الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ الموافق ٣١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

محافظة النماص .. تفتقر الى التوزيع العادل للمتنزهات والمواقع السياحية

محافظة النماص .. تفتقر الى التوزيع العادل للمتنزهات والمواقع السياحية

‫النماص لا تنقصها المواقع… بل توزيع القرار


صحيفة النماص اليوم – محمد علي آل يتيم الشهري :

حين تمتد محافظة النماص على شريط سياحي يقارب 22 كيلومترًا فوق قمم السروات، فإن الطبيعي أن تُدار هذه المساحة بمنطق التوزيع لا التمركز، وبفلسفة تنظر إلى الجغرافيا بوصفها فرصة تشغيل لا مجرد خلفية طبيعية. غير أن الواقع يكشف صورة مغايرة؛ إذ يتركز النشاط السياحي والفعاليات الموسمية في نطاق لا يتجاوز 7 كيلومترات تقريبًا داخل ممشى الضباب، بينما تبقى معظم مساحات المحافظة خارج دائرة الفعل السياحي الحقيقي.

هذا التمركز الحاد لا يثير سؤال “أين الزوار؟” بقدر ما يفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف تُدار سياحة في محافظة بهذا الاتساع والتنوع بمنطق نقطة واحدة؟ ومن الذي قرر عمليًا أن تتحول النماص إلى مساحة تُختزل في جزء محدود من جغرافيتها؟

ومع كل موسم صيفي يتكرر المشهد ذاته: ازدحام مروري خانق داخل نطاق ضيق، واكتظاظ يضغط على الخدمات والبنية التحتية، في مقابل مساحات واسعة هادئة، رغم أنها لا تقل جمالًا ولا جاهزية. هذا التباين لا يمكن تفسيره بندرة المقومات، بل بوضوح خلل في توزيع الاستثمار والفعاليات على مستوى الجغرافيا.

خذ مثلًا منتزه شعف بني مشهور؛ موقع يتمتع بإطلالات بانورامية على تهامة، وبيئة جبلية مفتوحة، وأجواء ضبابية متكررة، إضافة إلى جاهزية مقبولة من الخدمات الأساسية. ومع ذلك، لا يزال حضوره في المشهد السياحي هامشيًا مقارنة بإمكاناته، وكأنه موجود جغرافيًا لكنه غائب تشغيلًا واستثمارًا.

وفي قلب المنطقة أيضًا يقف سد بني بكر كمثال آخر على مواقع قابلة للتحول إلى وجهات سياحية وبيئية فاعلة، إلا أنها تظل خارج دائرة التفعيل، في وقت تُستنزف فيه طاقة الاستيعاب في نطاق واحد فقط.

المفارقة هنا لم تعد في ندرة المواقع، بل في تعطيل وفرة واضحة. فالمحافظة لا تعاني من غياب الوجهات، بل من غياب توزيعها. وكل موقع غير مفعّل على امتداد هذا الشريط السياحي لا يمثل مساحة غير مستخدمة فحسب، بل يمثل فرصة اقتصادية وسياحية مهدرة، كان يمكن أن تعيد تشكيل خريطة الحركة بالكامل.

إن استمرار تركيز الفعاليات في نقطة واحدة قد يحقق ازدحامًا رقميًا أو حضورًا مؤقتًا، لكنه على المدى الطويل ينتج ضغطًا مزمنًا على البنية التحتية، ويخلق تشوهًا في التجربة السياحية، ويختزل محافظة واسعة الإمكانات في واجهة واحدة فقط.

والسياحة في النماص، منذ عقود، تُدار بمنطق مركزي شديد الوضوح؛ مركزية جعلت القرار السياحي يميل إلى التكديس بدل التوزيع، وإلى التركيز بدل التوسع، وإلى إعادة إنتاج نفس المشهد كل موسم، رغم اتساع البدائل وتعددها.

السؤال اليوم لم يعد يتعلق بجذب الزوار، فالنماص نجحت في ذلك بوضوح، بل يتعلق بقدرتها على إدارة هذا النجاح. هل يُدار الإقبال بما يوازي حجم الجغرافيا؟ أم يُترك ليتكدس في مساحة محدودة بينما تتحول بقية المناطق إلى هوامش صامتة خارج المشهد؟

كل كيلومتر غير مفعّل من أصل 22 كيلومترًا ليس مجرد فراغ تنظيمي، بل هو فقدان مباشر لفرصة تنموية وسياحية كان يمكن أن تغيّر شكل الموسم بالكامل، وتخفف الضغط، وتخلق مسارات جديدة للاقتصاد المحلي.

ومن هنا تصبح إعادة رسم خارطة الفعاليات والاستثمار ضرورة لا خيارًا؛ ليس عبر إضافة مواقع شكلية، بل عبر إعادة توزيع الحضور السياحي فعليًا، وفتح نطاقات تشغيل جديدة، ودمج مواقع مثل منتزه شعف بني مشهور وسد بني بكر في قلب المشهد لا على أطرافه.

فالنماص لا تعاني من نقص في المقومات، بل من مركزية في القرار السياحي. وبين 22 كيلومترًا من الفرص و7 كيلومترات من التشغيل، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى تُدار الجغرافيا الواسعة بعقل نطاق ضيق

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *