الإثنين ١ يونيو ٢٠٢٦ الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

حين أرادوا للشرق أن يحترق – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

حين أرادوا للشرق أن يحترق – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

التاريخ ليس مجرد حبرٍ على ورق، بل مرآة تكشف كيف تتكرر الصراعات ذاتها بأسماء وأقنعة مختلفة. وقبل أكثر من قرن، وُضعت المنطقة أمام واحدة من أكبر عمليات الخداع الاستراتيجي في تاريخها؛ إذ جرى دفع إمبراطورية كبرى، عبر الإغراءات والضغوط والتحريض السياسي، إلى خوض حرب لم تكن في حقيقتها حربها. وكانت النتيجة تفكك المشرق العربي، وضياع فلسطين، وتحول المنطقة إلى ساحة نفوذ تتقاسمها القوى الكبرى.

واليوم، ونحن في العام 2026، يبدو أن كثيرًا من أدوات السياسة الدولية لم تتغير، وإن تبدلت الأساليب والوجوه. فثمة قوى دولية وإقليمية ترى في إشعال مواجهة كبرى في الشرق الأوسط فرصة لإعادة تشكيل موازين المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، حتى لو كان الثمن استنزاف الجميع.

وفي قلب هذا المشهد، تتزايد محاولات دفع المملكة العربية السعودية نحو مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة مع إيران؛ مواجهة قد لا يخرج منها أحد منتصرًا، بينما يخرج الجميع أكثر إنهاكًا وضعفًا وتبعية.

فالمنطق الجيوسياسي البارد يكشف أن بعض القوى لا تبحث بالضرورة عن حماية أمن المنطقة كما تزعم، بقدر ما تسعى إلى استنزاف قوتين إقليميتين كبيرتين في آنٍ واحد: إنهاك المشروع الإيراني عسكريًا وسياسيًا، وفي الوقت ذاته تعطيل الصعود الاقتصادي والتنموي السعودي، وإغراق المنطقة مجددًا في دوامات الفوضى والاعتماد على الخارج.

يريدون إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم تستنزف مقدراتها، بينما تستفيد القوى الكبرى من استمرار الحاجة الأمنية والاقتصادية والسياسية إليها.

غير أن ما لم تدركه تلك الحسابات، أن المملكة العربية السعودية لم تعد تتعامل بعقلية ردود الفعل أو الاندفاع العاطفي خلف الاستفزازات والضغوط. فقد أظهرت السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة قدرًا عاليًا من الوعي الاستراتيجي، يقوم على إدراك أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُفرض بالقوة المباشرة، بل تلك التي يُدفع إليها الخصوم دفعًا حتى يستهلك بعضهم بعضًا.

ومن هنا جاء التحول نحو التهدئة الإقليمية، واتفاق بكين، ومسارات تصفير الأزمات، باعتبارها جزءًا من رؤية سياسية تسعى إلى حماية الداخل، وتغليب الاستقرار، ومنع تحويل المنطقة إلى مسرح دائم للصدامات الكبرى.

وهذه التهدئة مع إيران لا تُبنى على ثقةٍ مطلقة، ولا على تجاهل الخلافات العميقة، بل على إدراكٍ بأن إدارة الخصومات بعقلانية أقل كلفة من الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

لقد سحبت الرياض الذرائع من أيدي المحرضين، وأعادت ترتيب أولوياتها على أساس أن بناء الاقتصاد، وتعزيز التنمية، وحماية الإنسان، هي المعركة الحقيقية التي يجب كسبها. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على ” تجنب الحروب ” التي يراد لها أن تستنزفها.

واليوم بات واضحًا أن المملكة تتجه نحو ترسيخ نموذج سياسي يقوم على التوازن، وبناء القوة الذاتية، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية، وإدارة التحديات بأدوات متعددة، لا بمنطق المواجهة الدائمة.

إن حماية المنطقة لا تكون بالاندفاع إلى معارك صيغت حساباتها في مراكز النفوذ الدولية، بل ببناء القوة، وإغلاق الثغرات، وتعزيز الاستقرار، وإفشال محاولات جرّ المنطقة إلى صدامات طويلة لا تخدم سوى من ينتظرون إعادة رسم الخرائط على أنقاض الدول المنهكة.

ولهذا تبدو السعودية اليوم أكثر تمسكًا بمنطق الدولة، وأكثر إدراكًا أن بناء الأوطان، وحماية الاستقرار، وتغليب العقل، ليست مواقف رمادية أو مترددة، بل شكلٌ آخر من أشكال القوة السياسية والاستراتيجية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *