السبت ٢١ مارس ٢٠٢٦ الموافق ٣ شوال ١٤٤٧ هـ

شهر رمضان في مكة المكرم “مشاهدات وانطباعات، عام (١٤٤٧هـ / ٢٠٢٦م)” –  بقلم أ. د. غيثان بن علي بن جريس

شهر رمضان في مكة المكرم “مشاهدات وانطباعات، عام (١٤٤٧هـ / ٢٠٢٦م)” –  بقلم أ. د. غيثان بن علي بن جريس

أولاً مقدمة : الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين. أما بعد: تُعدُّ مكة المكرمة من أعظم مدن العالم الإسلامي مكانةً وأثرًا في حياة المسلمين، فهي مهبط الوحي، ومهد الرسالة الإسلامية، وفيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وقد ظلت هذه المدينة المباركة عبر القرون مقصدًا للمسلمين من مختلف أنحاء العالم لأداء مناسك الحج والعمرة، كما كانت موضع اهتمام العلماء والمؤرخين والرحالة الذين كتبوا عن تاريخها وحياتها ومكانتها في الحضارة الإسلامية.

وقد حظيت مكة المكرمة بآلاف الكتب والبحوث والدراسات التي تناولت جوانب متعددة من تاريخها الديني والاجتماعي والاقتصادي والحضاري. ومن بين هذه الأعمال ما كتبته شخصيًا خلال العقود الماضية عن تاريخ الحجاز ومكة المكرمة، ومنها دراسة مطولة بعنوان:«مكة المكرمة في عين رجل من أهل السراة: قراءات وذكريات ومشاهدات (١٣٩٢ – ١٤٤٤هـ / ١٩٧٢ – ٢٠٢٣م)»،

حاولت فيها تسجيل جانب من تجربتي الطويلة مع هذه المدينة المباركة عبر نحو نصف قرن من الزمن.وفي شهر رمضان من عام (١٤٤٧هـ / ٢٠٢٦م) أتيحت لي فرصة الإقامة في مكة المكرمة مدة من الزمن، الأمر الذي أتاح لي أن أعيش أجواء هذا الشهر الكريم في هذه المدينة المقدسة، وأن أرى عن قرب كثيرًا من مظاهر الحياة الدينية والاجتماعية والتنظيمية فيها خلال هذه الأيام المباركة. ورأيت أن أسجل في هذه الصفحات بعض المشاهدات والانطباعات التي عايشتها خلال هذا الشهر، اعتمادًا على ما رأيته بنفسي داخل المسجد الحرام، وفي أحياء مكة وأسواقها وطرقها ووسائل النقل فيها، إضافة إلى ما لاحظته من خدمات وتنظيمات تقدم لضيوف الرحمن من المعتمرين والزائرين.

ثانيًا: مكة المكرمة في رمضان: المكان والزمان: لا يمكن الحديث عن شهر رمضان في أي مدينة من مدن العالم الإسلامي دون أن يكون لمكة المكرمة حضور خاص في هذا الحديث؛ فهذه المدينة المباركة تجمع بين القدسية الدينية والتاريخ الحضاري الذي يمتد عبر قرون طويلة من تاريخ الإسلام. ومما شاهدته خلال شهر رمضان عام (١٤٤٧هـ / ٢٠٢٦م) أن مكة بدت مدينة تعيش إيقاعًا مختلفًا عن بقية شهور السنة. فمنذ الأيام الأولى من الشهر المبارك يزداد عدد القادمين إليها من داخل المملكة العربية السعودية  وخارجها لأداء العمرة والصلاة في المسجد الحرام، الأمر الذي يجعل المدينة تعيش حالة من النشاط المتواصل ليلًا ونهارًا.

ومع اقتراب أوقات الصلوات، وخاصة صلاتي المغرب والعشاء، تمتلئ الطرق المؤدية إلى المسجد الحرام بالجموع القادمة للصلاة والطواف. ويلاحظ الزائر في هذه اللحظات تنوع الجنسيات والأعراق بين المصلين، حيث يرى المسلمين القادمين من آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكتين، إلى جانب القادمين من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية. وهذه الصورة تعكس بوضوح وحدة المسلمين الذين يجتمعون في مكان واحد وزمان واحد، يؤدون العبادة نفسها ويتجهون إلى القبلة نفسها. ومن يطلق العنان لقلمه ليكتب عن جموع المصلين وإقبالهم على عبادة ربهم فذلك مجال واسع يتسع لمئات الصفحات.

ثالثًا: صور حضارية من المسجد الحرام في ليالي رمضان: يبقى المسجد الحرام القلب النابض للحياة الدينية في مكة المكرمة، ويزداد حضوره وضوحًا في شهر رمضان عندما يتحول إلى مركز روحي عالمي يجتمع فيه المسلمون من مختلف أنحاء الأرض.وخلال رمضان (١٤٤٧هـ / ٢٠٢٦م) كنت أحرص على التردد إلى المسجد الحرام في أوقات مختلفة من الليل والنهار، فكانت المشاهد التي رأيتها فيه مليئة بالدلالات الروحية والإنسانية.فعند اقتراب وقت الإفطار تمتلئ أروقة الحرم وساحاته بالآلاف من الصائمين الذين يجلسون في انتظار أذان المغرب، وقد وضعت أمامهم التمور وقوارير الماء وبعض الأطعمة الخفيفة التي يقدمها المحسنون. وعندما يرفع الأذان يفطر الناس في هدوء وسكينة، ثم يقفون لأداء صلاة المغرب في مشهد يجمع بين العبادة وروح الجماعة.

وبعد ذلك تبدأ حركة جديدة داخل المسجد الحرام، حيث يتجه كثير من المعتمرين إلى أداء العمرة، بينما يبقى آخرون في أماكنهم لقراءة القرآن أو الذكر أو الاستعداد لصلاة العشاء والتراويح.كما يُشاهد المسلمون من جنسيات متعددة يتحدثون ويتناقشون فيما بينهم، وأحيانًا يوجد مترجمون يقربون الشروحات ووجهات النظر بين المجتمعين والمتناقشين.وهذا مما يؤكد قول الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾(الحجرات: ١٣).وفي مكة المكرمة، وفي المسجد الحرام تحديدًا، تتجسد صورة التعارف والتقارب والتآلف بين الناس.

ومن أكثر المشاهد تأثيرًا في الحرم الشريف صلاة التراويح والتهجد؛ إذ تمتلئ أروقته وساحاته بآلاف المصلين الذين يقفون صفوفًا متراصة خلف الإمام يستمعون إلى تلاوة القرآن الكريم في أجواء يسودها الخشوع والسكينة.وقد قال تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾(آل عمران: ١٠٣).وقال سبحانه:﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾(الأنبياء: ٩٢).وقال تعالى:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(الحجرات: ١٠).وقال النبي ﷺ:«من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».ومن أبرز المشاهد كذلك حركة الطواف المتواصلة حول الكعبة المشرفة؛ فالمطاف لا يكاد يخلو من الطائفين في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار.وقد قال الله تعالى:﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾(البقرة: ١٢٥).وقال تعالى:﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(الحج: ٢٩).وقال النبي ﷺ:«الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام».

رابعًا: صور من الحياة الحضارية في مكة المكرمة خلال شهر رمضان: إلى جانب الأجواء الدينية في المسجد الحرام، فإن الحياة الاجتماعية في مكة المكرمة تشهد نشاطًا ملحوظًا في هذا الشهر المبارك.فموائد الإفطار في الحرم وفي كثير من الأحياء تعكس روح التكافل الاجتماعي بين المسلمين، كما تنشط الأسواق والشوارع بعد صلاة التراويح حيث يخرج الناس للتسوق أو التنزه أو زيارة الأقارب.وقد زرت عددًا من الفنادق والأسواق التجارية، ولاحظت كثافة أعداد المعتمرين القادمين من دول متعددة. وجلست مع بعض الجاليات التركية والآسيوية وبعض المعتمرين من الدول العربية الذين يقيمون في فنادق أحياء العزيزية والمعابدة والروضة والحجون وأجياد وغيرها.

كما تشهد مكة حركة نشطة في الأسواق، خاصة الأسواق القريبة من المسجد الحرام، حيث تكتظ بالمتسوقين من مختلف الجنسيات، بينما يغلب على الأسواق البعيدة السعوديون والمقيمون.أما الطرق الرئيسية والفرعية فتزدحم بالحركة منذ ساعات العصر، وتبلغ ذروتها في الليل، خاصة في العشر الأواخر من رمضان.ومن المشاهد اللافتة كثرة موائد الإفطار التي يقيمها المحسنون في أنحاء المسجد الحرام وفي كثير من أحياء مكة.

وقد تذكرت حينها دعوة سيدنا  إبراهيم عليه السلام لأهل مكة بالرزق، حيث قال الله تعالى:﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ… وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (إبراهيم: ٣٧).وقال تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (البقرة: ١٢٦). وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (القصص: ٥٧). وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: ٤).

خامسًا: رمضان في مكة بين الماضي والحاضر(من التسعينيات إلى الأربعينيات من القرن الهجري الحالي)؛  عندما يقارن الإنسان بين ما كانت عليه مكة المكرمة في بداية التسعينيات الهجرية وما أصبحت عليه اليوم، يلاحظ تحولات كبيرة في كثير من جوانب الحياة العمرانية والتنظيمية والخدمية في هذه المدينة المقدسة.ففي أوائل التسعينيات الهجرية، عندما زرت مكة المكرمة  لأول مرة، كانت المدينة أصغر حجمًا مما هي عليه اليوم، وكانت المنطقة المحيطة بالمسجد الحرام محدودة في عمرانها وخدماتها مقارنة بما نراه الآن.أما اليوم فقد توسعت المدينة توسعًا عمرانيًا كبيرًا، وظهرت أحياء جديدة وشبكات طرق وأنفاق وجسور تسهل حركة السير، كما أن الخدمات التي تقدم للزوار والمعتمرين تطورت بصورة واضحة في مجالات النقل والصحة والتنظيم والإرشاد.ورغم هذه التحولات الكبيرة، فإن روح مكة الدينية بقيت ثابتة عبر الزمن؛ فالمسلم الذي يدخل المسجد الحرام اليوم يشعر بالمشاعر نفسها التي شعر بها المسلمون في الماضي: الخشوع والسكينة والشعور بعظمة المكان.

سادسًا: خاتمة وتأملات:  بعد الأيام التي قضيتها في مكة المكرمة خلال شهر رمضان (١٤٤٧هـ / ٢٠٢٦م) خرجت بانطباع واضح يؤكد أن هذه المدينة المباركة ما زالت تحتفظ بمكانتها الروحية العميقة في حياة المسلمين.ويظل المسجد الحرام القلب النابض للحياة في مكة، حيث تتجه إليه أنظار المسلمين من كل مكان، وتزداد هذه المكانة وضوحًا في شهر رمضان عندما تمتلئ ساحاته بالمصلين والطائفين وقراء القرآن. وهذه الصفحات ليست إلا محاولة لتسجيل بعض المشاهدات والانطباعات التي عشتها في مكة المكرمة  خلال هذا الشهر المبارك.أسأل الله أن يحفظ هذه المدينة المقدسة، وأن يوفق القائمين على خدمة المسجد الحرام وزواره.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *