الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

أولًا: مدخل: قمتُ خلال خمسة أيام، من يوم الأحد إلى يوم الخميس (٢–٦ / ١١ / ١٤٤٧هـ)، الموافق (١٩–٢٣ / ٤ / ٢٠٢٦م)، بجولةٍ ميدانية في عددٍ من المحافظات والمراكز الواقعة بين مكة المكرمة وتهامة عسير، في نطاق جغرافي يُعدّ من أهم أقاليم جنوب المملكة العربية السعودية من حيث الامتداد التاريخي والحضاري.ومن تلك المحافظات التي زرتُها، وتجولتُ في ربوعها : الليث والقنفذة على الساحل، وكذلك عند سفوح السروات الغربية من الجنوب إلى الشمال، حيث زرت محافظات: العرضيات، وغامد الزناد، والمخواة، وقلوة، والحجرة، وأضم.وكل هذه النواحي – ما عدا محافظة أضم – قد زرتُها مراتٍ عديدة خلال هذا القرن (الخامس عشر الهجري/العشرين والحادي والعشرين الميلادي)، وكتبتُ عن بعضها مقالاتٍ وبحوثًا عديدة، وجميعها مطبوعة ومنشورة ورقيًا ورقميًا في (موسوعة القول المكتوب في تاريخ الجنوب )  وغيرها من المؤلفات، وهي تمثل رصيدًا علميًا مهمًا في دراسة تاريخ هذه الأقاليم.وفي هذا المدونة  أدوّن بعض الذكريات والانطباعات -4 – والتوصيات التي خرجتُ بها في هذه الرحلة القصيرة، مستفيدًا من خبرة ميدانية متراكمة، ومشاهدات مباشرة في الواقع الجغرافي والاجتماعي. ثانيًا: بعض الذكريات والمشاهدات ١- التركيبة الجغرافية والسكانية:              كلُّ المحافظات الآنف ذكرها تقع في الديار التهامية، ومعظمها توجد إلى الداخل عند سفوح السروات الغربية، ما عدا الليث والقنفذة الواقعتين على ساحل البحر الأحمر. ومناخ هذه الديار حارٌّ صيفًا، ومعتدلٌ شتاءً، وتتنوع تضاريسها من أودية كبيرة وصغيرة، وجبال، وهضاب، وغابات، وموانئ، وجزر في البحر الأحمر، كما تتنوع ثرواتها النباتية والحيوانية، وتسقط عليها الأمطار في أوقات متفرقة من السنة، وأحيانًا تظهر فيها موجات من الغبار. وهذه المحافظات التهامية متجاورة جغرافيًا، وتتداخل في حدودها، لكنها محدودة من الشمال بمكة المكرمة وتهامة الطائف، ومن الجنوب تهامة منطقة عسير، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشرق جبال السروات الممتدة من بلاد بني مالك شمالًا إلى بعض محافظات عسير السروية الشمالية.ولو تحدثنا عن جغرافية كل محافظة، فقد تحتاج إلى عشرات الصفحات حتى نفصّل الحديث عن موقعها وأحوالها الجغرافية الطبيعية، لما تتميز به من تنوع بيئي وحضاري واسع.          أمّا سكّانها، فمعظم قبائلها عربية قحطانية وعدنانية، ولا تخلو من أجناسٍ غير عربية جاءوا إليها منذ زمنٍ بعيد، واستقرّوا فيها، وصاروا جزءًا رئيسيًا من مجتمعها.وفي العقود الأخيرة، وفد إلى المملكة العربية السعودية عناصر بشرية كثيرة عربية وإسلامية وأجنبية، من أجل العمل في قطاعات حضارية عديدة، وهم حاليًا يعيشون في هذه البلاد كأيدٍ عاملة، وأعدادهم ليست قليلة. -5 –          ويُلاحظ من خلال هذا التكوين السكاني تنوّعٌ واضح في البنية البشرية لتهامة، إذ تمثّل القبائل العربية الأصل التاريخي والاجتماعي للمنطقة، في حين أسهمت الهجرات القديمة والحديثة في إضفاء طابعٍ من التعدد الثقافي والمهني، وهو ما انعكس على أنماط المعيشة والنشاط الاقتصادي. كما أن ارتباط هذه المحافظات بالمراكز الحضرية الكبرى، وقربها من الساحل، ووقوعها على طرق حركة تاريخية وحديثة، جعلها بيئة جاذبة للعمالة الوافدة، خاصة في مجالات الزراعة، والصيد البحري، والخدمات، وبعض الأنشطة التجارية. ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذا التنوع البشري ساعد  في تنشيط الحركة الاقتصادية، وتوسيع مجالات العمل، إلا أنه في الوقت نفسه يطرح بعض التحديات المرتبطة بتنظيم سوق العمل، والتوازن بين المكوّن السكاني المحلي والوافد، وهو ما يتطلب تخطيطًا تنمويًا متوازنًا يراعي الخصوصية التاريخية والاجتماعية للمنطقة. ٢- نبذة تاريخية؛            هذه النواحي ذات تاريخٍ قديم؛ فهي مستوطنات بشرية منذ آلاف السنين، والمصادر الأثرية المادية السطحية والمدفونة تؤكّد أنها مسكونة بالبشر منذ عصورٍ قديمة، وكذلك أشارت المصادر والمراجع العربية والأجنبية إلى لمحاتٍ من تاريخها خلال العصور الإسلامية المبكرة والوسطى. وهناك بعض الوثائق الحديثة العربية والأجنبية التي ذكرت شذراتٍ من تاريخ أهل البلاد خلال القرون الخمسة الماضية، من القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر الهجري (من القرن السادس عشر إلى القرن الحادي والعشرين الميلادي).وإذا دققنا في التاريخ المحفوظ والمدوَّن في دراساتٍ علمية رصينة وجادة، وجدنا أنها ما زالت غير مخدومة في هذا الباب، وربما كان انزواؤها أو انعزالها عند سفوح جبال السروات، ووقوعها بين حواضر الحجاز واليمن الكبرى، سببًا في أن يتجنبها -6 – المؤلفون وأرباب القلم، فلم يدوّنوا تاريخها وحضارتها خلال العصور القديمة والماضية حتى القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي). وبعد دخولها تحت مظلة الدولة السعودية الحديثة، تم الاهتمام بها في جوانب  حضارية وتنموية كثيرة، مع أن تدوين وحفظ تاريخها وتراثها وموروثها وحضارتها في العصر الحديث ما زال دون المأمول.          ونرى  أن إشكالية كتابة تاريخ هذه النواحي لا تعود إلى غياب المادة التاريخية بقدر ما ترتبط بطبيعة البيئة الجغرافية والاجتماعية؛ إذ إن المناطق الواقعة عند سفوح الجبال، وبين أقاليم كبرى، غالبًا ما تكون مناطق عبور أو أطراف، فلا تحظى بالعناية نفسها التي تنالها الحواضر المركزية. كما أن اعتماد كثير من الدراسات القديمة على المراكز السياسية والاقتصادية الكبرى أسهم في تهميش الأقاليم الطرفية، رغم ما تمتلكه من عمق حضاري وتراكم بشري طويل. ومن جهة أخرى، فإن ما يتوافر من شواهد أثرية، وروايات محلية، ووثائق متفرقة، يشير إلى إمكان بناء مشروع علمي متكامل لكتابة تاريخ تهامة والسروات، قائم على الجمع بين المصادر التراثية، والعمل الميداني، والدراسات الأثرية، وهو ما يمثّل مجالًا خصبًا للباحثين في التاريخ والحضارة. ٣- صور من التاريخ الإداري:             المعروف عن عموم قبائل تهامة والسراة، والمحافظات المعنية في هذه الورقة – بوصفها جزءًا من هذه البلاد – أن العشائر  وشيوخها هم الآمرون الناهون في أوطانهم منذ عصور ما قبل الإسلام، وخلال القرون الإسلامية المبكرة والوسيطة والحديثة، حتى أربعينيات القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)، وخصوصًا بعد دخول البلاد تحت حكم الملك عبدالعزيز بن -7 – عبدالرحمن آل سعود ( يرحمه الله)، الذي جلب الحداثة والتمدن إلى بلاده، وتم تأسيس مؤسسات إدارية حديثة تحكم البلاد سياسيًا وإداريًا وحضاريًا وتنمويًا.وإذا توقفنا مع كل محافظة من المحافظات الثمان المذكورة في هذا المقال، وجدنا أن القنفذة كانت أول البلاد التي أُنشئت فيها مؤسسات سعودية حديثة، وكانت تمتد صلاحيات ومسؤوليات تلك الإدارات على مناطق واسعة في تهامة، من تهامة جازان وعسير جنوبًا إلى حاضرة مكة المكرمة شمالًا.          وإذا حاولنا دراسة كل إدارة على حدة، من الإمارات (المحافظات)، والمحاكم الشرعية، والمؤسسات الأمنية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وجدنا أنها كانت خلال النصف الثاني من القرن الهجري الماضي قليلة ومحدودة في مدينة القنفذة وبعض المدن الصغيرة في المحافظات الأخرى، ثم ما لبثت أن توسعت وتطورت كثير من الإدارات خلال هذا القرن الخامس عشر (العشرين أو الحادي والعشرين الميلادي)، حتى صارت كل محافظة، بمراكزها، مكتظة بالمؤسسات الإدارية المدنية والعسكرية الكبيرة والصغيرة.ومن خلال تجوالي في هذه المحافظات، شاهدت وسمعت عن عشرات المراكز والإدارات والأقسام والشُّعَب والوحدات الإدارية التي تقوم على ضبط الأمن في البلاد، وخدمة الناس في شتى المجالات. وقد بحثت عن بعض البحوث أو الدراسات التي تؤرخ لهذا القطاع المهم، فلم أجد – في حدود اطلاعي – أي عمل علمي منجز في هذا المجال، مع أن هذا الجانب الحضاري يعد من الموضوعات المهمة التي يجب أن تُدرس وتُوثق في عدد من البحوث العلمية.         ونجد أن التحول من النظام القبلي القائم على سلطة المشيخة إلى النظام الإداري الحديث يمثّل نقلة نوعية في تاريخ هذه الأقاليم، حيث انتقلت من أنماط حكم محلية محدودة إلى بنية مؤسسية مركزية ترتبط بالدولة الحديثة. واختيار مدينة القنفذة مركزًا إداريًا مبكرًا يعكس موقعها الجغرافي ودورها التاريخي، كونها حلقة وصل بين -8 – جنوب تهامة وشمالها، فضلًا عن ارتباطها بالساحل وحركة التجارة. ومن الناحية التنموية، فإن التوسع الكبير في المؤسسات الإدارية والخدمية خلال القرن الخامس عشر الهجري أسهم في تعزيز الاستقرار، ورفع مستوى الخدمات، وتحسين جودة الحياة، إلا أن غياب الدراسات المتخصصة في تأريخ هذا التحول الإداري يترك فجوة معرفية تستدعي مزيدًا من البحث والتوثيق العلمي المنهجي. ٤- وقفة مع التاريخ الاجتماعي:              وجدتُ تشابهًا كبيرًا في الحياة الاجتماعية؛ فجميع البلاد مكوّنة من أسرٍ وفخوذ  وعشائر وبطون  وقبائل، وجميعها تعيش في قراها ومدنها وأريافها وحواضرها، وهناك الكثير من الأعراف والتقاليد والعادات التي سار عليها الناس منذ زمنٍ بعيد.ولا تخلو البلاد من وثائق ومصادر محلية تحتوي على شروحاتٍ وتفصيلات تنظّم حياة أفراد الأسرة أو القرية أو القبيلة. وعندما دخلت البلاد تحت التنظيمات السعودية الحديثة، صار هناك تعاونٌ وتشارك بين المؤسسات الحكومية وأوضاع أو أحوال العشائر والقبائل المحلية، وجميعها تصب في خدمة الصالح العام الذي يخدم البلاد والعباد في شتى المجالات. ولو فصّلنا الحديث عن العادات والتقاليد الفردية والأسرية والقبلية، وكذلك الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والدينية والثقافية والفكرية والإعلامية، فإن كل هذه المحاور تحتاج إلى تفصيلات في عشرات الكتب والبحوث والرسائل الجامعية.              ومن خلال قراءاتي ورحلاتي في هذه المحافظات التهامية قديمًا وحديثًا، فهي مجالٌ رحب لمن رغب في دراسة هذا القطاع الحضاري المهم، وهناك الكثير من المصادر الشفهية التي قد تفيد في خدمة هذا الباب، كما أن أرشيف المؤسسات الحكومية الحديثة مليء بالوثائق والمدوّنات والتقارير ذات الصلة بالتاريخ الاجتماعي الحديث والمعاصر.ولو التفتنا إلى التاريخ العمراني، وجدنا أن البلاد تقلبت – أو مرّت – في أنماطٍ عمرانية عديدة، من بناء العشش -9 – والمنازل والقرى القديمة الشعبية المبنية بالحجر والطين، إلى العمارة الحديثة. وقد عاصرتُ خلال تسعينيات القرن الهجري الماضي والعقدين الأولين من هذا القرن أنواعًا عديدة من العمارة القديمة، وتدريجيًا بدأت تلك العمارة تندثر وتتلاشى، وحلّ محلها العمارة الحديثة التي نشاهدها منتشرة في كل مكان. وحبذا لو نرى باحثين جادّين يعكفون على إجراء دراسات مقارنة للعمارة القديمة والحديثة التي عرفها سكان هذه البلاد، من منتصف القرن الهجري الماضي إلى الآن (١٤٤٧هـ/٢٠٢٦م).            والتشابه في البناء الاجتماعي بين هذه المحافظات يعكس وحدة ثقافية عميقة في إقليم تهامة والسروات، فهي تقوم على منظومة متكاملة من القيم والعادات التي أسهمت في حفظ التماسك الاجتماعي عبر القرون. واستمرار حضور الأعراف إلى جانب التنظيمات الحديثة يدل على حالة من التوازن بين الموروث والتحديث، فلم تُلغِ الدولة الحديثة البنى الاجتماعية التقليدية، بل أعادت توجيهها لتعمل في إطار مؤسسي يخدم الصالح العام. ومن الناحية البحثية، فإن التاريخ الاجتماعي لهذه المنطقة ما زال في معظمه غير مدوَّن تدوينًا علميًا كافيًا، خاصة في جانب الروايات الشفهية، التي تمثّل مصدرًا مهمًا قبل أن يطالها النسيان أو التغيّر. أما في الجانب العمراني، فإن التحول من العمارة التقليدية إلى الحديثة يعكس تغيرات اقتصادية وثقافية عميقة، مرتبطة بتحسن مستوى المعيشة، وتوسع الخدمات، وتغير أنماط الحياة، وهو ما يستدعي دراسات مقارنة توثّق هذا التحول، وتحفظ ملامح العمارة التراثية على أنها  جزءًا من الهوية الحضارية للمنطقة. ٥- لمحة عن التاريخ الاقتصادي:              ما من شك أن هذه المحافظات الثمان (الليث، والقنفذة، والعرضيات، وغامد الزناد، والمخواة، وقلوة، والحجرة، وأضم) لها تاريخ اقتصادي متميز؛ لجودة موقعها الجغرافي، وتنوع مواردها -10 – ومجالاتها الاقتصادية.وجميعها لا تخلو من أنشطة الرعي، والزراعة، والحِرَف، والصناعات، والتجارة، لكنها تختلف حسب مواقعها ومؤهلاتها. ففي القرون القديمة والماضية، حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)، كانت الحياة محدودة في كل شيء، وضيق العيش ظاهرًا على الناس، وكانت القنفذة والليث ربما من أفضل الأمكنة؛ لوجودهما على ساحل البحر الأحمر، وكذلك اتصالهما بالطريق البحري الذي يربط شرق العالم بغربه، فضلًا عن اتصالهما بسكان الداخل.ومن يتجول في هذه الأوطان يجد أن الرعي والزراعة كانتا الحرفتين الرئيسيتين في البلاد حتى نهاية القرن الهجري الماضي، وبعد التطور والنمو الحضاري الذي تعيشه البلاد خلال هذا القرن الخامس عشر (العشرين والحادي والعشرين الميلادي)، بدأت الحِرَف والصناعات والتجارات تتقدم على غيرها، وتراجعت مكانة الرعي والزراعة نسبيًا.           ومما يستحق الدراسة والتوثيق خلال المئة سنة الأخيرة (من ١٣٤٥ إلى ١٤٤٧هـ / ١٩٢٦ إلى ٢٠٢٦م): تاريخ الأسواق الأسبوعية والحديثة، والطرق بجميع أنواعها قديمًا وحديثًا، والصادرات والواردات، والتعاملات التجارية، والعملة، والأسعار، والحِرَف والصناعات القديمة، ودور الدولة الحديثة في تطوير القطاع الاقتصادي، وبخاصة الزراعة والصناعات والتجارات.وقد شهدتُ أنشطة كثيرة في هذا المجال بالمحافظات الآنف ذكرها خلال الجولة الأخيرة، وآمل أن نرى باحثين ومؤرخين جادّين من هذه البلاد يقومون بدراسة وتوثيق تاريخ هذا الموضوع في محافظاتهم ومراكزهم ومواطنهم الأصلية، وهي بحق عناوين حضارية مهمة تؤكد صفحات من تاريخ هذه البلاد خلال العصرين الحديث والمعاصر. -11 –          والحقيقة أن الموقع الجغرافي لهذه المحافظات – بين الساحل والمرتفعات – منحها تنوعًا في الأنشطة الاقتصادية، حيث يجتمع فيها الاقتصاد الرعوي والزراعي مع النشاط التجاري البحري والبري، وهو ما ساعد  في تشكيل نمط اقتصادي متوازن عبر فترات طويلة. كما أن ارتباط مدن الساحل، مثل القنفذة والليث، بشبكات التجارة البحرية التاريخية جعلها نقاط اتصال بين الداخل والخارج، وأسهم في إدخال سلع وثقافات متنوعة، وهو ما انعكس على الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وفي العصر الحديث، أدى تدخل الدولة في تطوير البنية التحتية، وإنشاء الطرق، وتنظيم الأسواق، ودعم القطاعات الإنتاجية، إلى تحولات واضحة في بنية الاقتصاد المحلي، حيث برزت الأنشطة التجارية والخدمية على حساب الأنشطة التقليدية. ومع ذلك، فإن توثيق هذا التحول الاقتصادي ما زال بحاجة إلى دراسات علمية متخصصة، تعتمد على الوثائق، والإحصاءات، والروايات الشفهية، لرسم صورة دقيقة لمسار التنمية الاقتصادية في هذه الأقاليم. ٦- مقتطفات من التاريخ العلمي والتعليمي والثقافي          إن هذه المحافظات الثمان جزءٌ صغير من جزيرة العرب التي وصلها الإسلام واعتنقه أهلها منذ عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهكذا استمروا على هذا النهج خلال العصور الإسلامية المختلفة، مع كل ما جرى على سكان شبه الجزيرة العربية من تحولات تاريخية وسياسية وعسكرية وحضارية منذ القرن الهجري الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري.إلا أن معظم سكان السروات وتهامة بقوا على دينهم، حتى وإن فشا الجهل في أوطانهم، وهناك ظروف عديدة يصعب شرحها في هذه العجالة، ومنها الفقر، والجهل، والصراعات القبلية التي عاشتها البلاد خلال العصور الإسلامية الوسيطة والحديثة حتى القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي).وهذه البلاد المذكورة في هذه الدراسة -12 – لحقها من العناء وتفشي الأمية والجهل الشيء الكثير، مع أنه كان هناك بعض الفقهاء والمحتسبين الذين اجتهدوا في فتح كتاتيب ومدارس أهلية يعلّمون الناس من خلالها، لكنها كانت محدودة التأثير، وتغييرها قليل.         وهكذا بقيت البلاد تعيش في وضعٍ معرفي فقير، حتى ظهرت هذه الدولة المباركة (المملكة العربية السعودية)، وبدأت عجلة التنمية التعليمية والمعرفية والثقافية تسري في البلاد، ولم نصل إلى نهاية القرن الهجري الماضي إلا وقد صارت المدارس والمعاهد والمؤسسات التعليمية النظامية في كل مكان.ثم جاء هذا القرن الخامس عشر الهجري (العشرون والحادي والعشرون الميلادي)، ففاض الخير في كل شيء، وكان للحياة التعليمية والثقافية والعلمية – العامة والعالية – نصيبٌ كبير في خطط الدولة وموازناتها.وعند جولتي الأخيرة في هذه المحافظات التهامية، حاولت أن أسأل وأجمع مادة عن قطاع التعليم والتعلّم في البلاد، فوجدت أن التعليم الحديث وصل إلى كل فرد وأسرة ومكان، وأصبحت الأسرة الواحدة – ذكورًا وإناثًا – تحمل شهادات علمية متنوعة، وصار في البلاد آلاف البشر الذين حصلوا على شهادات جامعية ودرجات علمية عالية (ماجستير ودكتوراه) في قطاعات مدنية وعسكرية وفنية وعلمية وتقنية.            ومن يدرس تاريخ أبناء هذه البلاد الذين تقلّدوا مناصب عالية في قطاعات الدولة، فسوف يجد منهم أعدادًا كثيرة من المتميزين والبارعين والمبدعين. ومن خلال رحلاتي في مناطق عديدة في بلاد تهامة والسراة، وجدت أن هذا الجانب موجود في كل مكان وبنسبة عالية، وهو ميدان جدير بالبحث والدراسة العلمية. ولو توقفت في كل محافظة، وحاولت إحصاء أثر التعليم الحديث على الناس بجميع شرائحهم، فسوف أخرج بمئات الصفحات، ومثل هذا الموضوع أرجو أن نرى من يخدمه من أبناء وبنات هذه البلاد -13 – التهامية السعودية، وهو من الموضوعات الحيوية والمهمة الجديرة بالعناية التوثيقية والتحريرية.           ونلحظ أن التحول التعليمي في هذه الأقاليم يمثّل أحد أبرز مظاهر التطور الحضاري في العصر الحديث، إذ انتقلت المجتمعات من محدودية التعليم التقليدي القائم على الكتاتيب إلى منظومة تعليمية شاملة ومؤسسية تغطي جميع المراحل والتخصصات. وانتشار التعليم بين الجنسين، واتساع مجالات التخصص، أسهما في رفع مستوى الوعي العام، وتعزيز المشاركة المجتمعية في مختلف القطاعات، وهو ما انعكس على التنمية الشاملة في هذه المحافظات. ومن الناحية الثقافية، فإن تراكم الكفاءات العلمية وظهور الكوادر المؤهلة في مختلف المجالات يهيئ لقيام حركة علمية محلية قادرة على توثيق تاريخ البلاد، ودراسة قضاياها، والمساهمة في بناء المعرفة الوطنية. ومع ذلك، فإن الحاجة ما زالت قائمة إلى دراسات علمية توثيقية ترصد تاريخ التعليم في هذه الأقاليم، وتحلل مراحله، وتقيس أثره في التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ٧- نظرة في المجال السياحي:               تتميز هذه البلاد بموقعٍ مهم يحتوي على معالم طبيعية خلابة، بالإضافة إلى قرى تاريخية كثيرة ومهمة، وكذلك إرث ثقافي وحضاري واجتماعي متنوع، ومصادر تاريخية وأثرية وتراثية، وكل هذه العوامل مؤهلة – بل هي مؤهلات جيدة – حتى تكون هذه الأوطان واجهات سياحية رائدة. وهي ما زالت تحتاج إلى الاعتناء والرعاية لخدمة هذا القطاع، والواجب أن يشترك أهل البلاد مع الجهات الرسمية المعنية بالتراث والسياحة، وكذلك القطاعات الخاصة والربحية، وإذا تم التعاون والتنسيق والعزيمة الصادقة بين هذه الجهات، فإن البلاد سوف تنمو وتتطور وتزدهر سياحيًا وتراثيًا وحضاريًا، ونأمل أن نرى ذلك متحققًا على نطاقٍ واسع. -14 –             والواقع أن المقومات السياحية في هذه المحافظات تقوم على تنوعٍ فريد يجمع بين البيئة الساحلية والمرتفعات الجبلية، إلى جانب القرى التراثية والموروث الثقافي، وهو ما يمنحها قدرة تنافسية عالية في مجال السياحة الداخلية. كما أن تطوير هذا القطاع يتطلب تكاملًا بين التخطيط الحكومي والاستثمار الخاص والمبادرات المجتمعية، من خلال تحسين البنية التحتية، وتأهيل المواقع التراثية، وتقديم الخدمات السياحية، والتسويق الفعّال للمنطقة. ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يشكّل القطاع السياحي رافدًا مهمًا للتنمية المحلية، من خلال توفير فرص العمل، وتنشيط الأسواق، ودعم الحِرَف والصناعات التقليدية، وهو ما يعزّز الحفاظ على الهوية الثقافية إلى جانب تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التوجه مرتبط بوجود دراسات علمية وخطط استراتيجية تراعي الخصوصية البيئية والاجتماعية، وتوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية والتراثية. ثانيًا: بعض التوصيات والمقترحات :            بعدما سرتُ في مناكب هذه المحافظات التهامية، رأيت  أن أسرد شيئًا من الذكريات والمشاهدات، ولا أدّعي فيها الكمال والعمق العلمي الذي تتصف به البحوث العلمية الجادة الرصينة، وأرجو أن أكون قد ذكرتُ شيئًا مما فيه فائدة. وفي هذا المحور أدوّن بعض المقترحات والتوصيات التي تساعد من رغب أن يكتب كتابة علمية فيها خدمة للأرض والناس عن هذه المحافظات الثمان وما جاورها من بلدان تهامة، فجميعها مخازن تاريخية حضارية لمن عمل في هذا المجال بجدٍّ واجتهاد. وأذكر ذلك على النحو التالي: ١-.منذ بدأتُ قبل أربعين عامًا أهتم بجمع شيء من تاريخ وموروث تهامة والسراة، وخلال هذا التاريخ الطويل عرفتُ أن هذه الأوطان لم تنل نصيبها من البحث والاهتمام عند المؤلفين القدماء، عربًا ومسلمين وغير مسلمين، وقد أشرتُ إلى هذا الكلام في عددٍ من -15 – كتبي وبحوثي، مع ذكر بعض الأسباب لهذا التجاهل والنسيان.وإذا توقفتُ مع كل ناحية وحاضرة وقرية في هذه البلاد الشاسعة الواقعة بين اليمن والحجاز، وجدتُ أيضًا أنها غير متساوية في ذكرها وما دُوّن عنها. والمؤسف حقًّا أنني وجدتُ المنطقة التهامية الواقعة بين جازان ومكة المكرمة، وبخاصة البلاد الداخلية الواقعة عند سفوح جبال السروات الغربية، من محافظة الدرب ورجال ألمع إلى تهامة الطائف، من أكثر الديار المجهولة في التاريخ المكتوب، منذ العصر الحجري إلى منتصف القرن الهجري الماضي.وهذا الكلام لا أرصده هنا جزافًا أو اعتباطًا، بل هو الحقيقة التي توصلتُ إليها وأنا أعمل في الدراسة والبحث  أكثر من نصف قرن (١٣٩٦–١٤٤٧هـ / ١٩٧٦–٢٠٢٦م). ٢- وقفتُ سابقًا، وفي هذه الجولة الأخيرة، على معالم تاريخية وجغرافية وحضارية كثيرة، وما شاهدته من بعض المواقع التاريخية القديمة التي صدرت عنها دراسات محدودة، مثل مدن السرين، وعشم، والخلف، والخليف، وجميعها ضمن البلاد المذكورة في هذه الورقة، وتحديدًا في محافظات الليث والقنفذة وقلوة.لكن من يسير ويتجول ببقية الأمكنة الأخرى من المحافظات الثمان، فسيشهد عشرات المواضع المندثرة، وكثيرًا منها صار مدفونًا، وأخرى نراها ظاهرة على سطح الأرض، وكلها تحكي تاريخ أمم قديمة قبل الإسلام وبعده.وإن حصرنا بحثًا في النقوش والكتابات والرسومات الصخرية، فذلك مجال آخر واسع وكبير ومتشعب، وإذا كان بعض الباحثين المتخصصين المعاصرين قد درسوا نقوشًا هنا ورسوماتٍ صخرية هناك، أو جمعوا بعض الملتقطات الفخارية أو المعدنية وغيرها، وحفظوها في بعض المتاحف التاريخية الحكومية أو الأهلية، فكلها ما زالت جهودًا فردية.وما زالت البلاد بحاجة إلى فرق علمية مدعومة رسميًا وأهليًا وسياسيًا وإداريًا وعلميًا وماليًا، ونأمل أن نرى ذلك يتحقق على أرض الواقع، ليس في المحافظات المشار -16 – إليها في هذه المدوّنة، بل في جميع مناطق ومحافظات ومدن وقرى السروات وتهامة. ٣- نقرأ عن تاريخ الحضارات القديمة في اليمن، أو في الحجاز، أو عن مكة المكرمة والمدينة المنورة، أو عن بعض الأمم التي عاشت على ساحل البحر الأحمر الغربي، ومع هذا لا نجد ذكرًا لهذه البلاد التهامية الممتدة من الليث وأضم إلى القنفذة والعرضيات وما حولها من الديار. وإن فتشنا في مصادرها الأثرية المادية، وجدناها لا تخلو من ذكر حياة بشرية في هذه البلاد، لكننا لا نعرف شيئًا واضحًا عن تاريخ حضارة أولئك السكان الذين عاشوا فيها قبل الإسلام.وإذا بحثنا في حضارة البلاد خلال القرن الإسلامي الأول المبكر، والقرون من (١–١١هـ / ٧–١٧م)، فلا نجد أيضًا شيئًا كافيًا يشرح لنا وضع البلاد والعباد في هذه الأوطان، مع أن المتأمل في حزونها ومناكبها يشاهد عوامل كثيرة تشير إلى وجود حياة وتاريخ وحضارة في هذه البلاد.وربما يصفنا بعض القراء بالتناقض فيما تم سرده، لكن الحقيقة أن المصادر المكتوبة التي وصلت إلينا، واستطعنا الاطلاع عليها، خالية من معلومات وحقائق ترصد لنا تاريخ وحضارة هذه النواحي. ٤- إن الذي لفت نظري وأنا أرتحل في هذه المحافظات مصادر مادية ما زالت ماثلة للعيان، مثل القرى القديمة وما تشتمل عليه من مرافق ودروب، وحصون، ومقابر، وأحمية، وآبار، ومساجد، وأسواق، وكذلك بعض الكهوف التي زرتُها في بعض الجبال.أما الأودية والسدود القديمة، فهي الأخرى آثار تروي حياة بشر عاشوا في هذه الديار، وبعض هذه المعالم التاريخية ربما تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، وعند الالتقاء ببعض من عرفها وعاصرها في الوقت الحاضر يقولون: سمعنا عنها كذا، ويقال إنها تعود إلى عصر كذا، وكل هذه الأقوال والروايات لا يسندها دليل واضح. ومثل هذه المصادر تُعدّ من الميادين المهمة. -17 – ٥- وأثناء الالتقاء ببعض كبار السن والمعمّرين، والاستماع إلى لهجاتهم وقصصهم وأشعارهم ورواياتهم وأمثالهم وحِكَمهم الشعبية، وفنونهم الغنائية والطربية، وشيءٍ مما سمعوه عن الحروب والأحلاف القديمة التي وصلتهم من الأجيال السابقة، عندئذ عرفتُ أن هذه الديار لها تاريخ حضاري متنوع، لكنه – للأسف – لم يُكتب ويُحفظ.وقد مات الكثير من أولئك الرواة الأوائل، وحبذا أن يتدارك الباحثون والمتعلمون من أهل البلاد وجود كبار السن الذين ما زالوا على قيد الحياة، فيروون لهم ما سمعوه، ويتم تدوينه وحفظه، لعل ذلك يكون من المصادر الرئيسية التي تساعد في توثيق شيءٍ من تاريخ هذه البلاد. ٦- هناك الكثير من الوثائق الحديثة العربية والعثمانية، وربما الأجنبية، التي ما زالت محفوظة في أرشيف  بعض الدول العربية والإسلامية، وكذلك بعض الوثائق المحلية القبلية والزراعية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتعليمية، فهي لا تخلو من مادة علمية تعكس صفحات من تاريخ الناس من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر الهجري (الثامن عشر إلى العشرين الميلادي).وهذا الجانب غير مخدوم إطلاقًا في كل ما يخص المناطق المذكورة في هذا العمل، وهو مجال كبير وجيد لمن يخدمه علميًا وتوثيقيًا وبحثيًا. ٧- منذ دخول هذه المحافظات الثمان تحت حكم المملكة العربية السعودية الحديثة حتى وقتنا الحاضر (١٤٤٧هـ/٢٠٢٦م)، فإن ذلك يمثل تاريخًا واسعًا وكبيرًا ومتنوعًا، وهو غير مخدوم بطرق علمية بحثية جادة.وليس هناك صعوبة كبيرة في خدمته مقارنة بما سبق من عصور؛ لأن مصادر هذا العصر الحديث والمعاصر موجودة ومتوفرة، لكنها تحتاج إلى باحثات وباحثين جادين يسعون إلى جمع المصادر الصحيحة في كتابة تاريخ الأرض والسكان في شتى القطاعات.وربما يقول قائل إن هذا المقترح ليس مهمًا لقرب العصر -18 – وحداثة المعلومات، وأقول: بل هو مهم جدًا؛ لأنه إذا لم يُخدم فقد يأتي زمن تضيع فيه المصادر الأولية، وبالتالي تُفقد أجزاء كثيرة من تاريخ وحضارة وتنمية البلاد في العصرين الحديث والمعاصر. (*) وفي الختام:            تكشف هذه الجولة الميدانية في محافظات تهامة الواقعة بين مكة المكرمة وتهامة عسير عن حقيقة علمية ومنهجية بالغة الأهمية، وهي أن هذا الإقليم – على اتساعه الجغرافي وتنوعه الطبيعي والبشري – ما زال يمثل حقلًا مفتوحًا للبحث والدراسة، تتداخل فيه عناصر التاريخ والجغرافيا والإنسان والاقتصاد والثقافة، دون أن يحظى بالمعالجة الشاملة التي تليق بمكانته.وإذا تأملنا المادة التي بين أيدينا، نجد أن الإشكالية الرئيسية لا تكمن في ندرة الشواهد، بل في تشتتها وتنوع مصادرها بين المادي والشفهي والوثائقي، مما يجعل التعامل معها يحتاج إلى منهج تكاملي يجمع بين أدوات المؤرخ، والجغرافي، وعالم الاجتماع، والباحث في الآثار. فالمعالم الميدانية المنتشرة، والروايات الشفهية المتوارثة، والوثائق المتفرقة، كلها تمثل أجزاء من صورة كلية لم تكتمل بعد.كما يتضح أن هذا الإقليم لم يكن معزولًا في تاريخه، بل كان جزءًا من شبكة تواصل أوسع تربطه بأقاليم الحجاز واليمن، إضافة إلى امتداده نحو البحر الأحمر، وهو ما يمنحه بعدًا حضاريًا يتجاوز حدوده المحلية، ويضعه في سياق التفاعل الإقليمي عبر العصور. وهذا البعد لم يُستثمر علميًا بالقدر الكافي، خاصة في دراسة حركة الإنسان، وتبادل المنافع، ومسارات الانتقال بين الساحل والداخل.           ومن زاوية أخرى، فإن ما ظهر خلال هذه الجولة من تفاوت في حضور المعالم والآثار، واختلاف في درجة وضوحها أو اندثارها، يشير إلى الحاجة إلى بناء سجل علمي ميداني دقيق، يقوم على الحصر والتوثيق والتصنيف، قبل أن تتعرض هذه الشواهد لمزيد من التلاشي. فالعامل الزمني، إلى جانب التحولات العمرانية -19 – والاقتصادية، يسهم في تغيير ملامح المكان، وقد يؤدي إلى فقدان عناصر مهمة من الذاكرة المكانية إن لم تُدرك في الوقت المناسب. وكذلك فإن المجتمع المحلي – بما يملكه من ذاكرة وخبرة متراكمة – يمثل شريكًا أساسًا في أي مشروع علمي مستقبلي، إذ لا يمكن فصل دراسة المكان عن أهله، ولا قراءة تاريخه دون الاستفادة من رواياتهم ومعارفهم. غير أن هذه المادة الشفهية تحتاج إلى آليات علمية في الجمع والتوثيق والمقارنة، حتى تتحول من روايات متفرقة إلى معرفة قابلة للدراسة والتحليل.أما فيما يتعلق بالعصر الحديث، فإن وفرة المصادر لا تعني بالضرورة سهولة الكتابة التاريخية، بل تفرض مسؤولية أكبر في الانتقاء والتحليل، وربط الجزئيات ببعضها ضمن رؤية تفسيرية واضحة. فالتاريخ الحديث ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو قراءة للتحولات في بنية المجتمع، وأنماط العيش، والعلاقات بين الإنسان والمكان، وهي موضوعات تحتاج إلى أدوات منهجية دقيقة.           ومن خلال هذا العرض، يمكن القول إن تهامة – في هذا الامتداد الجغرافي – تمثل نموذجًا لإقليم غني بالمعطيات، لكنه يحتاج إلى إعادة اكتشاف علمي منظم، يقوم على العمل الميداني، والتكامل بين التخصصات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الدراسة والتوثيق. كما أن هذا المجال يفتح آفاقًا واسعة أمام الباحثين من أبناء المنطقة، ليكونوا شركاء في كتابة تاريخهم، لا مجرد متلقين له.وهذه الملاحظات ليست سوى إشارات أولية يمكن البناء عليها، وهي دعوة مفتوحة إلى تحويل هذا الاهتمام الفردي إلى مشروع علمي مؤسسي، تتضافر فيه الجهود، وتتعاون فيه الخبرات، ليُكتب لهذا الإقليم تاريخه على نحوٍ يليق به، ويُحفظ تراثه للأجيال القادمة، في إطار علمي رصين يجمع بين الدقة والوعي والعمق. وصلى الله وسلم على رسول الله.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *