السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ

مشاهداتي للآثار في جنوب المملكة العربية السعودية وأهميتها في دراسة تاريخ البلاد التهامية والسروية – بقلم أ . د . غيثان بن علي بن جريس

مشاهداتي للآثار في جنوب المملكة العربية السعودية وأهميتها في دراسة تاريخ البلاد التهامية والسروية – بقلم  أ . د . غيثان بن علي بن جريس

1-مقدمة: تشكل مناطق جنوب المملكة العربية السعودية وحدة جغرافية وثقافية فريدة تمتد من الطائف شمالاً إلى نجران جنوباً، ومن جازان إلى مكة المكرمة . ويكشف هذا الامتداد الواسع عن تراكم حضاري متنوع تشكل عبر آلاف السنين، انعكس في كم هائل من الآثار السطحية والمدفونة، والنقوش، والرسومات الصخرية، والقرى القديمة، والمنشآت الزراعية والهندسية التي لا تزال شواهدها قائمة في كثير من المواقع.قمت بإعداد هذه النبذة العلمية استناداً إلى العديد من الجولات الميدانية التي نفذتها في جبال السراة وسهول تهامة، حيث وثّقت آلاف الشواهد الأثرية والمعالم العمرانية التقليدية، إلى جانب جمع روايات شفوية ومعلومات اجتماعية وثقافية تمثل جزءاً أصيلاً من تاريخ الإنسان في هذه البلاد.

2- جنوب المملكة مستودع ضخم للآثار المادية والمعنوية: تحتضن جنوب البلاد السعودية منظومة كبيرة من الشواهد الأثرية التي تعود إلى العصور الحجرية المبكرة، حيث عُثر على أدوات صوانية ورؤوس سهام ومخارز حجرية تشير إلى وجود تجمعات بشرية مستقرة في تلك العصور. كما تضم المنطقة مواقع تعود إلى فترة ما قبل الإسلام، وأخرى مرتبطة بالتحولات الكبرى التي شهدتها الجزيرة العربية خلال القرون الأولى من العصر الإسلامي. ويمثل التراث المعنوي جزءاً لا يتجزأ من هذا الإرث، حيث تحتفظ المجتمعات المحلية بثروة من الفنون الطربية  الشفوية، والمرويات الشعبية، والأشعار، والحكايات والأغاني والأهازيج المرتبطة بالأمكنة القديمة، وكلها تشكل عناصر مكملة للدليل الأثري المادي.

3- بلاد تهامة والسراة مجال رحب للبحث الأثري: عرفت هذه البلاد مرور قوافل التجارة والحج منذ العصور القديمة، وهذا مما جعلها نقطة تلاقٍ حضاري مهم. لكن الدراسات العلمية حول آثارها ما تزال محدودة مقارنة بحجم ما تحتويه من مواقع أثرية تمتد على طول جبال السروات وسهول تهامة. وتؤكد الشواهد التاريخية أن المنطقة كانت مركزاً من مراكز الزراعة المتقدمة، حيث اعتمد السكان على المدرجات الزراعية، والسدود القديمة، والأنظمة المائية المتقنة التي ما تزال بقاياها واضحة. وتظهر الحاجة الملحة لإجراء مسوحات حديثة تعتمد على تقنيات دقيقة، مثل قياس طبقات الأرض، والتحليل الجيومورفولوجي، وتقنيات التصوير الجوي الحديثة.

4- مشاهداتي الشخصية خلال الجولات الميدانية العلمية: خلال الكثير من الجولات الميدانية، وثّقت نقوشاً صخرية عديدة تتنوع بين النقوش العربية المبكرة، والرسوم الحيوانية، والرموز الهندسية. وتكشف هذه النقوش عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والروحية للمجتمعات القديمة التي استوطنت المنطقة. كما رصدت كثيراً من القرى المهجورة التي تحمل آثار مبانٍ حجرية متقنة، وأبراج مراقبة، وحصون دفاعية،وأسواق شعبية ، وآبار وعيون وأساليب معمارية متنوعة  تدل على تكيف السكان مع بيئاتهم الجبلية أو السهلية.

5- الاعتداء على الآثار السطحية وضياع المصادر: شهدت العقود الماضية تعرض عدد من المواقع للتخريب أو الاندثار بفعل العوامل الطبيعية أو الأنشطة البشرية العشوائية، مما أدى إلى ضياع الكثير من النقوش الصخرية والرسوم والقرى الأثرية. ويشكل هذا التعدي تهديداً مباشراً لمصادر التاريخ الأولية التي تساعد الباحثين على بناء قراءة متكاملة لتاريخ المنطقة وتراثها وموروثها وحضارتها .

6- جهود الدولة في الحفاظ على التراث: أسست المملكة العربية السعودية هيئات متخصصة في حماية التراث والآثار، وأطلقت مشاريع عديدة لتوثيق المواقع التاريخية. وقد أسفر ذلك عن تسجيل عدد كبير من المواقع في المنطقة الجنوبية.لكن المساحة الواسعة للمنطقة وتنوع بيئاتها يتطلبان توسعاً أكبر في البرامج البحثية، مع إشراك الجامعات المحلية في إعداد دراسات شاملة للمواقع.

7- الآثار المدفونة وقرى الأوائل: تشير الدراسات إلى وجود طبقات أثرية عميقة في مناطق كثيرة من تهامة والسراة، ما يدل على أن آلاف البشر عاشوا في هذه الديار عبر عصور تاريخية مختلفة. وتكشف الحفريات المحدودة التي تمت حتى الآن عن وجود فخار، وبقايا مساكن، وأدوات زراعية، مما يشير إلى حياة مستقرة ومنظمة. وتمثل دراسة هذه الآثار المدفونة مفتاحاً مهماً لفهم تطور العمران، وأنماط الحياة، والعلاقات الاقتصادية التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بغيره من المناطق.

8- المنهج العلمي في دراسة الآثار السطحية والمدفونة: يعتمد المنهج الأثري الحديث على مجموعة من الأدوات العلمية التي تشمل المسوحات الحقلية، والتحليل الطبقي، والتوثيق الجغرافي باستخدام نظم المعلومات الجغرافية ( GIS ) ،  وتقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، والمسح الليزري، إضافة إلى تحليل المواد العضوية، والفخار، والعظام.وتساعد هذه الأدوات في إعادة بناء السياقات التاريخية للمواقع، وفهم التفاعلات البشرية مع البيئة، وتحديد التسلسل الزمني للطبقات الأثرية، وهو ما يفتح المجال أمام قراءة علمية دقيقة للماضي.

9- النظم الزراعية القديمة والمدرجات والسدود: تعد المدرجات الزراعية في جبال السراة واحدة من أبرز الشواهد الحضارية التي تعكس قدرة الإنسان على توظيف البيئة الجبلية. وتظهر هذه المدرجات نظاماً هندسياً متقناً اعتمد على بناء الجدران الحجرية، وشبكات ري تعتمد على السواني والعقول، إضافة إلى سدود حجرية لأغراض تجميع المياه.ويمثل تحليل هذه المنشآت الزراعية مدخلاً لفهم الاقتصاد الريفي القديم، وأساليب إدارة المياه، وأساليب بناء المجتمعات الجبلية.

10- النقوش والرسومات الصخرية ودلالاتها: تقدم النقوش الصخرية سجلاً بصرياً مهماً لتاريخ المنطقة، وتكشف عن مراحل الفن القديم، وأنماط الاعتقاد، والصيد، والحروب، والطقوس الاجتماعية. وتمثل الرموز الهندسية والكتابية مصدراً مهماً لفهم تطور الخط العربي، والتواصل الثقافي بين المجتمعات. ويعد تحليل طبقات الرسوم، وأنواع الأدوات المستخدمة في نحتها، ودراسة مواقع انتشارها، من العناصر المهمة في بناء قراءة شاملة لتاريخ الإنسان في عموم السروات وتهامة.

11- الخاتمة: إن الآثار السطحية والمدفونة في جنوب المملكة العربية السعودية تُعد ثروة معرفية كبيرة تستحق الاهتمام الرسمي والأكاديمي. وقد أكدت هذه الدراسة، بمضافاتها الجديدة، عمق البنية التاريخية للمنطقة، وضرورة توثيقها وفق منهجية علمية حديثة. وتدعو الدراسة الجامعات ومراكز البحث العلمي إلى تبني مشاريع موسعة لمسح الآثار وتحليلها، وتفعيل دور المجتمع المحلي في حفظ تراثه، والعمل على تحويل هذه الثروة الأثرية إلى مصدر ثقافي ومعرفي للأجيال القادمة. 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *