السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٦ الموافق ١٠ شوال ١٤٤٧ هـ

دراسة نقدية في تاريخ الجنوب السعودي ( قراءة في كتاب: مراجعات تاريخية ومقاربات نقدية…) [جزآن]، للدكتور غيثان بن جريس – بقلم د. جمعان بن عبدالله الشهراني

دراسة نقدية في تاريخ الجنوب السعودي ( قراءة في كتاب: مراجعات تاريخية ومقاربات نقدية…) [جزآن]، للدكتور غيثان بن جريس – بقلم د. جمعان بن عبدالله الشهراني
أولا :- مقدمة: في سياق التحولات التي تشهدها الكتابة التاريخية في المملكة العربية السعودية، لم يعد التاريخ مجرد سردٍ للأحداث، بل أصبح مجالًا مفتوحًا للمراجعة والتحليل والنقد. ومن هذا المنطلق يأتي عمل الأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس، الذي قدّم نموذجًا علميًا متقدمًا من خلال كتابه: مراجعات تاريخية ومقاربات نقدية في تاريخ وحضارة جنوبي البلاد السعودية ، (جزآن)، وصدر في طبعتين عام ( ١٤٤٢هـ /٢٠٢١م) و عام( ١٤٤٧هـ / ٢٠٢٥م)، وعدد صفحات الجزء الأول ، ط٢ ( ٦٧٤ صفحة ) ، وصفحات الجزء الثاني (٦٣٤ صفحة ) . وهو عمل يجمع خلاصة (نحو ٥٣ دراسة علمية) كتبها نخبة من الباحثين وأساتذة الجامعات، تناولوا فيها موضوعات كثيره بالقراءة والنقد والتحليل والمناقشة.وقد طُبع ونُشر هذا العمل في مجلدين مستقلين ورقيا ورقميا .
 
ثانيا :- من الموسوعة إلى الكتاب.. إعادة تنظيم المعرفة: تعود أصول هذه الدراسات المنشورة في كتاب ( مراجعات تاريخية ومقاربات نقدية …) إلى مشروع علمي أكبر، هو موسوعة [ القول المكتوب في تاريخ الجنوب ]، التي تتكون من عشرات المجلدات، لصاحبها والمشرف عليها الدكتور غيثان بن جريس ، وتُعد من أوسع المشاريع العلمية البحثية الحديثة والمعاصرة التي تناولت تاريخ جنوب الجزيرة العربية ( تهامة وسراة ) منذ عصور ماقبل الإسلام الى وقتنا الحاضر .
وقد قام الدكتور غيثان في كتابه( مراجعات تاريخية …) بعمل علمي مهم يتمثل في:
 
1- استخراج الدراسات والمراجعات والمقاربات النقدية والتوضيحية وأحيانا التصويبية أو التحليلية من الموسوعة.
2- إعادة مراجعة وتنسيق وترتيب الدراسات المستخرجة من الكتاب الموسوعي ( القول المكتوب..) وفق رؤية منهجية، ثم جمعها وتصنيفها ونشرها في جزأين مستقلين.
3- وأقول: إن هذا التحويل من “المادة المبعثرة” إلى “العمل المنظم” يعكس وعيًا علميًا بأهمية إعادة بناء المعرفة وتيسير الوصول إليها .
 
ثالثا:- طبيعة الدراسات وتنوعها العلمي: تتميّز الدراسات التي يضمها كتاب ( مراجعات تاريخيّة …) بتنوعها، فهي لا تمثل رأيًا واحدًا، بل تمثل حوارًا علميًا متعدد الأصوات. ويمكن تصنيفها إلى:
1- قراءات تفسيرية توضيحية تسعى إلى شرح أفكار المؤلف وتفصيل قضاياه التاريخية والحضارية وبخاصة التاريخ والتراث والموروث المحلي .
2- مراجعات نقدية لعدد من الباحثين والمؤرخين وأساتذة الجامعات تناقش بعض النتائج، وتقدّم ملاحظات وتصويبات علمية مهمة وجيدة و دقيقة.
3- إضافات علمية تثري الموضوعات أو ( الموضوع ) بمعلومات جديدة، أو تربطه بسياقات أوسع وأعمق وأكثر شمولية وفائدة .
4 – قد يكون هناك بعض المراجعات النقدية الحادة وشديدة اللهجة من بعض القراء والنقاد والباحثين ، ومع ذلك لايرى صاحب الكتاب ( غيثان بن جريس) من طباعتها ونشرها للاطلاع والفائدة المعرفية ، وهذا يدل على تقبله لمثل هذا الأسلوب والمنهج .
5- والحقيقة أن هذا التنوع العلمي المعرفي منح العمل ، عمقًا علميًا، وتوازنًا في الطرح ، وثراءً في الرؤية والاستفادة.
 
رابعا:- المنهج النقدي.. من السرد إلى التحليل: من أبرز ما يميز هذا المشروع انتقاله بالتاريخ من الرواية إلى الشرح والتوضيح والنقد والتحليل ، حيث اعتمدت الدراسات على مقاربة ومقارنة الروايات التاريخية ، وتحليل النصوص والمصادر ،و الترجيح بين الأقوال ، والكشف عن مواطن القوة والضعف ، وكذلك إضافة معارف وعلوم صحيحة ومفيدة في مواضع عديدة من الكتاب .
كما تنوعت المناهج العلمية البحثية المستخدمة ، فنجد المنهج الوصفي الذي سلكه وطبقه بعض الباحثين والمشاركين في هذا الكتاب . وكذلك المنهج التحليلي ، وايضاً المنهج المقارن الذي نجده منتشرا في كثير من المقالات والبحوث في الجزأين ، وهذا مما جعل الكتاب (المجلدان ) يمثلان مدرسة تطبيقية في النقد التاريخي.
 
خامسا:- قراءة في مقدمة الجزأين.. الرؤية والمنهج:  تكشف مقدمة الجزأين عن ملامح فكرية ومنهجية مهمة، من أبرزها:
 
1- التواضع العلمي ، حيث يقرّ المؤلف بأن عمله اجتهاد قابل للصواب والخطأ، ويفتح الباب للنقد والمراجعة، وهذا الذي نجده ونطلع عليه في مؤلفات الدكتور غيثان بن جريس منذ أكثر من ثلاثين عاما..
2- الدعوة إلى التجديد والإشارة إلى أهمية تطوير مناهج البحث التاريخي، وعدم الجمود على الأساليب التقليدية ، وهذه صفة أخرى عرفتها عن صاحب الكتاب ( ابن جريس) منذ فترة طويلة .
3- الإيمان بالتراكم المعرفي ، وهذا مما يؤكد أن العلم لا يُبنى بجهد فردي، بل بتكامل الجهود عبر الأجيال.
4- إبراز قيمة الجنوب السعودي ( من الطائف والليث والقنفذة والباحة الى جازان ونجران )، وهذا يؤكد أن بلاد تهامة والسراة من أرض المملكة العربية السعودية ميدان رحب للإبداع، ومخزن كبير من التراث الحضاري .وهذه الرؤية من المؤرخ ابن جريس تجعل مقدمة كتابه( مراجعات تاريخية …)ليست تمهيدًا شكليًا ، بل بيانًا علميًا ومنهجيًا متكاملًا
 
سادسا:- إسهام كتاب ( مراجعات تاريخية …) في كتابة تاريخ الجنوب السعودي ( تهامة وسراة) : يمثل هذا المشروع إضافة نوعية في كتابة تاريخ جنوب المملكة العربية السعودية ، حيث أسهم في:
1- إعادة قراءة عدد من القضايا التاريخية والحضارية (الاجتماعية ، والإدارية ، والاقتصادية ، والعلمية والتعليمية والثقافية والفكرية والإعلامية وغيرها ).
2 تصحيح بعض المفاهيم والمعارف التاريخية والحضارية العامة ، وهذا الموضوع مازال يحتاج الى جهود كبيرة وكثيرة ، ونأمل أن نرى بعض المؤرخين والباحثين والمتخصصين يتولون خدمة هذا الجانب بطرق علميه حيادية وشفافة ومنصفة .
3- إبراز جوانب تاريخية حضارية مهملة في التاريخ المحلي، ونشكر الدكتور غيثان بن جريس على كل ماقدم وطبع ونشر ، لكن بلادنا ( تهامة والسراة ) مليئة بالكثير من المعارف والكنوز التاريخية المحلية ، وحتى الان مازالت غير مخدومة بالمستوى المطلوب الذي نأمله ونتطلع إليه .
4- ربط التاريخ المحلي بالسياق العام، وهذا العمل من الجهود الواضحة والبارزة في هذا الكتاب الذي نحن بصدده في هذا المقال ، وفي كتّب أخرى من إعداد وتأليف الدكتور غيثان . وهذا الموضوع ايضا من الميادين المهمة التي يجب الأعتناء بها من قبل الجامعات والكليات والأقسام المحلية في جنوب المملكة العربية السعودية.
 
وإذا فحصنا متن الكتاب وجدناه قد شمل أوطانًا (بلدانًا ) متعددة، ومنها المناطق والمدن والقرى والحواضر السروية الممتدة من محافظة الطائف الى بلدان عديدة في أرض نجران . وكذلك بعض الأرياف وحواضر ومحافظات تهامة الداخلية والساحلية الممتدة من مكة المكرمة إلى مدن وقرى عديدة في جازان وتهامة عسير . ونجد بعض الدراسات المنشورة في هذا السفر الكبير تجمع أكثر من موضوع و عنوان في نواحي عديدة من مناطق جنوب المملكة العربية السعودية وماجاورها من البلدان . ومثل هذه التفريعات والشمولية تجعل العمل مرجعًا مهمًا لكل باحث في تاريخ هذه الديار السروية والتهامية .
 
سابعا:- العمل الجماعي… نموذج علمي متقدم: من أهم ما يميز كتاب ( مراجعات تاريخية ومقاربات نقدية في تاريخ وحضارة جنوبي البلاد السعودية ) أنه يقوم على العمل العلمي الجماعي ، حيث شارك فيه عدد كبير من الأساتذة الجامعيين،و الباحثين المتخصصين ، والمهتمين بالتاريخ والتراث والحضارة وبعض العلوم والمعارف الأخرى . وهذا يعكس روح التعاون العلمي ، وتكامل الخبرات ، وتعدد وجهات النظر. وهو اتجاه حديث في البحث العلمي، يتجاوز الفردية إلى المعرفة التشاركية . ومثل هذه المنجزات والإبداعات تحتاجها بلادنا، وليس هناك مشكلة أو عقبات كبيرة تمنع ذلك ، فهناك الكثير من الجامعات والكليات والأساتذة والباحثين وأصحاب الدرجات الجامعية العالية في مجالات علمية كثيرة ، وهم قادرون على خدمة أوطانهم ، لكن الذي نحتاجه هو الإخلاص والاجتهاد والعمل والمثابرة ، وكذلك الدعم والتشجيع من مؤسساتنا العلمية والبحثية المحلية.
 
ومن خلال تصفحي كتاب( مراجعات تاريخية ومقاربات نقدية…) وجدته يسهم في ترسيخ ثقافة مهمة، وهي ثقافة النقد العلمي البنّاء ، من خلال فتح المجال للنقاش العلمي ، وتقبّل الآراء المختلفة ،و تشجيع الباحثين على العمل والمشاركة و المراجعة .وهذا في اعتقادي يعزز جودة البحث العلمي ، وتطور الدراسات التاريخية، وبناء بيئة معرفية صحية
 
ثامنا:- قراءة في تجربة الدكتور غيثان بن جريس : من خلال هذا العمل، يمكن ملاحظة عدد من السمات في تجربة الدكتور غيثان،ومنها:
 
1- عمق الاهتمام بتاريخ جنوب الجزيرة العربية ( تهامة وسراة ). وكذلك حرصه على جمع المواد العلمية المتنوعة وتوثيقها
2- الانفتاح على النقد والحوار ، وترحيب الدكتور غيثان بالتصويبات والإضافات التي تزيد من قوة العمل العلمي وجودته . وكذلك قناعته وإيمانه بأن التاريخ علم متجدد
3- يتضح من منشورات وأطروحات الدكتور غيثان أنه لا يقدّم نفسه بوصفه صاحب القول النهائي، بل باحث يفتح الطريق لغيره ليكمل المسيرة
4- ما أراه في كتاب [مراجعات تاريخيّة ومقاربات نقدية] ليس مجرد عملٍ تاريخي يُضاف إلى رفوف المكتبة، بل لحظة تحوّل لافتة في مسار الكتابة التاريخية في المملكة العربية السعودية؛ حيث يتخلى التاريخ عن صمته التقليدي، ليتحوّل إلى مساحة حية للنقاش، والتحليل، والمساءلة.
 
هنا لا تُروى الأحداث كما هي، بل تُفكَّك، وتُمحَّص، وتُعاد قراءتها بعقلٍ ناقد وروحٍ باحثة عن الحقيقة. ويبرز هذا العمل بوصفه تجربة علمية ناضجة، تؤمن بأن المعرفة لا تُبنى إلا بالحوار، ولا تنمو إلا بالانفتاح على النقد، في إطار من الجهد الجماعي الذي يراكم الفهم ويعمّق الرؤية. إنه ليس كتابًا يُقرأ وينتهي، بل مشروع فكري مفتوح، يوقظ الأسئلة، ويحرّض على التفكير، ويدعو كل قارئ إلى أن يعيد النظر في التاريخ، لا بوصفه ماضٍ ساكن، بل كحقلٍ متجدد يُعاد اكتشافه كلما امتلكنا شجاعة السؤال ووعي النقد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *