1-مقدمة: تشكل مناطق جنوب المملكة العربية السعودية وحدة جغرافية وثقافية فريدة تمتد من الطائف شمالاً إلى نجران جنوباً، ومن جازان إلى مكة المكرمة . ويكشف هذا الامتداد الواسع عن تراكم حضاري متنوع تشكل عبر آلاف السنين، انعكس في كم هائل من الآثار السطحية والمدفونة، والنقوش، والرسومات الصخرية، والقرى القديمة، والمنشآت الزراعية والهندسية التي لا تزال شواهدها قائمة في كثير من المواقع.قمت بإعداد هذه النبذة العلمية استناداً إلى العديد من الجولات الميدانية التي نفذتها في جبال السراة وسهول تهامة، حيث وثّقت آلاف الشواهد الأثرية والمعالم العمرانية التقليدية، إلى جانب جمع روايات شفوية ومعلومات اجتماعية وثقافية تمثل جزءاً أصيلاً من تاريخ الإنسان في هذه البلاد.
3- بلاد تهامة والسراة مجال رحب للبحث الأثري: عرفت هذه البلاد مرور قوافل التجارة والحج منذ العصور القديمة، وهذا مما جعلها نقطة تلاقٍ حضاري مهم. لكن الدراسات العلمية حول آثارها ما تزال محدودة مقارنة بحجم ما تحتويه من مواقع أثرية تمتد على طول جبال السروات وسهول تهامة. وتؤكد الشواهد التاريخية أن المنطقة كانت مركزاً من مراكز الزراعة المتقدمة، حيث اعتمد السكان على المدرجات الزراعية، والسدود القديمة، والأنظمة المائية المتقنة التي ما تزال بقاياها واضحة. وتظهر الحاجة الملحة لإجراء مسوحات حديثة تعتمد على تقنيات دقيقة، مثل قياس طبقات الأرض، والتحليل الجيومورفولوجي، وتقنيات التصوير الجوي الحديثة.
4- مشاهداتي الشخصية خلال الجولات الميدانية العلمية: خلال الكثير من الجولات الميدانية، وثّقت نقوشاً صخرية عديدة تتنوع بين النقوش العربية المبكرة، والرسوم الحيوانية، والرموز الهندسية. وتكشف هذه النقوش عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والروحية للمجتمعات القديمة التي استوطنت المنطقة. كما رصدت كثيراً من القرى المهجورة التي تحمل آثار مبانٍ حجرية متقنة، وأبراج مراقبة، وحصون دفاعية،وأسواق شعبية ، وآبار وعيون وأساليب معمارية متنوعة تدل على تكيف السكان مع بيئاتهم الجبلية أو السهلية.
5- الاعتداء على الآثار السطحية وضياع المصادر: شهدت العقود الماضية تعرض عدد من المواقع للتخريب أو الاندثار بفعل العوامل الطبيعية أو الأنشطة البشرية العشوائية، مما أدى إلى ضياع الكثير من النقوش الصخرية والرسوم والقرى الأثرية. ويشكل هذا التعدي تهديداً مباشراً لمصادر التاريخ الأولية التي تساعد الباحثين على بناء قراءة متكاملة لتاريخ المنطقة وتراثها وموروثها وحضارتها .
6- جهود الدولة في الحفاظ على التراث: أسست المملكة العربية السعودية هيئات متخصصة في حماية التراث والآثار، وأطلقت مشاريع عديدة لتوثيق المواقع التاريخية. وقد أسفر ذلك عن تسجيل عدد كبير من المواقع في المنطقة الجنوبية.لكن المساحة الواسعة للمنطقة وتنوع بيئاتها يتطلبان توسعاً أكبر في البرامج البحثية، مع إشراك الجامعات المحلية في إعداد دراسات شاملة للمواقع.
7- الآثار المدفونة وقرى الأوائل: تشير الدراسات إلى وجود طبقات أثرية عميقة في مناطق كثيرة من تهامة والسراة، ما يدل على أن آلاف البشر عاشوا في هذه الديار عبر عصور تاريخية مختلفة. وتكشف الحفريات المحدودة التي تمت حتى الآن عن وجود فخار، وبقايا مساكن، وأدوات زراعية، مما يشير إلى حياة مستقرة ومنظمة. وتمثل دراسة هذه الآثار المدفونة مفتاحاً مهماً لفهم تطور العمران، وأنماط الحياة، والعلاقات الاقتصادية التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بغيره من المناطق.
9- النظم الزراعية القديمة والمدرجات والسدود: تعد المدرجات الزراعية في جبال السراة واحدة من أبرز الشواهد الحضارية التي تعكس قدرة الإنسان على توظيف البيئة الجبلية. وتظهر هذه المدرجات نظاماً هندسياً متقناً اعتمد على بناء الجدران الحجرية، وشبكات ري تعتمد على السواني والعقول، إضافة إلى سدود حجرية لأغراض تجميع المياه.ويمثل تحليل هذه المنشآت الزراعية مدخلاً لفهم الاقتصاد الريفي القديم، وأساليب إدارة المياه، وأساليب بناء المجتمعات الجبلية.
10- النقوش والرسومات الصخرية ودلالاتها: تقدم النقوش الصخرية سجلاً بصرياً مهماً لتاريخ المنطقة، وتكشف عن مراحل الفن القديم، وأنماط الاعتقاد، والصيد، والحروب، والطقوس الاجتماعية. وتمثل الرموز الهندسية والكتابية مصدراً مهماً لفهم تطور الخط العربي، والتواصل الثقافي بين المجتمعات. ويعد تحليل طبقات الرسوم، وأنواع الأدوات المستخدمة في نحتها، ودراسة مواقع انتشارها، من العناصر المهمة في بناء قراءة شاملة لتاريخ الإنسان في عموم السروات وتهامة.

















التعليقات