الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ الموافق ٢٥ محرم ١٤٤٨ هـ

فوضى العلاقات الرقمية – بقلم الدكتور غرمان بن عبدالله بن غصاب الشهري

فوضى العلاقات الرقمية – بقلم الدكتور غرمان بن عبدالله بن غصاب الشهري
كان الإنسان قديما يعيش علاقاته ضمن دوائر ضيقة ومفهومة؛ يعرف الناس بأسمائهم وأنسابهم ووجوههم، وتتشكل الروابط بينهم وفق حاجات واضحة: قرابة، أو تجارة، أو طلب علم، أو جوار، أو سفر يفرضه الطريق، وكانت المسافات الطويلة، وصعوبة التواصل، وقلة الوسائل، تعمل بوصفها سياجا طبيعيا يحدّ من التوسع المفرط في العلاقات، فمن أراد أن يبعث رسالة احتاج إلى رسول، ومن أراد لقاء شخص في مكان آخر احتاج إلى رحلة، ولذلك كانت العلاقات أقل عددا، لكنها في الغالب أوضح معنى وأشد التزاما.
 
أما اليوم فقد تبدّل المشهد كله، فلم تعد العلاقة تحتاج إلى طريق يُسلك ولا إلى باب يُطرق، بل صارت تنشأ في لحظة عبر شاشة صغيرة يحملها الإنسان في يده، ولم يعد الإنسان يبث فرحه أو حزنه لقريبه او جاره فقط، بل صار يشارك يومه ومشاعره وصوره وأفكاره مع غرباء في أقصى الأرض، وقد يتابع تفاصيل حياة أناس لم يلتق بهم يوما، وربما لا يعرف أسماءهم الحقيقية..
 
فلقد تحوّل العالم من “قرية صغيرة” إلى “غرفة واحدة” مفتوحة الجدران، يرى الناس فيها بعضهم بعضا بلا حواجز، ولم تعد الخصوصيات محفوظة كما كانت؛ فما كان يُستحى من إظهاره حتى للأقربين أصبح يُعرض على الملأ طلبا للتفاعل أو الشهرة وكثرة المشاهدات، أو الهروب من الوحدة، وأصبح كثير من الناس يعيشون حياتين: حياة ظاهرة داخل الأسرة، وحياة أخرى خفية داخل فضاءات رقمية لا يعرف عنها أقرب الناس إليهم شيئا.
 
بل إن أحدنا اليوم قد يملك مئات العلاقات العابرة، لكنه يفتقد في داخله إلى علاقة حقيقية واحدة، فالعلاقة التي كانت تُبنى قديما على المعرفة والتجربة والصبر والمواقف، أصبحت في كثير من الأحيان تُبنى على الإعجاب العابر، أو المشاركة الوقتية، أو التشابه المؤقت في الاهتمام، ولهذا كثرت العلاقات وقلّ أثرها، واتسعت الدوائر وضاقت المعاني..
 
ومن أخطر ما في هذه الفوضى أن العلاقات لم تعد منضبطة بضوابط المكان أو الدين أو العمر أو الجنس أو القيم، فالطفل اليوم قد يخالط عبر هاتفه أفكارا وأشخاصا وثقافات لا تملك أسرته أي قدرة حقيقية على مراقبتها أو فهمها، وربما صادف من يهدم أخلاقه قبل أن يكتمل وعيه، أو يزعزع عقيدته قبل أن تترسخ، أو يعبث بمفاهيمه عن الأسرة والهوية والانتماء.
 
وقد ظهرت في هذا الزمان تجمعات رقمية يصنف أفرادها أنفسهم وفق أفكارهم أو شهواتهم أو نزعاتهم، حتى غدت بعض المنصات أشبه بعوالم موازية تصنع للإنسان انتماء جديدا، قد يكون أقوى من انتمائه لأسرته ومجتمعه، ولهذا قد يجلس الإخوة في البيت الواحد متجاورين بالأجساد لكنهم متباعدون في الاهتمامات والعواطف والاتجاهات الفكرية؛ لكل واحد منهم عالمه الخاص الذي لا يعرفه الآخرون.
 
إن المشكلة ليست في أصل التواصل، فالتعارف من سنن الحياة، والوسائل الحديثة تحمل منافع عظيمة في العلم والعمل وصلة الرحم ونشر الخير، ولكن الخطر يبدأ حين تتحول الوسيلة إلى فضاء بلا حدود، وحين تصبح العلاقة غاية في ذاتها لا تضبطها قيمة ولا مسؤولية، ومن هنا فإن علاج “فوضى العلاقات” لا يكون بالانعزال الكامل عن العصر، ولا بإعلان الحرب على التقنية، وإنما بإعادة بناء مفهوم العلاقة نفسها، فليس كل تواصل علاقة، وليس كل معرفة قربا، وليس كل حضور في حياة الآخرين حقا مشروعا، فكل منا يحتاج إلى “قيد وخطام” يحفظ له توازنه، ويتمثل ذلك في أمور عدة، من أهمها:
 
أولا: إعادة الاعتبار للأسرة بوصفها الحاضن الأول للهوية والقيم، لا مجرد مكان للنوم والاجتماع الجسدي، فحين يضعف الحوار داخل البيت يبحث الأبناء عن بدائل خارجه.
 
ثانيا: بناء الوعي لا مجرد المنع؛ لأن المنع وحده لا يصمد طويلا أمام عالم مفتوح، أما الوعي فيمنح الإنسان قدرة على التمييز والاختيار والمقاومة.
 
ثالثا: ترسيخ قيمة الخصوصية، وتعليم الناس أن ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُعاش يُنشر، وأن كرامة الإنسان أحيانا في ستره لا في ظهوره.
 
رابعا: ضبط العلاقة الرقمية بالأخلاق الشرعية والإنسانية؛ فكما أن للأبواب في الواقع حدودا، فإن للشاشات أيضا حدودا ينبغي ألا تُهدم.
 
خامسا: حماية الأطفال والناشئة من الانفتاح غير المنضبط، فالعقل الصغير لا يملك دائما أدوات الفرز بين الحق والباطل، ولا بين الخير والفساد، ولذلك كان من مسؤولية الأسرة والمجتمع أن يسبقوا الخطر بالتوجيه والمتابعة والقدوة.
 
إننا اليوم أمام تحدّ حقيقي، وهو: كيف تبقى العلاقات وسيلة لبناء الإنسان لا لهدمه؟ وكيف نحافظ على دفء القرب الحقيقي وسط هذا الزحام الرقمي الهائل؟، فالمشكلة ليست أن العالم اقترب، بل المشكلة أن الحدود بين الناس سقطت أحيانا بلا حكمة، حتى دخل الغرباء إلى العقول والقلوب قبل أن يُؤذن لهم بالدخول إلى البيوت.
 
ومن الجوانب التي تستحق التأمل أيضا أن التوسع المفرط في العلاقات – حتى تلك التي تكون مباشرة وحقيقية – ليس دائما علامة صحية أو نجاح اجتماعي، بل قد تتحول تلك العلاقات إلى عبء يستنزف الإنسان دون أن يشعر، فكل علاقة تحمل قدرا من الالتزام في الوقت، والمجاملة، والمشاركة الوجدانية، وحضور المناسبات، واستنزاف الفكر والمشاعر، 
 
وإذا اتسعت دائرة العلاقات فوق قدرة الإنسان الطبيعية، تفرقت طاقته بين الناس، وضاعت أوقاته في متابعة ما لا يعود عليه بنفع حقيقي، ولهذا كان بعض العقلاء قديما يحرصون على انتقاء دوائرهم بعناية، لا كِبرا على الناس، ولكن حفاظا على أعمارهم من التبدد، فالإنسان لا يملك إلا وقتا محدودا، وكل ساعة يمنحها لشيء تعني أنه اقتطعها من شيء آخر قد يكون الأولى بها أسرته، أو طلبه للعلم، أو عبادته، أو راحته النفسية، أو أهدافه الكبرى..
 
فإذا كان هذا الأثر يقع حتى في العلاقات الواقعية المباشرة، فكيف بعلاقات رقمية هائلة، جلُّها عابر لا يقوم على معرفة حقيقية ولا يثمر نفعا معتبرا؟، بل علاقات تُستهلك فيها الساعات الطويلة في المتابعة والتعليق والمشاركة، حتى أصبح بعض الناس حاضرا في تفاصيل حياة المئات، غائبا عن تفاصيل حياته هو، ومن هنا فإن الحكمة ليست في كثرة العلاقات، بل في جودة العلاقة وصدقها واتزانها، وليس النجاح أن يعرفك الجميع، بل أن تعرف من يستحق قربك، وأن تمنح وقتك وطاقتك للشيء الذي يبني حياتك وليس الشيء الذي يهدمها ويبددها.
 
وأخيرا فإن تقنين العلاقات لا يعني القطيعة أو الجفاء، وإنما يعني وضع كل علاقة في حجمها الطبيعي، ومنح كل دائرة من دوائر حياتنا القدر والاهتمام المناسب، حتى يبقى الإنسان متوازنا، متفرغا لما هو أهم في رسالته وحياته، فلا يستهلكه الزحام الاجتماعي عن نفسه، ولا تضيع أيامه في طرق لا توصله إلى أهدافه وغايته.
 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *