العقوق سلوك اجتماعي ذميم، وكبيرة من كبائر الذنوب. إذ أولى الله جل وعلا بر الوالدين عناية خاصة، فجعل له آيات تُتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
ومن هنا يتعين على المسلم أن يعي حقوق والديه عليه، وأن يتحرى برهما تحريًا دقيقًا، وأن يجعله من أوجب الواجبات بعد حق الله جل وعلا. ولو تتبع المسلم حقوق والديه وواجباته نحوهما، وأدرك معناها في نفسه، لأصابه الوجل والخوف من لقاء ربه وهو عاقّ لوالديه، أو مقصر في حقوقهما، أو قليل البر والإحسان إليهما.
ولنضرب على ذلك مثلاً ورد في الآية المشار إليها، وهو قول كلمة “أف”، وهي من التأف، أي التضايق من فعل الشيء. فهذه الكلمة البسيطة التي قد يراها الإنسان هينة، ولا يترتب عليها شيء، كالذي يخدم والديه ويقوم بواجبه نحوهما على أكمل وجه، ولكنه يتبع ذلك بهذه الكلمة، فكأنما نسف البر من أساسه. ومثل ذلك الذي يبطل صدقاته بالمنّ والأذى – والعياذ بالله – فكيف بالبر الذي أوجبه الله على المسلم، وهو أولى من الصدقة؟
إن الرجل قد يقع بينه وبين والديه خلاف، ولكن عظمة البر بالوالدين تجعل من يقف خصماً لهما، ونداً لمقامهما العظيم، في موقف صعب جداً أمام الله جل وعلا، حتى وإن ناله منهما شيء من المشاكل العابرة، كبيرها وصغيرها. فالواجب عليه أن يصبر ويحتسب، وعند الله تجتمع الخصوم. لأن مقاضاتهما في الدنيا عقوق بيّن وواضح، ويتنافى مع صبرهما عليه من قبل أن يولد وحتى يستقل ويستغني عن رعايتهما.
وحتى بعد أن يصبح قادراً على الاستقلال بحياته، لا يسقط عنه برهما ووصلهما والإحسان إليهما، وتلبية حاجتهما، والوقوف إلى جانبهما ما داما على قيد الحياة. بل يستمر بره لهما بعد وفاتهما بالصدقة عنهما، والدعاء لهما، ووصل أصدقائهما.
ومما يؤسف له أن نسمع في زماننا هذا ببعض قصص العقوق، من قيام بعض الأبناء بهجر والديه، كليهما أو أحدهما، وعدم زيارتهما لسنوات طويلة، وعدم الاهتمام بهما. وربما لم يزر بعضهم والده وهو في المستشفى، وكأن الأمر لا يعنيه. فأي قلوب يحملونها بين جوانحهم وقد خلت تماماً من صفة البر؟
وماذا سيقولون لخالقهم وهم بهذا الجفاء؟ وبأي حجة سيحتجون بها بين يديه على الصراط المستقيم، وهم يعلمون أن كل عمل يعملونه مكتوب في صحائفهم التي سيجدونها منشورة أمامهم يوم القيامة؟


التعليقات