لم تعد القوة العسكرية مهما بلغت كافية لحسم الصراعات المعقدة في عالم اليوم، فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد حاملات الطائرات أو الطائرات المقاتلة، بل أصبحت تُدار أيضا بالجغرافيا، والاقتصاد، والزمن، والقدرة على استنزاف الخصم سياسيا ونفسيا، ومن هذا المنطلق تحول مضيق هرمز الى أحد أهم ميادين اختبار
النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة ماتزال تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، وشبكة واسعة من الحلفاء، وقدرات بحرية وجوية هائلة إلا أن امتلاك القوة شيء والقدرة على توظيفها لتحقيق الأهداف السياسية بأقل تكلفة شيء آخر، وهذا هو التحدي الذي برز بوضوح في الأزمات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة. في المقابل تبنت إيران على مدى سنوات استراتيجية تقوم على الصبر وإطالة أمد الأزمات، مع استخدام أوراق الضغط التي تملكها وفي مقدمتها موقعها الجغرافي المطل على مضيق هرمز الى جانب أدواتها السياسية والإقليمية، ويرى عدد من المحللين أن طهران سعت في أكثر من محطة الى كسب الوقت عبر مسارات تفاوضية طويلة أملا في تحسين موقعها التفاوضي، أو تخفيف الضغوط المفروضة عليها، بينما يرى آخرون أن هذه الاستراتيجية لم تمنع استمرار العقوبات والضغوط الاقتصادية عليها.
ولا تكمن أهمية مضيق هرمز في كونه ممرا بحريا فحسب، بل لأنه شريان رئيسي لتجارة الطاقة العالمية، ولهذا فإن أي توتر فيه ينعكس سريعا على أسعار النفط، وأسواق المال، وحركة التجارة الدولية، ومن هنا أصبح أمن المضيق قضية تتجاوز حدود المنطقة، وتمس مصالح الاقتصاد العالمي بأسره.
أما أوروبا فهي تجد نفسها بين التزاماتها تجاه حلفائها، وبين مصالحها الاقتصادية التي تقتضي تجنب حرب واسعة في الخليج، لذلك غالبا ما تؤيد حماية أمن الملاحة وحرية التجارة، وفي الوقت نفسه تشجع الحلول السياسية والدبلوماسية إدراكا منها أن اتساع رقعة الصراع ستكون له انعكاسات مباشرة على اقتصاداتها وأمنها.
وفي قلب هذه المعادلة تقف دول الخليج العربي وهي الطرف الأكثر عرضة لتداعيات أي مواجهة عسكرية، فأمنها واستقرارها وازدهارها الاقتصادي يرتبط ارتباطا وثيقا بأمن الممرات البحرية واستمرار تدفق التجارة والطاقة، كما أن المشاريع التنموية الكبرى التي تشهدها المنطقة تحتاج الى بيئة مستقرة وهو ما يفسر حرص دول الخليج على دعم كل جهد يخفف التوتر ويجنب المنطقة الانزلاق الى مواجهة شاملة.
ومن المبكر الجزم بأن النفوذ الأمريكي قد تراجع بصورة حاسمة، لكن من المشروع القول إن البيئة الاستراتيجية أصبحت أكثر تعقيدا، وإن القوى الإقليمية باتت تمتلك أدوات تجعل إدارة الأزمات أكثر صعوبة مما كانت عليه في العقود الماضية، فالهيمنة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بالقوة العسكرية وحدها، بل بمدى القدرة على تحقيق الأهداف السياسية، والمحافظة على التحالفات، وتقليل كلفة الصراعات.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل يقود هذا المشهد الى تسوية سياسية تعيد الاستقرار الى المنطقة، أم أن سياسة شد الحبال ستستمر بما تحمله من مخاطر على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي؟
إن ما يحتاجه العالم اليوم ليس مزيدا من التصعيد، بل إرادة سياسية تحول دون اتساع رقعة الصراع، فالشرق الأوسط لم يعد يحتمل حروبا جديدة والعالم بأسره بات يدرك أن استقرار هذه المنطقة لم يعد شأنا إقليميا فحسب، بل ضرورة دولية تمس أمن الطاقة، والاقتصاد، ومستقبل التنمية العالمية.
قبل الختام: اللهم احفظ بلد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبا من كل سوء ومكروه.


التعليقات