قصة القلادة.. من أرقّ المواقف في السيرة، حيث جمعت بين الوفاء والرحمة وذكريات الزوجة الصالحة.. كانت السيدة خديجة بنت خويلد أمَّ جميع أبناء النبي ﷺ، سوى إبراهيم فأمه هي مارية القبطية. وقد رزقها الله من النبي ﷺ بالقاسم، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة رضي الله عنهم جميعًا.
ومن أعظم الشواهد على وفاء النبي ﷺ لها رضي الله عنها-قصة القلادة. فبعد غزوة بدر أُسر زوج ابنته زينب، أبو العاص بن الربيع، وكان لا يزال يومئذٍ على الشرك. فأرسلت زينب في فدائه مالًا،وأرسلت معه قلادةً كانت أمها خديجة قد أهدتها لها يوم زفافها.
فلما رأى النبي ﷺ تلك القلادة، تأثر تأثرًا شديدًا، لأنها أعادت إليه ذكرى خديجة، شريكة عمره، وأول من آمن به،وأول من واساه حين نزول الوحي، والتي أنفقت مالها ونفسها في نصرة الإسلام وهل بعد حصار الشعب من صعب !!؟
فقال ﷺ لأصحابه، على سبيل الإستئذان لا الإلزام: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا.»بأبي وأمي يارسول الله، فوافق الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، فردوا القلادة إلى زينب، وأطلقوا أبا العاص، وفاءً لرسول الله ﷺ ورحمةً بابنته. ثم اشترط النبي ﷺ على أبي العاص أن يرسل زينب إلى المدينة، فوفى بوعده،
وبعد سنوات أسلم أبو العاص، فردّ النبي ﷺ إليه زوجته. في قصة تحمل الكثير من معاني الوفاء والرحمة والثقة والفداء والتضحية. قصة أجد نفسي أمامها قزمة جداً كي آتي على كثير من جوانبها. وهذه القلادة ليست مجرد حُلِيٍّ، بل أصبحت رمزًا لوفاء النبي ﷺ لزوجةٍ وقفت معه يوم تخلّى عنه الناس، فاستحقت أن تبقى ذكراها حيّة في قلبه حتى آخرحياته.
وفي قصة الكساء امتداد لأثر السيدة خديجة الطيب إذ دعى النبي ﷺ ابنته فاطمة، وزوجها علي بن أبي طالب، وولديهما الحسن والحسين، فضمهم جميعاً ودخلوا معه تحت الكساء. ثم رفع النبي ﷺ يده وقال:«اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا».تلك أثار خديجة رضي الله عنها.
في كل المقالات السابقة لم نتطرق أن السيدة خديجة كانت قد رعت علي بن أبي طالب الذي تولى النبي ﷺ رعايته قبل البعثه، ورعت ابنائها من أزواجها السابقين، ورعت زيد بن حارثة الذي نزلت فيه آية النهي عن التبني، ورعت الزبير بن العوام ابن أختها،هذا الحمل العظيم كله اضافةً إلى ابنائها وبناتها،كانت مع زوجها محمد بن عبدالله يرعيان هذه الرعية المباركة،لازلت أقف متعجبة كيف تجاهلت المكتبة الإسلامية والمؤلفات الإعلامية ،جوانب عديدة مضيئة في تفاصيل قصة السيدة خديجة،وكيف توارت معان النور من صفحات الكتب ؟؟
حيث تزوج محمد بامرأة تكبره بأكثر من عشر سنوات، ولها أولاد، وأرملة عن زوجين، ولديها أرث عظيم من المسؤلية،والتجارة ،كيف لرجل مثل محمد شاب يافع وسيم أن يختارها بدون شروط ولا تردد،كيف لجده وأعمامه لم يقفوا ضد هذا الزواج ،كيف استطاعت السيدة خديجة التي تكبر زوجها بكثير أن تتناغم جملة وتفصيلا مع زوجها وتدير حياتها وتربي عيالها وهولاء المكفولين في بيتها،ثم كان نزول الوحي وصعوبة الموقف الأول ثم ما تلاه من مواقف، وهل يخفى أذية جارتهم أم جميل وأبو لهب،!؟ والكثير الكثير، ثم حصار الشعب،الذي توفت في نهاية تلك السنوات العجاف!!؟؟
كل هذا لاشك قدر الله وتيسيره لكن، ماذا حملنا من هذه العظمة في أخلاقنا اليومية،حين نعيّر رجلا يتزوج بامرأة تكبره ولو بشهور، أو مطلقة ، أو حين ننسحب من تربية من لهم علينا حق الكفالة، حين نغلّب مصالحنا الشخصة الوقتية، على أن نقدم العون لجارٍ أو قريب فنتكفّل معه ببعض متاعه للتخفيف عليه، أي امرأة أنتِ يا سيدة النساء ،!؟ أي امرأة أنتِ أيتها الطاهرة ،!؟ أي نور انبثق في مكة،!؟ وأي نور توارى في جوانبها !؟، وأي سيرة عطرة ظُلمت ممن أعرض عنها!؟ في أنانية العبثية البشرية،!! وأنانية الطرح الأحادي !!
تلك سيرة من نور ،لم استطع أن آتي على كل جوانبها حيث أقف خجِلة وجِلة أمامها، واستغفر الله عن الخطأ والزلل والتقصير ،فرضي الله عن أمنا خديجةبنت خويلد وعليها السلام ورحمة الله وبركاته.
– ومضة: (يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّة …)


التعليقات