الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ الموافق ٦ محرم ١٤٤٨ هـ

مصر التي رأيت ” رحلة في قلب التاريخ ونبض الحياة” – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري

مصر التي رأيت ” رحلة في قلب التاريخ ونبض الحياة” – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري
 
حين هبطت الطائرة على أرض القاهرة لم تهبط على مدرج من الإسمنت فحسب، بل هبطت على صفحات من التاريخ وكتاب عمره آلاف السنين.. فعندما سافرت إلى مصر لم أكن باحثاً عن صور تذكارية، بل باحثاً عن تاريخ عظيم طالما قرأت عنه وسمعت به في حكايات الزمن الجميل. ولقد كنت أظن قبل كتابة هذا المقال بأن الحبر سيخجل أمامها، وأن الكلمات ستتزاحم على أبوابها فلا تجد مدخلاً فكيف يكتب العاشق عمن أحب وهي كل قصائده؟
 
لقد بدأت رحلتي من القاهرة، العاصمة والمدينة التي لا تنام، ووقفت أعلى برج القاهرة أنظر إلى النيل وهو يشق المدينة كشريان حياة لا ينضب، وشاهدت الأهرامات البعيدة كأنها حراس صامتون، والمآذن تتنافس في عناق السماء، والزحام الذي هو دليل حياة لا فوضى. بقيت فيها مابقيت حتى هربت من صخب الحداثة إلى المقاهي العتيقة في وسط البلد وجلست في مقهى عريق، على كرسي خشبي وطاولة تفوح منها رائحة الشاي بالنعناع، والقهوة التي تزخر بأجود أنواع البن، وضحكات الرواد… كل شيء في هذا المقهى يحكي عن نجيب محفوظ، وعن ليالي سهر فيها العظماء.. وحينها شعرت أني أشرب من فنجان التاريخ نفسه.
 
من القاهرة اتجهت شمالاً إلى دمياط، مدينة الأثاث والذوق الرفيع. لكن وجهتي الحقيقية كانت رأس البر، حيث يلتقي نهر النيل العظيم بمياه البحر المتوسط في مشهد مهيب. وقفت والماء من أمامي لونه أزرق، ومن خلفي لونه يميل إلى الخضرة. نهر عمره آلاف السنين يعانق بحراً لا حدود له. في تلك اللحظة أدركت معنى “المصب” ليس جغرافياً فقط، بل مصب الحضارات كلها.. والأهم من هذا وذاك أهلها الكرماء، وكأن الكرم لديهم وراثة فرعونية.
 
ثم كانت الإسكندرية.. مدينة الإسكندر الأكبر، حيث مشيت على كورنيشها والبحر يضرب الصخور بغضب المحب العاشق. زرت فيها قصر المنتزه، قصر الملك فاروق الأخير بين أشجار الصنوبر والحدائق الملكية، ووقفت أتأمل القصر الأبيض الذي شهد نهاية حقبة وبداية تاريخ جديد.. الإسكندرية لا تشبه باقي مصر.. لهجتها فن، وبحرها حكاية، ونسيمها دواء. هناك نظرت إلى الموج، وفهمت لماذا عشقها اليونانيون والرومان والعرب على مر العصور.
 
رحلتي لم تكتمل إلا بزيارة كفر الشيخ، قلب الدلتا النابض. حيث عبرت الطريق الزراعي، وعلى جانبيه مزارع لا ينتهي مداها، وحقول القمح تتمايل كالبساط الأخضر، وأشجار الموالح تملأ الجو بعطرها الفواح. وزرت مركز الحمول، وشاهدت المزارعين وهم يتعاملون مع الأرض كأنها أمهم أو أحب مالديهم. ووجدت بساطة الناس وتواضعهم، وكرمهم، وحديثهم الصادق عن كل ضيف يشرف منازلهم الطيبة. وايقنت بعدها بأن “كفر الشيخ” علمتني أن عظمة مصر ليست في أبراجها فقط، بل في سنبلة قمح يزرعها فلاح مصري أصيل.
 
وفي نهاية زيارتي أدركت بأن مصر لا تزار، بل مصر تقرأ، وكل شارع فيها سطر، وكل وجه حكاية، وكل أذان يعلو من مئذنة قديمة هو فاصلة بين فصل وفصل من فصول المجد.. لقد رأيت القاهرة بجبروتها، ودمياط بهدوئها، والإسكندرية بجمالها، وكفر الشيخ بخيرها. رأيت نيلاً لا يشيخ، وبحراً لا يُمل، وناساً قلوبهم أوسع من صحرائهم، وعدت من رحلتي هذه وأنا أحمل إحساساً واحداً.. أن مصر أكبر من أن توصف، وأعمق من أن تختصر.. فما رأته العين أعجبني، وما لمسته الروح أحبته، ولا تسألني ماذا رأيت بل اسألني ماذا فقدت.. فقدت قدرتي على الرحيل دون أن أترك جزءاً من روحي عند كل موقع مريت به.
 
وفي ختام مقالي، سأغير عنوانه ولن يكون بعد اليوم “مصر التي رأيت”، بل سيكون “مصر التي أحببت” و سأعود إليكِ يا مصر، ليس سائحاً، بل عاشقاً يزور من أحب. فاعذريني” إن قصرت كلماتي.. فما يكتب عن الأم إلا حبها، وما أنا إلا ابن عاد إلى حضنها متأخراً.

التعليقات

5 تعليقات على "مصر التي رأيت ” رحلة في قلب التاريخ ونبض الحياة” – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري"

  1. محمد ابوهياف
    .
    ابو زياد متعك الله بالصحة كتبت بما يليق بمدن بمصر التي زرتها وتبقى مصر العرب ارض الحضارة التي شمل قلمك جزاء منها ابدعت سلمت اناملك

  2. علي العمري
    .
    صح لسانك وسلمت اناملك كفيت ووفيت بارك الله فيك

  3. ظافر الشهري
    .
    اسعدك الله ابا زياد عندما نقلتنا بجميل بوحك من قريتي الظهارة الى ضفاف النيل العظيم والى مصر التي احببتها وكل شيء فيها منذ زرتها اول مرة قبل بضعة عقود ولا زلت اكرر زيارتها كلما سنحت لي الفرصة ولم ولن امل من ذلك … ففي مصر ستجد التاريخ يسير معك اينما ذهبت وتجد الطيبة والروح اللطيفة اينما اتجهت .. اسعدك الله ورعاك

  4. محاسب فؤاد غازي
    .
    صاحب الفضيلة وكريم الاصل الاستاذ محمد العمري،،، شرفت ام الدنيا وزدت نورها نورا ولن ننسي دثامة خلقك ونبل عشرتك،،، ونحن أمة واحدة وقبلة واحدة وقلب واحد،،، أفاض الله علينا جميعا من واسع نعمه وكريم فيوضاته،،،

  5. أبا بدر الاسمري
    .
    حقيقة من يقراء يسافر لمصر مع كتابتك الجميلة أيها الكاتب الجميل أ.محمد لقد رسمت الصور الجمالية في داخل العبارات الكتابية بشكل دقيق ///
    ننتظر المزيد من الصور البلاغية الجميلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *