السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦ الموافق ١٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

انهيار الهرم – بقلم اللواء محمد حسن آل شفلوت العمري

انهيار الهرم – بقلم اللواء محمد حسن آل شفلوت العمري

في السنوات الأخيرة لم نُعد نخشى من انهيار الاقتصاد أو ضعف التنمية بل أصبح الخوف الحقيقي من انهيار ذلك الهرم الذي تقوم عليه حياة الإنسان واستقراره ذلك الهرم الذي لا يُرى بالعين لكنه يُرى في السلوك والأخلاق والعلاقات والطمأنينة.

لقد عرف الناس عبر التاريخ أهراماً كثيرة بعضها بُني من الحجارة وبعضها بُني من القوة وبعضها بُني من المال لكن الهرم الثالث كان مختلفاً لأنه بُني من القيم ومن احترام الإنسان ومن ترابط الأسرة ومن الحياء ومن الوفاء ومن الرحمة ومن شعور الإنسان بأن هناك شيئاً يحمي روحه قبل أن يحمي جسده.

وحين يبدأ هذا الهرم بالانهيار لا يسمع الناس صوت سقوطه لكنهم يرون آثاره في كل مكان يرونها في العقوق وفي الجفاء وفي تفكك العلاقات وفي قسوة النفوس وفي تحوّل الإنسان إلى كائن يعيش لنفسه فقط لا يرى غير مصلحته ولا يشعر بوجع الآخرين.

لقد أصبح كثير من الناس يملكون كل شيء إلا الطمأنينة ويعيشون وسط الزحام لكنهم يشعرون بالوحدة ويقتربون من بعضهم في المسافات لكنهم يبتعدون في القلوب حتى أصبحت العلاقات تُقاس بالمصلحة وأصبح الصدق عملة نادرة وأصبح الوفاء يختفي شيئاً فشيئاً.

إن انهيار الهرم الثالث لا يحدث فجأة بل يبدأ حين تضعف القيم داخل البيت وحين يغيب الحوار وحين ينشغل الآباء عن الأبناء وحين تتراجع القدوة وحين يصبح المال أهم من الإنسان والمظاهر أهم من الجوهر.

ومع ذلك فإن الأمل لا يزال قائماً لأن بناء هذا الهرم لا يحتاج إلى قرارات كبرى بقدر ما يحتاج إلى عودة الإنسان إلى إنسانيته وإلى إعادة الاعتبار للأخلاق وللرحمة ولصلة الرحم وللكلمة الطيبة وللضمير الحي.

فالمجتمعات لا تسقط حين تضعف مادياً بل تسقط حين تفقد قيمها وحين ينهار داخلها ذلك الهرم الخفي الذي كان يمنحها التوازن والمعنى والأمان …

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *