هل نحن أحرار حين نمسك بهواتفنا، أم أننا نُحرَك بخيوط لا نراها؟
هذا سؤال فلسفي عميق يطرح نفسه في زمننا هذا، لا يمكن تجاوزه بمجرد التقاط صورة أو إعادة توجيه مقطع. فمنذ أن أقسم إبليس بعزة ربه أن يُغوي بني آدم أجمعين، كان سعيه الدائم نحو سلاح أرهف من السيف وأخطر منه: الكلمة المنقولة، والصورة المقتطعة، والهمس المُعاد توزيعه. غير أنه لم يجد لهذا السلاح وسيلته الكاملة إلا اليوم، في وسائل التواصل الاجتماعي التي وزعت الهمس على آلاف المتابعين في لحظة واحدة، فوجد فيها ما لم يجده في كل تاريخه الطويل مع الإنسان.
إن غواية إبليس الكبرى في هذا العصر ليست غواية الفاحشة الصريحة التي يتحاشاها المؤمن بفطرته، بل هي غواية النميمة المستترة بثوب المعلومة، والغيبة المتنكرة في هيئة التعليق، والبهتان الذي يسافر بسرعة الضوء بينما يظل التكذيب يمشي على قدميه.
الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يبحث عن الانتماء، وفي خضم بحثه تكمن ثغرته الأولى: فحين تعرض عليه الخوارزمية ما يثير غضبه أو فضوله أو شماتته، ينسى للحظة أنه ليس مجرد مشاهد بل هو فاعل، وأن إعادة الإرسال فعل أخلاقي له وزن يوم الحساب. وهو لا يعلم أنها خوارزميات صُممت خصيصاً لتتغذى على الانفعالات البشرية الحادة وتستثمر في فضوله.
والمفارقة الفلسفية المؤلمة أن هذه الأدوات جاءت في الأصل لتوسيع أفق الإنسان، فإذا بها تُضيِّق عالمه حتى لا يرى فيه إلا ما يقوله فلان وما يفعله علان. وهذا ما أسماه المفكر الفرنسي غي ديبور، في كتابه الشهير عن نقد المجتمع الاستهلاكي، “مجتمع الاستعراض”، حين تحل الصورة محل الحقيقة، ويحل التعليق محل التفكير، ويصبح الوجود مجرد حضور رقمي لا صلة له بالجوهر. غير أن ما لم يدركه ديبور هو البُعد الروحي لهذه الظاهرة: أن الانشغال بالناس على حساب النفس ليس خللًا نفسيًا فحسب، بل هو انتكاسة وجودية تُبعد الإنسان عن أشد ما يحتاجه، وهو أن يقف أمام مرآة ضميره ويسأل: ماذا فعلتُ بنفسي؟
حين ذكر ابن القيم خطورة تعلق القلب بما لا ينفع، وأن القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، نعي تمامًا أن قلوب كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في هذا العصر أصبح تعلقها بتلك المواقع مرضًا يستنزف طاقتها من خلال النقل والمتابعة والتعليقات، ولا يبقى فيها من الطاقة ما يكفي لمحاسبة النفس أو إصلاح البيت أو بر الوالد أو تربية الولد. والشيطان في هذا كله لا يحتاج إلى جهد، فقد أوجد البشر أنفسهم الفخ وجلسوا فيه طوعًا، بل وأضافوا إليه زينة ومتعة حتى أصبح السجن لا يبدو سجنًا.
ولو أن أحدنا توقف لحظة واحدة ليسأل نفسه: كم ساعة أمضيتُ اليوم في هذا الهدر الذي لا يُحده مدى، ثم تساءل في المقابل: ماذا لو أنفقتُ ولو جزءًا يسيرًا من هذا الوقت في تلاوة ما تيسّر من كتاب الله، أو في قراءة كتاب نافع، أو في زيارة قريب تفرّقت به السبل، أو في تفقّد أحوال الوالدين والأبناء؟ لأدرك أن الفوائد التي تنتظره في تلك الدقائق المُسترَدّة لا يعرفها حق المعرفة إلا من ذاقها وعاشها، فالنفس التي تُغذَّى بالمعنى لا تعود تشبع بالضجيج.
والخروج من هذا الفخ لا يكون بكسر الهاتف ولا بالانعزال عن العصر، فذلك هروب لا حكمة. الخروج يكون بإعادة السيادة إلى العقل والضمير على الشاشة والخوارزمية، بأن يسأل الإنسان قبل كل مشاركة: هل هذا حق؟ هل تثبّتُ منه؟ هل في نشره نفع أم هو مجرد وقود لنار لا تدفئ أحدًا؟ وأن يُدرك أن انشغاله بإصلاح نفسه وأهله هو الجهاد الحقيقي في هذا الزمن، أما ركب القيل والقال فقد سافر من قبله ألف راكب ولم يصل واحد منهم إلى خير.


التعليقات