الإثنين ٦ يوليو ٢٠٢٦ الموافق ٢١ محرم ١٤٤٨ هـ

زيارة الأمير تركي بن طلال آل سعود للدكتور غيثان بن جريس ( دراسة توثيقيّة في دلالات التكريم العلمي وأبعاده الثقافية والوطنية ) – بقلم د. رشاد بن عبدالله الشهري

زيارة الأمير تركي بن طلال آل سعود للدكتور غيثان بن جريس ( دراسة توثيقيّة في دلالات التكريم العلمي وأبعاده الثقافية والوطنية ) – بقلم  د. رشاد بن عبدالله الشهري
 
أولاً : مدخل: يُعدُّ توثيق الأحداث المعاصرة التي تتصل بالحياة العلمية والثقافية من صميم عمل المؤرخ؛ إذ لا تقتصر مهمته على استنطاق الوثائق القديمة، أو دراسة الوقائع التي مضى عليها الزمن، وإنما تمتد إلى تسجيل ما يشهده عصره من أحداث ذات قيمة تاريخية، وتحليلها في سياقها الزمني والاجتماعي، حتى تغدو مصدرًا أصيلًا يعتمد عليه الباحثون في المستقبل. وكثير من الصفحات المضيئة في تاريخ الأمم لم تكن في بدايتها سوى لقاءات، أو مبادرات، أو مواقف إنسانية حملت من الدلالات ما جعلها جديرة بالبقاء في سجل التاريخ.ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الدراسة لتوثق مناسبة علمية ووطنية متميزة، تمثلت في الزيارة الكريمة التي تفضل بها صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود، أمير منطقة عسير، للأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس في منزله بمدينة أبها، مساء يوم الأربعاء السادس عشر من شهر المحرم سنة (١٤٤٨هـ) ، الموافق الأول من يوليو (٢٠٢٦م) . وقد اكتسبت هذه الزيارة أهميتها من طبيعتها الخاصة؛ إذ جاءت بمبادرة من سمو الأمير، الذي أبدى رغبته في زيارة الدكتور غيثان، تقديرًا لمسيرته العلمية، واعتزازًا بما قدمه خلال عقود طويلة في خدمة تاريخ مناطق  عسير والباحة ونجران وجازان وبلدان أخرى في شبه الجزيرة العربية ، من خلال البحث والتأليف والتحقيق والإشراف العلمي.
 
ولم تكن هذه المبادرة مجرد زيارة مجاملة، بل حملت رسالة وطنية واضحة، تؤكد أن العلم يحظى بمكانته في الدولة السعودية، وأن الباحثين الذين يكرسون جهودهم لخدمة تاريخ وطنهم وتراثه الثقافي محل تقدير واعتزاز. وهي رسالة تمتد جذورها إلى النهج الذي قامت عليه هذه البلاد منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، واستمر في عهود أبنائه الملوك، حتى العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز –حفظهما الله–، حيث غدت المعرفة والبحث العلمي من الركائز الأساسية لمسيرة التنمية الوطنية.وإدراكًا من الأستاذ الدكتور غيثان   لأهمية هذه المناسبة، لم يقتصر الإعداد لها على جوانب الاستقبال والضيافة، بل حرص على أن تتحول إلى لقاء علمي وثقافي يليق بهدفها. فأعد دراسة خاصة بعنوان «صفحات من تاريخ عسير: الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود أ نموذجًا (شهادة تاريخية)»، لتكون هدية علمية لسمو الأمير، ودعا إلى حضور اللقاء نخبة من العلماء، وأساتذة الجامعات، والباحثين، والمثقفين، وأصحاب الفضيلة، وأصحاب المعالي والسعادة، وعددًا من أعيان منطقة عسير، ليكون المجلس ملتقى للفكر والحوار، لا مجرد مناسبة اجتماعية.

وتهدف هذه الدراسة إلى تسجيل هذه الزيارة توثيقًا علميًا، وبيان سياقها، وتحليل دلالاتها، واستجلاء ما حملته من معانٍ تتصل بتقدير العلم، ورعاية الباحثين، ودور المجالس العلمية في ترسيخ الثقافة الوطنية. واعتمدت الدراسة المنهج التاريخي الوصفي التوثيقي ، القائم على عرض الوقائع وفق تسلسلها الزمني، ثم تفسيرها في ضوء أبعادها العلمية والثقافية والوطنية .

ثانيًا:- خلفية الزيارة وأسبابها: لا تكتسب الزيارات التاريخية أهميتها من مكان انعقادها أو زمان وقوعها فحسب، وإنما من الدوافع التي قامت عليها، والرسائل التي تحملها، والآثار التي تتركها في الذاكرة الوطنية. ومن هذا المنظور، فإن الزيارة الكريمة التي تفضل بها الأمير تركي بن طلال  للدكتور  غيثان بن جريس تمثل حدثًا يتجاوز إطار الزيارة الشخصية، ليعبر عن قيمة حضارية راسخة، قوامها احترام العلم، وتقدير العلماء، والوفاء لأصحاب العطاء الفكري.وقد جاءت هذه الزيارة بناءً على رغبة صريحة من سمو الأمير، الذي أبدى قبل موعدها رغبته في زيارة ابن جريس  في منزله بمدينة أبها، تقديرًا لمسيرته العلمية، وإجلالًا لما قدمه من جهود في خدمة تاريخ جنوب البلاد السعودية، والتاريخ والحضارة الإسلامية بشكل عام  ، وإخراج عدد كبير من المؤلفات والدراسات التي أسهمت في إثراء المكتبة السعودية والعربية ، وأصبحت مراجع يعتمد عليها الباحثون المهتمون  .

وهذه المبادرة تحمل في جوهرها دلالة تتجاوز التكريم الشخصي؛ فهي تؤكد أن القيادة السعودية تنظر إلى العلماء والباحثين على أنهم شركاء في بناء الوعي والمعرفة الوطنية ، وأن حفظ التاريخ، وصيانة الذاكرة، وخدمة الثقافة، أعمال  ذات قيمة عالية، تستحق التقدير والاحتفاء. كما أنها تبعث برسالة إلى الأجيال الجديدة بأن الإخلاص للعلم، والجد في البحث، وطول النفس في خدمة الحياة العلمية والمعرفية ، هي أعمال لا يضيع أثرها، بل تجد التقدير في حياة أصحابها قبل أن يخلدها التاريخ. ولم يكن اختيار منزل الدكتور غيثان مكانًا لهذه الزيارة أمرًا عارضًا؛ فقد عرف هذا المنزل، ولا سيما مجلسه العلمي، باستقبال العلماء وأرباب القلم في منطقة عسير وغيرها ، ومقصدًا لعدد من الباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة. ومن ثم، فقد جاءت الزيارة امتدادًا طبيعيًا لدور هذا المجلس في خدمة المعرفة ، ومنحت المناسبة بعدًا علميًا ينسجم مع أهدافها ورسالته.

وتتجلى أهمية هذه الزيارة أيضًا في أنها جاءت في وقت تشهد فيه المملكة العربية السعودية نهضة شاملة في مختلف المجالات، تتكامل فيها التنمية الاقتصادية مع التنمية الثقافية، ويغدو الاهتمام بالهوية الوطنية، والذاكرة التاريخية، ورعاية الإنتاج العلمي، جزءًا من مشروعها الحضاري. ومن هنا، فإن تقدير أصحاب المنجز العلمي يمثل أحد المظاهر العملية لهذه الرؤية، ويؤكد أن بناء الإنسان لا ينفصل عن بناء المكان، وأن الاستثمار في المعرفة هو استثمار في مستقبل الوطن.كما أن هذه المبادرة تعكس جانبًا من شخصية سمو الأمير تركي بن طلال ، وما عُرف عنه من اهتمام بالثقافة والتاريخ والإنسان، وإيمانه بأن التنمية لا تُقاس بالمشروعات العمرانية وحدها، بل بما تصنعه من وعي، وما ترسخه من انتماء، وما تتيحه من فرص للحوار والتواصل بين القيادة وأهل الفكر والاختصاص. ولذلك جاءت هذه الزيارة معبرة عن رؤية متكاملة ترى في العالم والباحث والمؤرخ شريكًا في صناعة الوعي الوطني، وحفظ الموروث الحضاري، وتعزيز مكانة البلاد  في الذاكرة التاريخية والحضارية  للمملكة.

ومن جانب آخر، أدرك الدكتور غيثان أن مثل هذه الزيارة لا ينبغي أن تبقى في إطار المناسبة الاجتماعية، بل ينبغي أن تتحول إلى مناسبة علمية موثقة، فكان إعداد الدراسة التاريخية الخاصة بسمو الأمير تركي  تعبيرًا عن وفاء الباحث لرسالته العلمية، وإيمانه بأن خير ما يقدمه المؤرخ في مثل هذه المناسبات هو عمل علمي رصين، يضيف إلى المكتبة الوطنية، ويخلد المناسبة بوثيقة مكتوبة، تبقى بعد انقضاء الحدث، وتكون مرجعًا للباحثين في المستقبل. ولتحقيق هذا الهدف، وُجهت الدعوة إلى نخبة من أصحاب الفضيلة، وأصحاب المعالي والسعادة، وأساتذة الجامعات، والباحثين، والمثقفين، وعدد من أعيان منطقة عسير، ليشهدوا هذه المناسبة، ويشاركوا في مجلس يقوم على الحوار وتبادل الرأي، ويجمع بين التقدير الاجتماعي والرسالة العلمية. وبذلك خرجت الزيارة من إطارها الخاص، لتغدو لقاءً ثقافيًا يعبر عن مكانة العلم في المجتمع، ويجسد صورة من صور التواصل الحضاري بين القيادة والنخبة العلمية.

 ويمكن القول إن هذا الإعداد المسبق، وما انطوى عليه من رؤية علمية واضحة، هو الذي منح الزيارة خصوصيتها، وجعلها جديرة بالتوثيق والدراسة، إذ اجتمع فيها عنصر المبادرة الكريمة من القيادة، وعنصر العطاء العلمي الممتد، وعنصر اللقاء الفكري الذي ضم نخبة من أهل العلم والثقافة. ومن ثم، فإن أهمية هذه المناسبة لا تقاس بوقائعها الزمنية وحدها، بل بما حملته من معانٍ ستظل جزءًا من تاريخ الحياة العلمية والثقافية في منطقة عسير.وبهذا تتهيأ الدراسة للانتقال من بيان خلفية الزيارة وأسبابها إلى عرض وقائعها، بوصفها الأساس الذي يقوم عليه الرصد  التاريخي، ويكشف بصورة أوضح عن طبيعة هذه المناسبة وما حفلت به من مواقف ودلالات.

ثالثًا:- وقائع الزيارة والمجلس العلمي: وكما أشرت سابقاً،ففي مساء يوم الأربعاء (١٦ / ١ ١٤٤٨هـ الموافق ١ / ٧ / ٢٠٢٦م)  ، استقبل الدكتور غيثان في منزله بأبها الأمير تركي بن طلال  آل سعود، في زيارة كريمة جاءت تحقيقًا لرغبة سموه في لقاء أحد أعلام البحث التاريخي في المملكة العربية السعودية ، وتقديرًا لمسيرته العلمية وما قدمه من خدمات جليلة للتاريخ الوطني.وقد هيئ المجلس لاستقبال سمو الأمير والحضور بما يليق بالمناسبة، في إطار يجمع بين أصالة المجالس العربية ووقار اللقاءات العلمية. وكان في استقبال سموه  الدكتور غيثان  وعدد من أعلام ورموز  المنطقة، إضافة إلى عدد من أفراد الأسرة والأقارب، الذين سعدوا جميعًا بهذه المناسبة الكريمة.وبعد أن أخذ سمو الأمير مكانه في المجلس، رحب به الدكتور غيثان بكلمة موجزة، عبر فيها عن اعتزازه بهذه المبادرة الكريمة، وعدَّها تكريمًا للعلم قبل أن تكون تكريمًا لشخصه، مؤكدًا أن هذه الزيارة تمثل صفحة مضيئة في سجل التواصل بين القيادة وأهل المعرفة، وأنها ستظل محل تقدير واعتزاز في ذاكرة الأسرة، وفي تاريخ الحركة الثقافية بمنطقة عسير.

ثم انتقل اللقاء إلى محوره العلمي، حيث تشرف الدكتور غيثان بتقديم نسخة من  الدراسة التي أعدها وعنوانها : «صفحات من تاريخ عسير: الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود أنموذجًا (شهادة تاريخية)»، موضحًا أنها محاولة لتوثيق جانب من جهود سمو الأمير في خدمة منطقة عسير، وإبراز ما شهدته المنطقة في عهده من عناية بالإنسان، والتنمية، والثقافة، والتراث، في إطار منهج تاريخي يعتمد على الرصد و التوثيق.وتسلم سمو الأمير الدراسة باهتمام وتقدير، ثم أذن بتوزيع نسخها منها  على الحضور، فكان لذلك أثر بالغ في إضفاء الطابع العلمي على المجلس، وتحويل المناسبة إلى لقاء ثقافي، اجتمع فيه التكريم، والإنتاج العلمي، والحوار الفكري، في صورة تعكس الرسالة التي قامت عليها هذه الزيارة منذ بدايتها.

رابعًا: الدلالات العلمية والثقافية والوطنية للزيارة: إذا كانت الأحداث التاريخية تكتسب قيمتها من آثارها ونتائجها، فإن بعض المناسبات تحمل في ذاتها من الرمزية والدلالات ما يجعلها تتجاوز حدود زمانها ومكانها، لتصبح شاهدًا على مرحلة من مراحل تطور المجتمع، وصورةً معبرة عن منظومة القيم التي يقوم عليها. ومن هذا المنطلق، فإن زيارة الأمير تركي بن طلال للدكتور غيثان لا يمكن النظر إليها على أنها مناسبة أو  لقاءً اجتماعيًا عاديًا، وإنما تُعد  حدثًا ثقافيًا ووطنيًا يحمل دلالات متعددة، تتجاوز الأشخاص إلى المعاني التي يمثلونها.

وأولى هذه الدلالات أن الزيارة جاءت بمبادرة من سمو الأمير نفسه، وهي حقيقة تمنحها قيمة خاصة؛ إذ تعبر عن اهتمام القيادة بالتواصل مع أصحاب العطاء العلمي، وتؤكد أن الإنجاز الفكري يحظى بالتقدير والاعتزاز. ولم تكن المبادرة مرتبطة بمنصب أو مناسبة رسمية، وإنما انطلقت من تقدير صادق لمسيرة علمية طويلة، وهو ما يعكس ثقافة الوفاء التي عُرفت بها القيادة السعودية تجاه العلماء والمفكرين وأصحاب الإسهام الوطني.

وتبرز دلالة ثانية تتمثل في المكانة التي يحتلها العلم في المشروع الحضاري للمملكة العربية السعودية. فالدول التي تسعى إلى بناء مستقبلها لا تكتفي بتشييد العمران، بل تحرص على بناء الإنسان، وتعزيز المعرفة، وحفظ الذاكرة الوطنية. ومن ثم، فإن تكريم الباحثين والمؤرخين ليس تكريمًا لأشخاصهم فحسب، بل هو رسالة تؤكد أن البحث العلمي يمثل أحد دعائم التنمية، وأن المؤرخ يؤدي رسالة وطنية بحفظ تاريخ البلاد، وصيانة مصادره، وربط الأجيال بجذورها الحضارية.كما تؤكد هذه الزيارة أن الوفاء للعلماء في حياتهم يمثل قيمة حضارية رفيعة. فتكريم صاحب العطاء وهو يشهد أثر عمله في مجتمعه يختلف عن الاحتفاء به بعد رحيله، لأنه يحمل معنى الاعتراف بالفضل، ويمنح الأجيال الشابة نموذجًا عمليًا يدفعها إلى الإخلاص في طلب العلم، وإدراك أن المجتمع يقدر الجهد الصادق، ويحتفي بمن يخدم وطنه بعلمه وقلمه.

 ومن الدلالات المهمة كذلك أن هذه المناسبة أعادت إبراز دور المجلس العلمي في الحياة الثقافية السعودية. فقد ظل المجلس، عبر عصور التاريخ ، مؤسسة اجتماعية وعلمية في آن واحد، تلتقي فيه القيادات، والعلماء، والقضاة، والأدباء، وأهل الرأي، لتبادل المعرفة، والتشاور في القضايا العامة، وتقوية الروابط الإنسانية. وقد جاء هذا اللقاء امتدادًا لهذه التقاليد الأصيلة، حيث تحول المجلس إلى مساحة للحوار المسؤول، والنقاش الهادئ، وتبادل الخبرات، بعيدًا عن مظاهر الرسمية والتكلف.كما أبرزت الزيارة قيمة التوثيق العلمي للأحداث المعاصرة. فكثير من المؤرخين ينصرفون إلى دراسة العصور الماضية، في حين تبقى الأحداث التي يشهدونها دون تسجيل دقيق، فتفقد الأجيال اللاحقة جانبًا مهمًا من ذاكرتها التاريخية. ومن هنا، فإن إعداد دراسة علمية خصيصًا لهذه المناسبة، وتقديمها إلى سمو الأمير، ثم تدوين وقائع الزيارة وتحليلها، يمثل تطبيقًا عمليًا لمنهج التوثيق التاريخي الذي يبدأ من لحظة وقوع الحدث، ويمنحه صفة الوثيقة المعاصرة.

ومن أبرز الدلالات أيضًا أن الزيارة كشفت عن التكامل بين القيادة والنخبة العلمية. فقد جمع المجلس مسؤولًا يحمل هم التنمية والإدارة، وعلماء وباحثين يحملون هم المعرفة والتاريخ، في حوار اتسم بالعمق والاحترام، وتناول قضايا التعليم، والثقافة، والتنمية، والتاريخ، والشأن الوطني. وهذا التكامل يمثل أحد مقومات نجاح المجتمعات؛ إذ لا تستغني التنمية عن الفكر، ولا يغني الفكر عن واقع يترجم نتائجه إلى مشروعات وإنجازات.وتحمل المناسبة كذلك بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا واضحًا؛ فقد أتاح اللقاء لأفراد الأسرة، والأقارب، والحضور من مختلف الفئات، فرصة الالتقاء المباشر بسمو الأمير في أجواء يغلب عليها الود والتقدير، وهو ما يعكس النهج الذي تقوم عليه القيادة السعودية في القرب من المواطنين، والحرص على التواصل معهم، وتقدير المناسبات التي تعزز أواصر المجتمع.

أما من الناحية الثقافية، فإن تقديم الدراسة التاريخية، ثم إهداء مجموعة من المؤلفات إلى سمو الأمير، يؤكد أن الكتاب يظل أرفع الهدايا وأبقاها أثرًا؛ فهو يوثق المناسبة، ويحفظها للأجيال، ويحول اللقاء من حدث عابر إلى مادة علمية يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها في الدراسات المستقبلية. وهنا تتجلى رسالة الباحث الحقيقية؛ إذ يجعل من كل مناسبة نافذة لخدمة المعرفة، وإثراء المكتبة الوطنية، وإضافة مصدر جديد إلى تاريخ المنطقة.

ومن خلال هذه الدلالات مجتمعة، يتبين أن الزيارة لم تكن حدثًا منفصلًا عن مسيرة المملكة الثقافية، بل جاءت منسجمة مع توجهها نحو دعم المعرفة، والاحتفاء بالمتميزين، وتعزيز الهوية الوطنية، وربط التنمية بالثقافة، وإبراز دور الباحثين والمؤرخين في بناء الوعي المجتمعي. ولهذا فإن توثيقها لا يقتصر على حفظ ذكرى مناسبة كريمة، وإنما يسهم في تسجيل صورة مشرقة من صور العلاقة بين القيادة والعلم، ويقدم نموذجًا يحتذى في تقدير أصحاب الرسالة العلمية، وصيانة المكانة التي يحتلها العلم في نهضة الوطن.وبذلك تغدو هذه الزيارة صفحة مضيئة في سجل الحياة الثقافية بمنطقة عسير، ونموذجًا عمليًا يجسد التقدير المتبادل بين القيادة وأهل الفكر، ويؤكد أن التاريخ لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، بل تصنعه كذلك المبادرات الكريمة، والمواقف الصادقة، واللقاءات التي تترك أثرًا باقياً في الذاكرة الوطنية

خامسا:- النتائج والخاتمة: بعد استعراض خلفية الزيارة، وتوثيق وقائعها، وتحليل دلالاتها العلمية والثقافية والوطنية، يمكن استخلاص عدد من النتائج التي تمثل خلاصة هذه الدراسة، وتبرز مكانة هذه المناسبة في سياق التاريخ الثقافي المعاصر لمنطقة عسير.

1- أثبتت الدراسة أن الزيارة جاءت بمبادرة كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود، تعبيرًا عن تقديره للأستاذ الدكتور غيثان بن جريس، واعترافًا بما قدمه من جهود علمية امتدت لعقود في خدمة تاريخ المملكة العربية السعودية، ولا سيما تاريخ تهامة والسراة (  الباحة ، وعسير ، وجازان ، ونجران وغيرها  ) . وهذه المبادرة تمنح الزيارة خصوصية تاريخية؛ لأنها لم ترتبط ببرنامج رسمي أو مناسبة بروتوكولية، وإنما قامت على تقدير العلم وصاحبه.

2- بينت الدراسة أن المجلس لم يكن مجلس استقبال فحسب، بل تحول إلى مجلس علمي وثقافي متكامل، اجتمع فيه العلماء والباحثون والأكاديميون وأعيان المنطقة، وتناولوا قضايا التاريخ والثقافة والتنمية والتعليم والمجتمع، في حوار اتسم بالرصانة وسعة الأفق، مما أعاد التأكيد على الدور الحضاري للمجالس العلمية في المملكة العربية السعودية، كونها  فضاءات للحوار وتبادل الخبرات وتعزيز المعرفة.

3- أكدت الدراسة أن إعداد بحث علمي خاص بهذه المناسبة، وتقديمه إلى سمو الأمير، ثم توزيعه على الحاضرين، يعكس إيمان الباحث بأن أفضل ما يُهدى في مثل هذه اللقاءات هو نتاج الفكر والعلم، وأن الكتاب يظل الهدية الأسمى؛ لأنه يحفظ المناسبة في وثيقة مكتوبة، ويجعلها جزءًا من الذاكرة الثقافية، ومصدرًا يمكن أن يفيد منه الباحثون في المستقبل.

4- أبرزت الزيارة أن العلاقة بين القيادة والعلماء في المملكة العربية السعودية تقوم على الاحترام المتبادل والتقدير الصادق، وأن الدولة تنظر إلى العلماء والمؤرخين والباحثين بوصفهم شركاء في بناء الوعي والحضارة ، وحفظ الهوية التاريخية، وتعزيز الانتماء، وهو ما ينسجم مع النهضة العلمية والثقافية التي تشهدها البلاد في مختلف المجالات.

5-  تؤكد هذه الدراسة أهمية توثيق الأحداث المعاصرة توثيقًا علميًا، وعدم تركها عرضة للنسيان أو النقل الشفهي؛ لأن كثيرًا من الوثائق التاريخية التي يعتمد عليها الباحثون اليوم بدأت بتسجيل دقيق لأحداث زمانها، ثم أصبحت مع مرور الزمن مصادر أصيلة في كتابة التاريخ. ومن هنا، فإن توثيق هذه الزيارة يمثل إسهامًا في حفظ جانب من الذاكرة الثقافية لمنطقة عسير، ويضيف وثيقة يمكن أن يستفيد منها المؤرخون والباحثون مستقبلًا.

ومن خلال هذه النتائج يتضح أن القيمة الحقيقية لهذه الزيارة لا تكمن في مناسبة تكريمية فحسب، وإنما في ما حملته من رسائل علمية ووطنية، وفي الصورة الحضارية التي قدمتها عن العلاقة الوثيقة بين القيادة وأهل العلم، وعن المكانة التي يحتلها البحث العلمي في بناء المجتمع السعودي، وصيانة تاريخه، وتعزيز هويته.وايضا تؤكد المناسبة أن العلماء والباحثين يؤدون رسالة تتجاوز حدود التأليف والتدريس؛ فهم يسهمون في حفظ ذاكرة الوطن، وتوثيق أحداثه، وإبراز رجاله، وصيانة تراثه، وهو ما يجعل تقديرهم تقديرًا للعلم نفسه، ودعمًا لمسيرته، وتشجيعًا للأجيال الجديدة على مواصلة طريق البحث والإبداع.

وختامًا، فإن هذه الدراسة لا تقف عند حدود تسجيل وقائع زيارة كريمة، بل تسعى إلى إبراز معانيها ودلالاتها، وإضافتها إلى سجل التاريخ الثقافي لمنطقة عسير، على أنها  نموذجًا مشرقًا لتقدير القيادة للعلم، واحتفائها بأهله، وإيمانها بأن المعرفة هي أساس النهضة، وأن حفظ التاريخ جزء من بناء المستقبل.ونسأل الله تعالى أن يحفظ المملكة العربية السعودية، ويديم عليها أمنها واستقرارها ورخاءها، وأن يوفق قيادتها الرشيدة لكل خير، وأن يبارك في جهود العلماء والباحثين، وأن يجعل أعمالهم خالصة لوجهه الكريم، نافعة للوطن وأبنائه، إنه سميع مجيب،

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *