صحيفة النماص اليوم :
أعرب الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز آل سعود – أمير منطقة عسير -، عن حزنه العميق لرحيل المؤرخ التركي البارز البروفيسور إلبر أورتايلي، مشيدًا بإسهاماته العلمية الواسعة ومكانته الكبيرة في الدراسات التاريخية، ولا سيما في مجال تاريخ الدولة العثمانية. وأوضح بن طلال، في رسالة اطلعت عليها “وكالة أنباء تركيا”، أن نبأ الوفاة بلغه عبر صديقه إرشاد هرمزلو، مؤكدًا أن أورتايلي كان واحدًا من أبرز المؤرخين الذين تركوا أثرًا واضحًا في الأوساط الأكاديمية والثقافية، وأن رحيله يمثل خسارة كبيرة لعالم التاريخ. وأشار إلى أن أورتايلي عُرف بكونه عالمًا موسوعي المعرفة، عميق الرؤية، جمع بين صرامة الباحث ورهافة الإنسان، لافتًا إلى أنه لبّى في وقت سابق دعوة علمية رغم ما كانت تفرضه عليه ظروفه الصحية من مشقة، في موقف يعكس أخلاق العلماء وإيمانهم برسالة المعرفة. وأضاف أن العلاقة التي جمعته بالمؤرخ الراحل قامت على الاحترام الفكري والمودة الصادقة، مستشهدًا بقول المؤرخ العربي ابن خلدون “فنّ التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشدّ إليه الركائب والرحال”. وبيّن أن لقاءاتهما تكررت في مناسبات علمية وثقافية عدة، بعضها في أروقة الأرشيف العثماني في إسطنبول، حيث تحفظ الوثائق ذاكرة قرون من التاريخ، وأخرى قرب قصر توبكابي الذي يعد شاهدًا على تحولات الإمبراطوريات وتعاقب الحضارات. ولفت إلى أن آخر لقاء جمعهما كان في ولاية إسطنبول قبل أشهر خلال مناسبة تسلمه جائزة الإنسانية العالمية، حيث شرّفه أورتايلي بحضوره رغم حالته الصحية، مؤكدًا أن هيبة العالم ووقاره ظلّا حاضرين كما عرفه دائمًا. كما أشار إلى أنه كان يعتزم زيارة المؤرخ الراحل في منزله بمدينة غاليبولي المطلة على مضيق الدردنيل لمواصلة النقاش حول دور ذلك الموقع في التاريخ الإنساني، إلا أن القدر حال دون ذلك. وأكد بن طلال أن رحيل أورتايلي يمثل خسارة كبيرة للمشهد الأكاديمي والتاريخي، مشددًا على أن العلماء وإن غابوا بأجسادهم فإن أفكارهم وإرثهم العلمي يبقيان حاضرين في وجدان الأجيال (أنتهى). ويُعد البروفيسور إيلبر أورتايلي واحدًا من أبرز المؤرخين في تركيا، وقد اشتهر بدوره في تقريب علم التاريخ إلى الجمهور الواسع من خلال مؤلفاته الأكاديمية وكتبه وبرامجه التلفزيونية. وبفضل شخصيته اللافتة وبلاغته القوية ومعرفته الواسعة، ترك أثرًا كبيرًا ليس فقط في الأوساط الأكاديمية، بل أيضًا في الرأي العام.. وُلد أورتايلي في 21 أيار/مايو 1947 في مدينة بريغينز النمساوية لأسرة تتحدث التتارية القرمية، قبل أن تهاجر عائلته إلى تركيا وهو في الثانية من عمره. نشأ في بيئة متعددة اللغات والثقافات؛ إذ كانت والدته شفيقة أورتايلي أستاذة في قسم اللغة والأدب الروسي بكلية اللغة والتاريخ والجغرافيا في جامعة أنقرة، بينما عمل والده المهندس الطيار كمال أورتايلي في ترجمة أعمال تتعلق بتاريخ القرم والتتار إلى التركية. تلقى تعليمه الثانوي في المدرسة النمساوية في إسطنبول، ثم تخرج من مدرسة أتاتورك الثانوية في أنقرة عام 1965، قبل أن يلتحق بقسم التاريخ في كلية اللغة والتاريخ والجغرافيا بجامعة أنقرة، حيث تتلمذ على يد عدد من أبرز الأكاديميين في تركيا، من بينهم شريف ماردين وحليل إينالجك وممتاز سويسال. تخرج أورتايلي عام 1970، ثم تابع دراساته العليا في جامعة شيكاغو تحت إشراف المؤرخ حليل إينالجك، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه من كلية العلوم السياسية في جامعة أنقرة عام 1974. وفي عام 1979 نال درجة أستاذ مشارك ببحثه حول نفوذ الألمان في الإمبراطورية العثمانية. استقال أورتايلي من منصبه الأكاديمي عام 1982 احتجاجًا على القيود السياسية المفروضة على الجامعات في تلك الفترة، وواصل خلال تلك السنوات نشاطه الأكاديمي في عدد من الجامعات العالمية، حيث ألقى محاضرات وندوات في مدن مثل فيينا وبرلين وباريس وموسكو وروما وكامبريدج وأكسفورد. عاد إلى تركيا عام 1989 وحصل على لقب أستاذ، وعمل لسنوات طويلة رئيسًا لقسم تاريخ الإدارة في كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. وفي عام 2005 عُيّن مديرًا لمتحف قصر توبكابي في إسطنبول، أحد أهم المعالم التاريخية في البلاد، حيث شغل هذا المنصب لمدة سبع سنوات قبل أن يتقاعد عام 2012 بسبب بلوغه سن التقاعد. وبالإضافة إلى نشاطه الأكاديمي، واصل التدريس في جامعات عدة مثل جامعة غلطة سراي وجامعة بيلكنت، كما اشتهر ببرامجه التلفزيونية التي قدم من خلالها موضوعات تاريخية لجمهور واسع، من بينها برنامج وثائقي على قناة TRT وبرنامج “دروس التاريخ” على قناة NTV. كما كتب لسنوات طويلة مقالات في صحيفة ملييت، ونشر عددًا كبيرًا من الكتب والدراسات. وعُرف أورتايلي بقدرته على التحدث بعدد كبير من اللغات، بينها العثمانية والتتارية القرمية والعربية والفارسية والألمانية والفرنسية والإيطالية واللاتينية واليونانية والروسية، إلى جانب لغات أخرى في أوروبا الشرقية والبلقان. وكان يمتلك مكتبة ضخمة تضم نحو 30 ألف كتاب، تبرع بخمسة آلاف منها إلى جامعة غلطة سراي. وحصل خلال مسيرته العلمية على عدد من الجوائز البارزة، من بينها جائزة أيدين دوغان عام 2001، وميدالية بوشكين التي منحته إياها روسيا عام 2007، إضافة إلى جائزة الثقافة والفنون الكبرى من رئاسة الجمهورية التركية عام 2017، وهي من أرفع الجوائز الثقافية في البلاد.





التعليقات