الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦ الموافق ٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

متى تتحول المعرفة إلى نقمة ؟ – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

متى تتحول المعرفة إلى نقمة ؟ – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

لم تعد معضلتنا اليوم في نقص المعلومات، بل في فائضها المتدفق بلا انقطاع. لقد أصبح الوصول إلى أي معلومة لا يتطلب أكثر من ضغطة زر، لكن هذا التيسير لم يصحبه بالضرورة وعي كاف بطريقة التلقي أو التمييز. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، ليس في كمية المعرفة، بل في طبيعتها وكف نتعامل معها.

في الماضي كان الباحث يشق طريقه بصعوبة نحو المعلومة، يقرأ ويقارن ويمحص، قبل أن يبني رأياً أو يصدر حكماً، لذلك خرجت أجيال من العلماء والمفكرين الذين تركوا أثراً عميقاً امتد عبر الزمن. أما اليوم، فقد تحول كثيرون من ساعين خلف الحقيقة إلى مستهلكين لضجيج المحتوى، من طلاب معرفة إلى متابعين يلهثون وراء الشهرة السريعة والتفاعل اللحظي، دون اعتبار حقيقي لقيمة ما يقدم.

أصبح المشهد الثقافي والإعلامي يكافئ الجاذبية أكثر مما يكافئ العمق، فصار بعض صنّاع المحتوى يقيسون نجاحهم بعدد المشاهدات والإعجابات، لا بمدى صدق الفكرة أو فائدتها.

ومع تزايد هذا التوجه، تراجعت قيمة الطرح الجاد، وحل محلها محتوى سطحي يثير الانتباه دون أن يثري الفكر. وهكذا ينتشر ما يمكن تسميته بـ : ” المحتوى الأجوف ” الذي يمنح شعوراً زائفاً بالمعرفة، بينما يترك العقل أكثر اضطراباً وفراغاً.

وليت الأمر يتوقف عند تراجع الذائقة، بل يمتد ليؤثر في بناء الوعي ذاته. فالتعرض المستمر للمحتوى السريع والمختصر يضعف القدرة على التأمل والنقد، ويجعل المتلقي أكثر قابلية لقبول الأفكار الجاهزة دون فحص أو تمحيص. ومع مرور الوقت يتحول الفرد إلى متلق سلبي، تعرض عليه الأفكار فيتلقاها كما هي دون تساؤل أو مراجعة.

حتى النصوص التراثية لم تسلم من هذا الواقع، إذا بات البعض يتعامل معها بعقلية الاستهلاك السريع وربما يقتطعها من سياقها ويعيد تفسيرها بما يتوافق مع أهدافه وتوجهاته، دون الرجوع إلى أصولها العلمية. وقد أدى ذلك إلى خلط بين النقد العلمي الرصين وبين التشكيك القائم على الانطباعات، مما زاد من حالة الارتباك بين الناس، وأضعف الثقة في التمييز بين الحقيقة والوهم.

ومع كل هذا الضجيج، تبقى الحقيقة ثابتة: فالمعرفة الحقيقية لا تقاس بعلو الصوت، بل بعمق الأثر. فالتاريخ لم يحتفظ بالأكثر ظهوراً، بل بالأكثر إسهاماً. لم يخلد ابن النفيس وابن حزم وجابر ابن حيان الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل لأنهم كانوا الأشهر في زمانهم، بل لأنهم قدموا علماً نافعاً ظل حياً عبر العصور.

قد يجذب المحتوى السريع الانتباه، لكنه نادراً ما يبني وعيا راسخاً، أما المعرفة الصادقة، فبرغم هدوئها وبطء انتشارها تظل وحدها القادرة على تشكيل عقل مستقل، وإنسان قادر على التمييز وسط هذا الضجيج المتسارع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *