تستدعي الذكريات بعضها بعضاً، تثيرُ شجون الأمس أولئك الذين عاشوا تلك الحقبة ويعيدُ كلُ حدثٍ منها رسم الماضي بشيءٍ من الحنين، وليس ما أعنيه هنا حنين الشقاء ولله الحمد الذي أنعم علينا وأكرمنا، بل حنين الإنسان للإنسان، لحنان الأم الذي نظلُ أمامه أطفالاً مهما كبرنا، لشقاء الأب وهيبته وعنفوانه الذي لا يشبهه شيء، لصوت الأخ الذي يناديك وتناديه، وأفراد القرية الذين كنا نعيش يومنا معهم من صلاة الفجر في مسجد القرية إلى الوادي والبيت وكأننا لا نفترق عن بعضنا ولا نختلفُ إلا حين يسدلُ الليل أستاره، إلا أن هذه الهموم اليومية، والشقاء والتعب لنيل لقمة العيش ومكابدة الحياة لا يعني أننا لم نكن نعيشُ هموم العالم من حولنا ونتأثر بها ونتفاعل معها.
ولعل من أبرز ما بقي في الذاكرة وتردد صداه لعقود طويلةٍ من حياتي (فلسطين)، المسجد الأقصى، واليهود، والمذابح، والفلسطينين الذين شردوا من ديارهم، أسماء الأبطال الذين خرجوا من كافة القرى التي حولنا جعلت المشهد أسطورةً حية في ذاكرتنا جميعاً، وبقيتُ طيلة عمري أستمع إلى أحاديثهم وقصصهم وكأنني أستمع اليها أول مرة، فقد شاركت المملكة في ذلك الوقت بأمر من الملك عبدالعزيز رحمه الله واستجاب الناس لأمره فتدفق الفرسان من كل حدبٍ وصوب ، وحينما تدقق في أسمائهم ومناطقهم اليوم لا تكاد تجدُ قبيلةً أو منطقة إلا وقد كان لرجالها حظاً من هذه البطولة، ممن أذكر أنهم نالوا شرف هذه المشاركة من حولنا خالي مغرم بن عمره، وصالح بن حنفان، وفايز بن مناع، وعلي بن محمد بن مصلح والد اللواء محمد قائد المنطقة الجنوبية السابق، وأخيه مغرم، وأحمد الصدام، وعبدالله بن سفر وعبدالله بن عاطف وجمعان بن عبدالرحمن رحمهم الله جميعاً وكتب لهم أجر جهادهم، عادوا إلينا وإن كنت حينها صغيراً لا أتذكر العودة إلا أنني عشتُ سنوات طويلة وأنا أستمع إلى الكثير من تفاصيل مشاركتهم، وأحداث الذهاب والعودة، وقد بلغوا جميعاً مناصب قيادية بعد عودتهم إلا والد اللواء محمد الذي أصيب رحمه الله في تلك الحرب ولم يتمكن من اكمال مسيرته معهم، لكن الله كتب لأخي محمد ابنه التوفيق ووصل في حياته العسكرية ما فاق به من قبله، العوض من الله كما يقولون وما أجمل العوض إن كان في الولد.
كنت صغيراً حينها عام 1367هـ تقريباً لا أذكر تفاصيل العودة إلا أن عدداً من الاخوة الفلسطينينالذين شردتهم
مع احتفالات الذكرى الذهبية التي اختتمت بها الحلقة السابقة عاد أولئك الأبطال المشاركين في تلك الحرب، كانوا في صدارة المشهد دائماً، وسام البطولة والحرب والغربة البعيدة وأثار الإصابة في المعارك وسامٌ لا يعادله وسام، وأذكر أن أحد احتفالات الختان التي كان فيها صالح بن حنفانأحد كبار رجالات القبيلة ووجهائها، وأحد قبلة الكرم للجماعة في مدينة الطائف، وأحد أبطال حرب فلسطين وشجعانها حاضراً والشاعر جوهر الزيدانيرحمه الله كان يمدح الحاضرين، وكان قد أمّل منه ولو بكسوة يسيرة لكنها غابت عن ذهن المقصود ولم تمت في قلب الشاعر، فقال رزفة يُلمحُ فيها إلى صالح لعله يدرك المطلوب، وتنبه صالح للمقصودوأسرع لتلافي الموقف في حينه فاستلف من أحد الحاضرين وكسى جوهر ولأن الشاعر لا يعجز عن قلب الموازين إذا رضي وإذا غضب فقد نقض جوهر رحمه الله في سرعة بديهة رهيبة رزفته الأولى مباشرة فقال
جيت وأحضر في مراسمكم … لا تكاره ولدك الصالح
أسوقُ هذا المشهد وأنا مازلت أعجبُ من سرعة ردة فعل صالح رحمه الله وقدرة جوهر على تغيير المعنى وتحويل المشهد في دقائق معدودة.
ومن الذكريات التي أدركها جيداً في تلك الفترة وفاة الأمير منصور بن عبدالعزيز رحمه الله عام 1370هـ كان الأمير منصور في ذلك الحين وزيراً للدفاع لكنه كان في المجالس ومخيلة الشعب أكبر من ذلك فقد كان رمزاً للجيش، وصاحب شخصية كاريزمية يتحدثون عنها بشيءٍ من التقدير والإجلال، وأذكر أنني في حينها كنت قد أصبت بشيءٍ من الذهول فقد كان يدور في ذهني لكثرة حديثهم عنه تساؤلاً كيف يموت ابن سعود، وكم أضحكني هذا التساؤل فيما بعد عندما عرفت طبيعة الحياة وعلمتُ سنة الله في خلقه.


التعليقات