الجمعة ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ الموافق ٤ رمضان ١٤٤٧ هـ

شباب يعي التاريخ ليصنع المستقبل ( حين تتحول الجذور إلى طاقة للنهضة ) –  بقلم الدكتور غرمان بن عبدالله بن غصاب الشهري

شباب يعي التاريخ ليصنع المستقبل ( حين تتحول الجذور إلى طاقة للنهضة ) –  بقلم الدكتور غرمان بن عبدالله بن غصاب الشهري
ليس التاريخ صفحاتٍ تُقرأ فحسب، ولا حكاياتٍ تُروى للتذكّر العابر، بل هو وعيٌ يتشكّل في العقول، وقيمٌ تتجدد في السلوك، وبوصلةٌ تهدي الأمم في مسيرتها نحو المستقبل. وحين يمتلك الشباب هذا الوعي، يتحول التاريخ من ذاكرةٍ ساكنة إلى طاقةٍ دافعة، ومن سردٍ للماضي إلى مشروعٍ لبناء الغد.
 
إن وعي الشباب بتاريخ وطنهم لا يعني الارتهان للماضي أو الوقوف عند منجزاته، بل يعني فهم الجذور التي صنعت الهوية، واستيعاب التجارب التي شكّلت مسار الدولة، واستخلاص الدروس التي تعزز القدرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص. فالأمم التي يعرف شبابها تاريخها، تمتلك حصانةً فكرية، وثقةً راسخة، وقدرةً أكبر على الابتكار دون أن تفقد أصالتها.
وفي السياق السعودي، يتجلى هذا المعنى بوضوح؛ إذ يقف الشباب أمام إرثٍ تاريخي عميق تشكّل عبر قرون من البناء السياسي والاجتماعي والثقافي، قام على قيم الوحدة والاستقرار والتنظيم والطموح. هذا الإرث لا يُستحضر بوصفه مجدًا ماضيًا فحسب، بل باعتباره قاعدةً معرفيةً وأخلاقيةً تُلهم الحاضر وتدعم مسارات التنمية المتسارعة التي يعيشها الوطن.

لقد أصبحت الجامعة اليوم أحد أهم الفضاءات التي يتبلور فيها هذا الوعي؛ فهي ليست مؤسسةً للتعليم فقط، بل بيئةٌ لتشكيل الفكر، وبناء الشخصية الوطنية، وتنمية القدرة على الربط بين المعرفة والواقع. ومن داخل القاعات الدراسية، والأنشطة الطلابية، والمبادرات المجتمعية، يتشكل جيلٌ يدرك أن الانتماء لا يكتمل إلا بالإسهام، وأن الفخر بالتاريخ لا يكتمل إلا بالعمل لصناعة المستقبل.

إن الشباب الواعي بتاريخ وطنه أكثر قدرةً على التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وأكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية، وأكثر إيمانًا بأن التنمية ليست مشروع دولة فحسب، بل مشروع مجتمع يشارك فيه الجميع. ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ بتعزيز الوعي التاريخي، وترسيخ الهوية، وتمكين الشباب من تحويل المعرفة إلى مبادرة، والانتماء إلى إنجاز.

وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتنافس فيه الأمم على الريادة، يبقى الرهان الأكبر على الإنسان الواعي بجذوره، الواثق بقدراته، المنفتح على المستقبل. فالشباب الذي يقرأ التاريخ بعمق، ويفهمه بوعي، ويستحضره بقيمه، هو القادر على أن يكتب فصولًا جديدةً من قصة الوطن، وأن يحوّل الطموح إلى واقع، والرؤية إلى إنجاز.

شبابٌ يعي التاريخ هو شبابٌ لا يكرر الماضي، بل يتجاوزه بالبناء عليه، وشبابٌ يصنع المستقبل هو شبابٌ يدرك أن المجد لا يُورث، بل يُصنع بالإرادة والعلم والعمل.

وبين الوعي والصناعة، تتجدد ذكرى التأسيس وحكاية الوطن، وتمضي المسيرة بثقةٍ نحو آفاقٍ أرحب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *