بداية أعمارنا، نتحدث عنه اليوم وكأن كل حادثة فيه لم تمر على من سبقونا أو من سيأتون بعدنا، تلك الأحداث التي كانت تؤرخ بها التواريخ لم تعُد اليوم مثاراً للحديث عنها أو الانبهار بها ولو لإسبوعٍ من الزمن، بل ربما لو قرأ أحد أبناء هذا الجيل ما أكتبه لشعر بأننا كنا خارج الزمن وربما أننا كنا في خارجه تلك اللحظة فعلاً، استدعى هذه المقدمة ذلك الحدث الرهيب الذي أتذكره أنا وأبناء جيلي وربما كان يفوقُ في وقعه وقع زمان الثلج في مخيلة الناس وهو كسوف الشمس، ماذا يعني كسوفُ الشمس في بيئةٍ كانت ترى النهار والليل دائبين لا يغيرهما شيء، ولا يحول دون انتظام دورتهما سوى قيام الساعة، قيامُ الساعة ذلك الحدث الرهيب الذي كانوا ينتظرونه ويفزعون في تفسير كل ظاهرةٍ كونيةٍ أو اجتماعية إليه.
ففي أحد أيام الاثنين الذي لا أذكر تاريخه عام (1371هـ) كسفت الشمس، لم يكن كسوفاً جزئياً يمكن للناس تأويله أو حتى التفكر فيه أو إهماله، بل كان كسوفاً كلياً جعل النجوم تظهر في وسط السماء، ساد الظلام لسويعات لم تطل لكن الحدث طال في أذهان الناس وكأنه عام بأكمله، أتذكر أن أحاديثهم بعده حول مدته وأسبابه طالت أكثر من سويعات الكسوف وامتدت، حتى أصبح أحد التواريخ التي يعودون اليها في توثيق أيامهم وسيرهم، ولأن الشعر هو ديوانهم الذي يحفظ ذاكرتهم فقد أرخ لهذه الحادثة أحد شعراءهم في ذلك الوقت ببيت على لون اللعب يوم الاثنين جاء في الشمس كسف واختلافي…
ظلوا الناس في ريبة وفي ديّات ظلما وأذكر من أحداث ذلك العام سفر والدي رحمه الله إلى مدينة حائل، اضطر لتلك الرحلة التي صاغت تصورنا عن العالم من حولنا وهو يحكي عنها لمن زاره ببيتنا ، ولأن طرق اليوم لا تشابه طرق الأمس إلا باسم الطريق فقد كان لا بد له أن يرتحل إلى جدة بداية الأمر حيث نزل ضيفاً على قائم مقام جدة في ذلك الوقت كما كانوا يسمونه، وهناك التقى بعدد من شعراء زهران الذين كانوا متجهين إلى حائل ثم انهم التمسوا من قائم مقام جدة أن يحملهم على سيارة البريد إلى المدينة المنورة وقد فعل رحمه الله، وعند وصولهم إلى المدينة المنورة دخلوا على أميرها/ محمد بن عبدالعزيز “رحمه الله” وطلبوه أن يأمر بإركابهم إلى حائل وقد فعل كذلك وأمر لهم بإعاشة وتموين حتى يصلوا، وعلى الرغم من هذه التسهيلات إلا أن مشقة الرحلة وما كابدوه فيها بقيت عالقةً في ذهني والدي رحمه الله حتى مات، وقد تفجرت قريحة بن عقار رفيقهم فيها فقال أبيات في طريقهم إلى حائل أذكر منها أون ونة بوابير الميركاني… ولا ونين المواتر لقبلت حايل ولا ونين الذي محبوس في ظلما… ليل يعشا وليل ما يعشونه.
وصل والدي ورفاقه إلى حائل واستقبل استقبالاً حافلاً من قبل الموجودين من قبائل بني عمرو، وقضى فيها شهراً زار خلاله أميرها عبدالعزيز بن مساعد رحمه الله والذي أحسن ضيافته هو ومن معه، وعندما حانت ساعة العودة دخل على الأمير مستأذناً ومسلماً فأحسن استقباله وأعطاه هو ورفاقه ما يعينهم على السفر وأمر
باركابهم واعادتهم إلى المدينة.
انقضت تلك الرحلة بكل ما كان فيها من أحداث، وكذلك انقضى من تحدثنا عنهم وترحمنا عليهم، وبقيت ذكرياتهم شاهدةً على عصرٍ يتمنى كل من كابد مشقته أن تبقى تلك الذكريات جميلةً في الذاكرة وأن لا تعود.


التعليقات